خربة قنافار: أَقدم سنديانة في الشرق - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
خربة قنافار: أَقدم سنديانة في الشرق - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 08:51 صباحاً

هادئة كفتاة جميلة تحلم متَّكئةً على شرفة البقاع الغربي، خلْفها يستريح سفح الباروك ملتفتًا إِليها، حولها رفيقات لها على مطلّ السهل: عين زبدة، كفْريا، جب جنين، عيتنيت، مشغرة، ويفصلها عمَّا بينها نهر الليطاني. وهي تغوى بأَنها عقاريًّا أَكبر بلدة في البقاع الغربي.

هذه هي "خربة قنافار".

 

في عراقة الهوية

أَيامَ طريق الحرير، كانت هي على طريق البهارات. وكان التجار يشُكُّون ليلًا على التلال مشاعلَ للتوجُّه بدون تيَهَان وضيَاع. أَعلى تلك التلال حقبتئِذٍ كانت "تلَّة قنافار". من هنا اشتقاق اسمها يونانيًّا: Ano أَي العالي، وFaro أَي النُور، أَي أَنها "تلَّة النور العالي". ومع الزمن، انطفَأَت المشاعل واندثَرَت الطرُقات والـمعالِم وآلَت إِلى الخراب، فبقيَت التلَّة الجميلة إِنما التصقَت بها صفةٌ من بقايا الخراب، فبات اسمها "خربة قنافار". وفي تفسير آخَر أَنها "المنارة العالية". وفي قلب الجبل، عند جبين البلدة على عُلُوِّ 1100 متر، "مغارة التوبة" محفورة في الصخر، اكتَشَفَتْها سنة 2022 فِرَقٌ فنية لدى المصلحة الوطنية لنهر الليطاني. في المغارة تكوُّنات صخرية وكلْسية وصَواعد وهَوابط شبيهة بما في مغارة جعيتا، تتقلَّص مع التعمُّق إِلى داخلها، بُلُوغًا إِلى المياه والشلَّال. وفي ثنايا الصخور نقوشٌ قديمةٌ تحتَّتَ معظَمُها، وخرائب أَثرية أُخرى مبعثرة. لذا لَحِقَتْها كلمة "خربة" ترجمةً لذاك الخراب الأَثري. 

 

 

البلاطة الرخامية عند مدخل حديقة سنديانة قنافار

البلاطة الرخامية عند مدخل حديقة سنديانة قنافار

 

 

سوى أَنَّ "خربة" قَنافار تتعالى على الخربة والخراب، وتزهو اليوم بِمعالِمَ ساطعةٍ فيها، ويزهو معها لبنان. أَكتفي منها هنا بأَربعة:

 

1. سنديانة قنافار


عن معظم المراجع، كما عن إِجماع دراسات طويلة (نحو 15 عامًا) عن أَشجار السنديان في لبنان، أَنَّ التي في خربة قنافار هي "أَقدم سنديانة في الشرق". ولذا، اعتزازًا بإِرثها التاريخي، اتخذَتْها البلدةُ شعارًا لها ملازمًا كلَّ صورةٍ أَو مطبوعةٍ سياحيةٍ أَو تاريخيةٍ عنها. وحتى آخِر سنوات النصف الآخَر من القرن الماضي، كان قسْم من جذعها مطمورًا في التراب، حتى بادر المجلس البلدي برئاسة طوني شديد إِلى استصلاح محيطها سنة 2018، وإِبراز جذعها الضخم، ونثْر مقاعد حولها للزوَّار والسيَّاح والدارسين ورحلات التلامذة والطلَّاب، رمزًا لطوُل العمر وَهَيْبَة المنظر وجلاله. في بعض المراجع التاريخية أَنها ترقى إِلى القرن الرابع الميلادي. تغطِّي مساحة ٥٠٠ متر مربَّع من الأَرض حولها، يبلغ محيط جذعها دائريًّا نحو 10 أَمتار، وتعلو في الفضاء نحو 70 مترًا. 

 

 

الجلال والجمال في سنديانة قنافار

الجلال والجمال في سنديانة قنافار

 

 

2. مدرسة يوهان شْنِلِر


كان القسيس الأَلماني البروتستانتي يوهان لودفيك شْنِلِر (1820-1896) في طريق الحج إِلى القدس. توقَّف سنة 1860 (إِبان الأَحداث الطائفية في لبنان) في قنافار، وَلَفَتَتْهُ بين بلدات المنطقة فذكَرَها في كتاباته. وفي القدس، أَنشأَ ميْتمًا ومدرسة.

بعد وفاته أَدارهما ابنه تيودور (1856-1935)، وتولَّاهما بعدَه حفيدُه هرمان شْنِلِر (1910-1991). وحين بدأَ اليهود في فلسطين حملات التهجير وطرد الأَلمان، كان لا بدَّ من إِيجادِ مكانٍ آمِنٍ للميتم والمدرسة بعد مغادرة القدس. وفيما كان أَحد أَساتذة المدرسة، اسكندر الحداد، لدى الحلَّاق أَديب نعيم في خربة قنافار، سأَلهُ إِن كان من بقعة في البلدة لإِقامة المدرسة. وبعد استشارات واستفهامات جاء أَديب نعيم بالردِّ الإِيجابي، فتولى هرمان الحفيد بناء المدرسة في البلدة سنة 1949. وأَخذَت المدرسة تكبَر مساحةً وتلامذةً، وتشتهر بالانضباط والحزْم، على الطريقة الأَلمانية الصارمة إِنما المفيدة. وانتسَب إِليها في تلك الفترة (خصوصًا منذ 1952) معظم أَبناء خربة قنافار والجوار. لا تزال حتى اليوم من أَبرز المدارس في المنطقة البقاعية، وهي حاليًّا في عهدة الكنيسة الإِنجيلية في بيروت. 

 

 

أُسرة شاتو قنافار: جورج نعيم يتوسط ابنه إِدي وابنته إِيڤا وزوجته كوليت

أُسرة شاتو قنافار: جورج نعيم يتوسط ابنه إِدي وابنته إِيڤا وزوجته كوليت

 

 

 

3. فندق نبع الخريزات


قد يكون من أَقدم الفنادق في كل المنطقة. أَنشأَه قيصر كرم وتولَّى إِدارته مع زوجته أَدال المعوشي كرم (ابنة شقيقة البطريرك بولس المعوشي). نجح عزت كرم في نبش نبع جديد مُحَاذٍ أَفاد منه الفندق والمحيط والجوار. اشتهر هذا الفندق في أَواخر أَربعينات  القرن الماضي، وكان بين روَّاده الرئيسان بشارة الخوري وكميل شمعون. 

 

 

المغارة الجميلة عند جبين خربة قنافار

المغارة الجميلة عند جبين خربة قنافار

 

4. كروم "شاتو قنافار" Château Kanafar


لم يكُن جورج أَديب نعيم (خرّيج الجامعة الأَميركية في بيروت) خبيرًا بالنبيذ ولا من مُدمنيه. لكنه، حين كان في بلجيكا أَواخر سنوات خدمته (كبيرَ خبراء شركة "إِكسون موبيل" للنفط والغاز)، وبلجيكا عروس أُوروبا في صناعة النبيذ، بدأَ يتنبَّه إِلى أَهميته. وعند ختام الاحتفال بتكريمه في لندن لمناسبة تقاعده (2012)، أَهداه رئيس الشركة كتابَيْن عن النبيذ، فيهما كل ما يُغري بمقاربة هذه الصناعة. وعوض أَن يحلم جورج بسنوات الراحة بعد التقاعد (هو من مواليد خربة قنافار سنة 1941)، حملَه طموحُهُ إِلى مغامرة النبيذ. هكذا بدأَ أَوَّلًا بزراعة كرم العنب في مساحة هكتار واحد (10 آلاف متر مربع) في بلدته، واستأْجر كاراجًا متوسطًا من نحو 200 متر مربع أَخذ يُصنِّع فيه.

 

وحين خرجَت زجاجات النبيذ الأُولى، أَرسلها إِلى عروس النبيذ بلجيكا، فجاءه الجواب العلْمي أَنه من أَطيب النبيذ إِطلاقًا. هكذا كانت ولادة نبيذ "شاتو قنافار". أَخذ يحسِّن في الإِنتاج ويُطَوِّره. وكان ابنُه إِدي أَنهى اختصاصه في هذه الصناعة متخرجًا من جامعة كاليفورنيا الأَميركية في مدينة ديفيس، فانضم إِلى والده. وبدأَ الوالد ببناء الخمارة على إِحدى تلال خربة قنافار الجميلة. كان التنافس شديدًا مع شركات تصنيع النبيذ اللبناني الأُخرى، ومعظمُها ممتاز. لكنَّ نبيذ "شاتو قنافار" تميَّزَ بجودةٍ مغايرة شهدَت له بها معارض النبيذ في العالم (6 أَنواع نبيذ أَحمر، و4 أَنواع نبيذ أَبيض، وعَرَق Anis). وفاز بـ"المدالية الذهبية المميَّزة" Super Gold medal في معرض دوسلدورف سنة 2017 عن قنينة نبيذ معتَّقة منذ 2010. وتوالت المعارض والنجاحات المنافسة، وتوسَّع تصدير "شاتو قنافار" إِلى أَلمانيا، بريطانيا، سويسرا، الولايات المتحدة، سنغافورة، هونغ كونغ. وفي 2021 فاز نبيذ "شاتو قنافار" في بريطانيا بلقب "نبيذ السنَة 2021" بين عشرات المتنافسين في العالم.

 

اليوم، وكلَّ يوم، يواصل جورج نعيم صناعته الناجحة بإِدارةٍ عائليةٍ، منه ومن زوجته كوليت، ومن ابنه إِدي وابنته إيڤا. وكلَّما أَشرق فجر جديد على "خربة قنافار"، تنزل الشمس باسمةً على كرومٍ سخيةٍ واسعة، تُنتج نبيذًا طيِّبًا يحمل صناعة لبنان المميزة إِلى كلِّ العالَم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق