أسماك بلا هوية... ماذا يصل إلى موائد العرب؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أسماك بلا هوية... ماذا يصل إلى موائد العرب؟ - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 10:47 صباحاً

في بلدان عربية عدة، قد يشتري المستهلك سمكة تحمل اسماً تجارياً مألوفاً، من دون أن يدرك أن هذا الاسم قد يخفي نوعاً آخر أقل سعراً وقيمةً في السوق. فبعد إزالة الرأس والجلد والعظام، وتحويل السمكة إلى شرائح أو منتجات مصنّعة، تختفي معظم العلامات التي تتيح تمييزها، ولا يبقى أمام المشتري غالباً سوى الاسم المدوّن على العبوة أو الذي يذكره البائع لمعرفة نوع ما يأكله.

 

وتقدم ورقة بحثية مصرية نُشرت في حزيران/يونيو الفائت، دليلاً جديداً على استمرار هذه الظاهرة. فقد أظهر تحليل وراثي لـ12 عينة من شرائح البانغاسيوس المجمدة، جُمعت من أسواق القاهرة والإسكندرية، أن ثماني عينات تعود إلى سمك السواي، فيما تعود أربع عينات إلى الباسا. واعتبر الباحثون أن 66.7% من العينات تمثل حالات استبدال للباسا بالسواي، مع تأكيدهم أن محدودية العينة لا تسمح بتعميم النتيجة على السوق المصرية بأكملها.

 

وانطلاقاً من هذه الحالة، تتبعت "النهار" المسارات التي قد تنفصل عندها الهوية البيولوجية للسمكة عن الاسم التجاري الذي تصل به إلى المستهلك، مستندةً إلى دراسات علمية وبيانات رسمية وشهادات باحثين وعاملين في قطاع الاستيراد. وتكشف الأدلة أن المشكلة لا تتخذ نمطاً واحداً، فقد تنشأ من استبدال نوع بآخر، أو اضطراب الأسماء التجارية، أو قصور إجراءات الفحص والتتبع، وهي ثغرات قد تتداخل في سلسلة التوريد نفسها وتفتح المجال أمام التضليل والتلاعب.

 

وبينما تتيح تقنية الباركود الوراثي التحقق من هوية كثير من المنتجات السمكية، حتى بعد تجميدها أو تصنيعها، لا تزال هذه التقنية بعيدة عن الاندماج المنتظم في إجراءات الرقابة، ما يترك سؤالاً مفتوحاً بشأن الضمانات التي تكفل للمستهلك أن يشتري فعلاً النوع الذي يشير إليه الاسم التجاري للمنتج، وتوضح نطاق المسؤولية عند حدوث أي تلاعب.

 

 

أسماك معروضة للبيع في إحدى السوبرماركات في بيروت (حسام شبارو- النهار).

أسماك معروضة للبيع في إحدى السوبرماركات في بيروت (حسام شبارو- النهار).

 

 

حين ينفصل الاسم عن السمكة

لا يعكس الاسم التجاري دائماً النوع الحقيقي للسمكة. ففي حالات كثيرة يكون مجرد ستار يخفي هويتها البيولوجية.

 

ويوضح الدكتور خالد محمد جبة، أستاذ البيولوجيا الجزيئية البحرية، وزميل معهد سميثسونيان للتاريخ الطبيعي بالولايات المتحدة، لـ"النهار"، أنّ دراسات في أسواق عربية رصدت استبدال أنواع مرتفعة القيمة بأخرى أقل سعراً، من بينها شرائح بيعت باسم "قشر البياض"، بينما أظهرت الفحوص أنها من أسماك "البانغاسيوس".


وفي المغرب، يبدأ الخلل أحياناً قبل وصول السمكة إلى المتجر. ويقول الدكتور هشام مسكي، الباحث في المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، لـ"النهار"، إن الالتباس يظهر منذ مرحلة البيع الأول، إذ قد يُستخدم الاسم التجاري نفسه لأنواع مختلفة، بينما يحمل النوع الواحد أسماء محلية متعددة.

 

وفي دراسة شملت 138 نوعاً، وجد الباحثون أن بعض الأنواع يحمل ما يصل إلى 21 اسماً عبر مناطق المغرب.

 

ولا يقتصر هذا التفاوت على التسميات المتداولة بين الصيادين والباعة. فبحسب مسكي، أظهرت مراجعته بيانات البيع الأول التي نشرها المكتب الوطني للصيد في تموز/يوليو الماضي اختلافاً في كتابة أسماء الأنواع وتسميتها من ميناء إلى آخر.

 

ويستشهد مسكي بسمكة Plectorhinchus mediterraneus، المعروفة بالفرنسية باسم "أباديش"، التي يقول إنها قد تباع للمستهلك تحت اسم "ميرو"، أي الهامور أو الوقار.

 

لا يثبت تعدد الأسماء وحده وقوع غش تجاري متعمد، لكنه يهيئ بيئة مواتية للاحتيال. فغياب مرجع موحد يربط الاسم التجاري بالنوع العلمي يسمح بتمرير أنواع أقل قيمة تحت أسماء أكثر رواجاً، ويمنح المتلاعبين مساحة للاختباء خلف الاختلافات المحلية في التسمية. كما يربك تتبع الأسماك عبر مراحل التداول، ويصعّب اكتشاف المرحلة التي تم فيها استبدال الاسم.

 

اعداد طبق من السمك (صورة تعبيرية- Envato)

اعداد طبق من السمك (صورة تعبيرية- Envato)

 

 

ماذا كشفت اختبارات البصمة الوراثية في مصر؟

تكشف دراسة مصرية نشرتها دورية "ساينتفيك ريبورتس" للباحثة المصرية نرمين عباس في حزيران/يونيو الماضي عن أحدث اختبار مستقل لهوية شرائح الأسماك المجمدة في السوق المصرية. حلّلت الدراسة 12 عينة من أسماك البانغاسيوس، جُمعت من متاجر في القاهرة والإسكندرية بين أيار/مايو 2024 أيار/مايو 2025، باستخدام تسلسل جزء من جين "سي أو آي" المعروف بالباركود الوراثي. 

 

أظهر التحليل أن ثماني عينات تعود إلى سمك السواي أو السلور المخطط، Pangasianodon hypophthalmus، بينما تعود أربع عينات إلى الباسا، Pangasius bocourti. وخلص الباحثون إلى أن 66.7 في المئة من عينات الباسا استُبدلت بالسواي، مع توصيتهم بإجراء مسوح أوسع تشمل مناطق جغرافية وعدداً أكبر من العينات.

 

وتشير دراسة مصرية أخرى نُشرت عام 2021 إلى أن الالتباس لا يقتصر على الشرائح المجمدة أو الأسماك المستوردة. فقد فحص الباحثون ثلاث عينات من أسماك البحر الأحمر مرتفعة القيمة، وتطابقت عينة واحدة فقط مع الاسم المتداول لها، في حين اختلف التعريف الوراثي للعينتين الأخريين عن الاسمين المستخدمين في السوق، وهما "الناجل" و"الكحاية". 

 

وتكشف الدراسة أن اختلاف الاسم عن الهوية البيولوجية يمكن أن يحدث أيضاً في الأسماك المحلية، لكنها لا تسمح، بسبب صغر عينتها، بتقدير حجم الظاهرة على مستوى السوق المصرية.

 

وتعود أولى الأدلة المصرية إلى دراسة نشرت عام 2014 في دورية "فود كنترول"، وحللت 90 عينة من شرائح الأسماك المباعة في القاهرة والمنوفية والقليوبية. لم تتطابق 30 عينة، أي 33.3 في المئة، مع النوع المتوقع استناداً إلى الاسم التجاري.

 

ومن بين الحالات التي سجّلتها الدراسة بيع شرائح على أنها من قشر البياض، Lates niloticus، قبل أن يحددها التحليل الوراثي بوصفها من البانغاسيوس، وهو أقل سعراً وأكثر انتشاراً في الاستزراع.

 

أسماك معروضة للبيع في إحدى السوبرماركات في بيروت (حسام شبارو- النهار).

أسماك معروضة للبيع في إحدى السوبرماركات في بيروت (حسام شبارو- النهار).

 

 

وتقول الدكتورة أسماء جلال خلاف، الباحثة الأولى في دراسة عام 2014، لـ"النهار"، إن التحليل الوراثي كشف آنذاك عينات لم تتطابق هويتها مع النوع المعلن. لكنها ترى أنه يصعب تحديد ما إذا كانت النسبة التي سجلتها الدراسة لا تزال قائمة أو تغيرت، في غياب دراسات واسعة تسمح بقياس اتجاه الظاهرة في السوق المصرية.

 

وتشير خلاف، استناداً إلى زيارات ميدانية وأعمال لاحقة، إلى تغير ممارسات التسمية في بعض المنتجات، إذ لاحظت ظهور الاسمين العلمي والإنكليزي على عبوات أسماك مجمدة ومعلبة، بخلاف ما رصدته دراسة 2014. غير أن استخدام أسماء تجارية واسعة لا يحسم هوية النوع دائماً، فاسم "باسا"، بحسب قولها، يستخدم لنوعين من الأسماك الفيتنامية، بينما يطلق اسم "هامور" على مجموعة كبيرة من الأنواع.

 

ثغرة تبدأ قبل وصول الشحنة

لا تقف حدود المشكلة عند ما تكشفه عينات السوق، إذ يقول مستورد مصري للأسماك المجمدة، لـ"النهار"، طلب حجب اسمه، إنّ إجراءات استيراد هذه المنتجات لا تتضمن، بحسب خبرته العملية، فحصاً روتينياً بالباركود الوراثي للتحقق من النوع.

 

وأوضح أن الحصول على التصاريح كان يتم في البداية عبر وزارة الزراعة، قبل استحداث جهة أخرى تولت الإجراءات لاحقاً. وأضاف أن الجهات الرقابية تشترط تحديد نوع الأسماك في مستندات الشحنة، لكن هذا الشرط يعتمد على صحة البيانات المقدمة من بلد الإنتاج.

 

ويرى المستورد أن غياب الفحص الوراثي الروتيني قد يترك مجالاً لعدم اكتشاف تسجيل نوع على خلاف الحقيقة قبل وصول الشحنة إلى مصر. ولا تثبت شهادته وقوع تلاعب في شحنة بعينها أو وجود خلل عام في منظومة الاستيراد، لكنها تشير، استناداً إلى خبرته العملية، إلى ثغرة محتملة: فاشتراط تحديد نوع الأسماك في مستندات الشحنة لا يعني بالضرورة التحقق منه مخبرياً عند وصولها، خصوصاً بعدما تفقد الأسماك المجمدة والمقطعة سماتها الخارجية المميزة.

 

وتطرح هذه الشهادة سؤالاً يتجاوز مسؤولية المستورد أو البائع المحلي: إذا كانت بيانات الشحنة قد سجلت بصورة غير دقيقة قبل مغادرتها بلد الإنتاج، فما الأدوات التي تملكها السلطات عند وصولها للتحقق من هوية النوع؟ وما آليات التتبع التي تتيح التأكد من منشئها؟

 

أسماك معروضة للبيع في إحدى السوبرماركات في بيروت (حسام شبارو- النهار).

أسماك معروضة للبيع في إحدى السوبرماركات في بيروت (حسام شبارو- النهار).

 

 
في المغرب... المشكلة محلية

بينما تواجه الحالة المصرية تحدي مطابقة الشحنات والمنتجات المجمدة للهوية المعلنة على عبواتها، يرى الدكتور هشام مسكي أن الحالة المغربية تختلف في طبيعتها، مشيراً إلى أن المشكلة الأبرز هناك ترتبط بالأسماك المصطادة محلياً، وبمدى دقة تعريفها منذ مرحلة البيع الأول، أكثر مما ترتبط باستبدال واردات رخيصة بأنواع محلية مرتفعة القيمة.

 

ويقول مسكي إنه إذا كانت في المغرب قائمة مرجعية تربط الأسماء التجارية بالأنواع العلمية، فإنها لم تنشر ولا يستخدمها المكتب الوطني للصيد في إدارة البيع الأول. ويضيف أنه لا يوجد نص قانوني يفرض استخدام قائمة موحدة لأسماء الأسماك التجارية.

 

فإذا تغير الاسم بين ميناء وآخر، أو أطلق على أكثر من نوع، فقد تحمل البيانات الرسمية نفسها قدراً من الالتباس قبل أن تصل السمكة إلى متجر أو مطعم.

العلم يعرف النوع... فهل تستخدمه الرقابة؟

في الدراسات التي اطلعت عليها "النهار"، استخدم الباحثون تقنية الباركود الوراثي، DNA Barcoding، للتحقق من الهوية البيولوجية للأسماك. وتشرح الدكتورة لور الشامي، الأستاذة المشاركة ورئيسة قسم علوم الحياة والأرض والكيمياء الحيوية في جامعة القديس يوسف في بيروت، أن التقنية تعتمد على تحليل جزء قصير من المادة الوراثية، ثم مقارنته بتسلسلات مرجعية لأنواع معروفة في قواعد بيانات مثل BOLD وGenBank. وإذا كانت هذه المراجع موثوقة، يمكن تحديد نوع السمكة حتى بعد تقطيعها، حين تفقد سماتها الخارجية التي تتيح التعرف إليها بصرياً.

 

ولا يحول التجميد أو التصنيع دون إجراء الاختبار بالضرورة. فبحسب الشامي، يمكن استخلاص الحمض النووي من كثير من الأغذية المصنّعة، بل ومن بعض المنتجات المطهوة، ما لم تكن مادتها الوراثية قد تعرضت لتحلل كامل. وإذا تفتتت المادة الوراثية أو تضررت، يمكن اللجوء إلى أجزاء أقصر منها تعرف باسم "الباركودات الوراثية المختصرة" Mini-barcodes. أما تقنية "الباركود الوراثي متعدد الأنواع" Metabarcoding، فتتيح تحليل المنتجات التي تحتوي على خليط من أنواع عدة.

 

لكن القدرة العلمية لا تتحول تلقائياً إلى ممارسة رقابية. وتقول الشامي إن التقنيات والخبرات متاحة، غير أن إدماجها في مراقبة التجارة يحتاج إلى إطار تشريعي وتنظيمي، وإلى تنسيق مع الجهات المختصة. وفي لبنان، يتركز عمل فريقها حالياً على تحديد الأنواع في عينات بيئية، وليس ضمن برنامج دوري لفحص الأسماك المتداولة في الأسواق.

 

ويكشف تعدد مصادر المنتجات واحتمالات الاستبدال الحاجة إلى توسيع استخدام الأدوات الجزيئية، وربطها بإجراءات رقابية وتشريعية قادرة على اكتشاف حالات عدم المطابقة وتحديد المسؤولية عنها.

 

ومع أن الباركود الوراثي يجيب أساساً عن سؤال هوية النوع، فإنه لا يحدد وحده بلد المنشأ أو طريقة الصيد أو قانونية سلسلة التوريد. وتوضح الشامي أن أدوات وراثية أكثر تعقيداً قد تساعد في التمييز بين جماعات بعض الأنواع، لكن حركة الأسماك عبر مساحات واسعة تجعل ربط العينة بحدود دولة محددة أمراً أكثر تعقيداً من تحديد نوعها.

 

قد يكون النوع المدوّن على العبوة صحيحاً، فيما تقع المخالفة في مصدر المنتج، كأن يأتي من منطقة محظور الصيد فيها، أو من مصيد غير قانوني، أو يمر عبر سلسلة توريد تفتقر إلى التتبع. عندئذ ينجح الباركود الوراثي في التحقق من هوية النوع، لكنه لا يكفي لإثبات المنشأ أو قانونية مصدره. لذلك تتطلب الرقابة مستويين متكاملين: التحقق من الهوية البيولوجية، وتتبع رحلة المنتج من مصدره إلى السوق، إذ لا يغني أحدهما عن الآخر.

 

أشخاص يتناولون السمك (صورة تعبيرية- Envato)

أشخاص يتناولون السمك (صورة تعبيرية- Envato)

 

 

وتواصلت "النّهار" مع جهات رسمية معنية بسلامة الغذاء والصيد البحري في مصر والمغرب ولبنان وتونس، للاستفسار عن القواعد المنظمة للأسماء التجارية للأسماك، ومدى استخدام الفحوص الوراثية للتحقق من هوية الأنواع، وآليات تتبع المنتجات المحلية والمستوردة. وحتى موعد النشر، لم تتلقَّ رداً رسمياً يوضح نطاق استخدام هذه الفحوص أو الإجراءات المتبعة لضمان مطابقة النوع للاسم المعلن.

 

ولا يعني غياب الرد غياب الرقابة، لكنه يبقي سؤالاً أساسياً بلا إجابة رسمية توضح آليات الرقابة، فكيف تتحقق الجهات الرسمية من اسم السمكة التي يشتريها المستهلك؟

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق