من الريلز إلى ميكرو دراما.. كيف تعيد السوشيال تشكيل وعينا؟ - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من الريلز إلى ميكرو دراما.. كيف تعيد السوشيال تشكيل وعينا؟ - تواصل نيوز, اليوم الخميس 15 أكتوبر 2026 01:05 مساءً

لم تعد السوشيال ميديا مجرد نافذة نطل منها على العالم، بل أصبحت شريكا في تشكيل الطريقة التي نراه بها، ونتلقى أخباره، ونستهلك فنه، ونحكم على ما يستحق أن يستحوذ على انتباهنا.. وبينما تتسارع حركة الأصابع على الشاشات، ننتقل من حكاية إلى حكاية، ومن صورة إلى خبر، ومن مقطع لا يتجاوز ثواني إلى آخر، حتى أصبح التوقف أمام ما نشاهده فعلا يحتاج إلى قرار، والاستغراق فيه نوعا من مقاومة إغراء الانتقال إلى ما يليه.


فلم يعد السؤال عن مدى تأثير السوشيال ميديا في حياتنا، بل عن الكيفية التي أعادت بها تشكيل علاقتنا بالفن والمعرفة والاتصال، وعن الثمن الذي قد ندفعه حين تتحول السرعة من وسيلة لتسهيل الوصول إلى غاية تحكم ما ننتجه وما نتلقاه. ومن هنا يظهر السؤال: هل يتغير الفن أم يتغير المتلقي، أم أن العلاقة بينهما يعاد تشكيلها تحت تأثير المنصات الرقمية؟


أمام اعتياد الجمهور على المقاطع القصيرة والمحتوى سريع الإيقاع، لم يعد غريبا أن تتجه صناعة الدراما إلى أشكال أكثر اختصارا وتكثيفا، وأن تجد المسلسلات القصيرة (الميكرو دراما) مساحة متزايدة على المنصات الرقمية.. فصناعة المحتوى لا تعمل بمعزل عن عادات جمهورها وقضاياه، والمنتج الذي يسعى إلى جذب الانتباه والاحتفاظ به قد يجد نفسه مضطرا إلى إعادة النظر في رؤيته، وإيقاع حكايته، وطرق تقديم شخصياته وصراعاته.


ويظهر ذلك بوضوح في انتشار الأعمال المصممة خصيصا للهواتف، مثل المسلسلات العمودية القصيرة التي تُعرض في حلقات لا تتجاوز دقائق معدودة، وتبني كل حلقة على نهاية معلقة تدفع المشاهد إلى متابعة التالية.. والجديد هنا ليس استخدام التشويق، فهو تقنية درامية أصيلة، بل تكثيفه وربطه بإيقاع المنصة واقتصاد الانتباه.. 

كما ساعدت المنصات على صعود فنانين مستقلين وموسيقيين جدد، وتحولت مقاطع قصيرة من أغانٍ غير معروفة إلى ظواهر واسعة الانتشار، وأعادت بعض الأغنيات إلى قوائم الاستماع بعد سنوات من صدورها.. 

 

هذه الأمثلة تكشف أن المنصات لا تكتفي بعرض الفن، بل تشارك في تحديد ما يصل إلى الجمهور وما يعاد اكتشافه، وإن كانت فرص الوصول نفسها لا تتوزع بالضرورة بعدالة، في ظل تأثير الخوارزميات والمصالح التجارية. ولكن السؤال الذي يستحق التأمل حقا.. هل نحن أمام تطور طبيعي في أشكال السرد، أم أمام استجابة متزايدة لثقافة المشاهدة السريعة؟


ليس اختصار العمل الفني عيبا في حد ذاته، كما أن طول العمل لا يمنحه بالضرورة عمقا وقيمة.. إنما تكمن المشكلة عندما يصبح اختزال الحكاية هو الهدف، ويتحول الإيقاع المتسارع إلى بديل عن البناء الدرامي، وتُختزل الشخصية في ملامح سريعة تكفي لجذب المشاهد، لا لفهم دوافعها وتحولاتها وفلسفتها. 

هنا لا يصبح الفن مهتما بالدهشة التي يتركها فينا، بقدر ما يصبح مهتما باللحظة التي تسبق انتقالنا إلى محتوى آخر.. وبين الأمرين فرق كبير.. فهناك عمل يخطف انتباهنا، وعمل آخر يستحق هذا الانتباه، ويترك فينا أثرا يتجاوز لحظة المشاهدة نفسها.


ولم يقتصر التحول على تلقي الفن فقط، بل امتد إلى المعرفة والأخبار.. فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مصدرا يوميا يتعرف من خلاله كثيرون على الأحداث، ويتابعون القضايا العامة، ويكوّنون انطباعاتهم عن العالم، أحيانا قبل الرجوع إلى الصحف أو المواقع الإخبارية المتخصصة أو النشرات التلفزيونية.. 

وقد أصبح الوصول إلى الخبر عبر منشور أو مقطع تقترحه الخوارزمية أو يشاركه أحد الأصدقاء جزءا من عادات التلقي، بما يتيحه ذلك من سرعة في الانتشار، وما يفرضه في الوقت نفسه من تحديات تتعلق بالتحقق من المصادر والسياق.


فقد تنتشر معلومة غير دقيقة بالسرعة نفسها التي ينتشر بها الخبر الصحيح، وقد يتحول تصريح مجتزأ أو رقم منزوع من سياقه إلى مادة واسعة التداول، يصعب تصحيح أثرها بالسرعة نفسها. وهنا لا تكمن المشكلة في وسيلة الوصول إلى الخبر وحدها، بل في المصدر الأصلي، وطريقة تقديم المعلومة، ومدى التحقق منها قبل تداولها.


وهذا التحول، برغم ما يتيحه من سرعة في الوصول وانتشار للمعلومات، يضع المؤسسات الإعلامية أمام مسؤولية أكبر، فحين تُختصر قضية معقدة في منشور، أو يُنتزع تصريح من سياقه ليصبح مادة قابلة للتداول، قد تصل الرسالة إلى جمهور واسع، لكنها تصل إليه ناقصة أو مضللة.. 

ولم تعد المسؤولية الإعلامية تقتصر على نشر الخبر، بل أصبحت تشمل التحقق من مصادره، وتوضيحه، وتصحيح الأخطاء، والتمييز بين المعلومة والرأي، فسهولة تداول المعلومة لا تعني بالضرورة صحتها، وكثرة مشاركتها لا تمنحها مصداقية إضافية!


ومع ذلك، لا ينبغي أن نقع في فخ المقارنة المثالية بين إعلام تقليدي موثوق بالضرورة وإعلام رقمي مضلل بالضرورة، فالمعيار الحقيقي ليس الوسيلة التي تحمل الرسالة، بل موثوقية المصدر، وجودة الممارسة المهنية، والسياق الذي تقدم فيه المعلومة.. فالمؤسسات الإعلامية التقليدية ليست بعيدة عن ضغوط المنافسة والمصالح التجارية، كما أن المنصات الرقمية ليست عاجزة بالضرورة عن تقديم محتوى مهني موثوق.


ولم يعد الجمهور مجرد متلق لرسالة تنتقل من مرسل إلى مستقبل، بل أصبح مشاركا في تداولها، والتعليق عليها، وإعادة إنتاجها، وأحيانا تغيير معناها، حتى أصبحت أدوات قياس النجاح أكثر ارتباطا بالمشاهدات والتفاعلات ومعدلات الانتشار.. ولكن.. هل يعني وصول الرسالة إلى ملايين الأشخاص أنها نجحت فعلا؟ وهل يكفي أن يضغط المتلقي زر الإعجاب لنقول إنه فهم ما شاهده أو اقتنع به أو وصل إليه مضمون الرسالة؟!


هناك فرق بين أن تصل الرسالة، وأن تفهم، وأن تترك أثرا. فقد يحقق محتوى ما انتشارا واسعا دون أن يقدم معرفة أو قيمة حقيقية، وقد تحقق رسالة أخرى قدرا أقل من التفاعل، لكنها تفتح بابا للتفكير وتبقى في الذاكرة طويلا.


وتشير أبحاث في علم الانتباه والإعلام الرقمي إلى أن الانتقال المتكرر بين المقاطع والتنبيهات قد يجزئ التركيز ويجعل الانخراط في مهمة واحدة لفترة طويلة أكثر صعوبة، كما وجدت دراسات عن تعدد المهام الإعلامية ارتباطا بين كثافة التنقل بين المحتويات وضعف استيعاب بعضها.. ولا يعني ذلك أن كل استخدام للمقاطع القصيرة يضر بالانتباه، أو أن هذه المقاطع تؤدي بالضرورة إلى تراجع القدرة على التركيز، لكنه يوضح أن تصميم المنصة، وكثافة التنبيهات، وعادات الاستخدام، عوامل قد تؤثر في قدرتنا على الفهم والتذكر.


ونجد هنا أنه في الوقت الذي أصبحت فيه وسائل الاتصال أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور، لم يعد مضمون الرسالة وحده هو ما يحدد فرص انتشارها، بل تتداخل معه طبيعة المنصة، وخوارزمياتها، ومصالحها التجارية، وعادات المتلقي، وقدرة المحتوى على إثارة انتباهه.. وهو ما يجعل المنافسة لا تدور دائما حول جودة ما يقدم، بل حول قدرته على البقاء أمام أعين الجمهور وسط سيل لا ينتهي من المحتويات!


ليست المشكلة في سرعة العصر، ولا في أن يتطور الفن والإعلام استجابة لأدوات جديدة، فكل تحول في وسائل الاتصال يفتح إمكانات مختلفة للتعبير والوصول، إنما تبدأ الأزمة حين يصبح الانتشار هو المعيار الوحيد للنجاح، وحين تتحول القدرة على جذب الانتباه إلى غاية تتقدم على قيمة ما يستحق هذا الانتباه.


ربما كل ما نحتاجه الآن هو استعادة التوازن بين سرعة الوصول وعمق التجربة، وبين جاذبية المحتوى وصدقه.. لكن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق المتلقي وحده، فبينما يتحمل الجمهور مسؤولية اختياراته، يتحمل صناع المحتوى والمؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية مسؤولية ما يقدمونه.

فهل نستخدم التكنولوجيا بوعي ومسؤولية لتوسيع وعينا بالعالم، أم نسمح لها بأن تختصره لنا في مقاطع عابرة لا نكاد نتذكرها قبل أن ننتقل إلى المقطع التالي؟! ربما لا تكمن الإجابة في رفض السرعة أو مقاومتها على الإطلاق، بل في أن نمتلك القدرة على الاختيار بوعي، وأن نميز بين ما يستحوذ على انتباهنا وما يستحقه، وبين ما يصل إلينا سريعا وما يستحق منا وقتا أطول للفهم والتأمل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق