نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لا تحاربوا الثقافة - تواصل نيوز, اليوم السبت 17 أكتوبر 2026 02:35 مساءً
لا أعرف على وجه الدقة وجهة نظر الذين يهاجمون فكرة إقامة فعاليات فنية وثقافية كثيرة، أو يرفضون إقامتها دون أسباب حقيقية، ويعتبرون تعدد المهرجانات أمرًا سلبيًا في حد ذاته، فالثقافة ليست نشاطًا محدودًا نكتفي منه بجرعة واحدة، والفنون ليست رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل هما من أهم أدوات بناء الوعي، وتشكيل الوجدان، وصناعة الإنسان القادر على التفكير والإبداع.
إن وجود فعاليات فنية وثقافية متنوعة، وفي أماكن مختلفة، وعلى مدار العام، يمثل ضرورة حقيقية لأي مجتمع يسعى إلى التقدم، فكل مهرجان يفتح نافذة جديدة أمام الجمهور، وكل فعالية تمنح فنانًا فرصة للظهور، وكل نشاط ثقافي يتيح لشاب موهوب أن يكتشف طريقه، أو يلتقي بجمهور ربما لم تتح له الفرصة من قبل لمشاهدة أعماله أو التعرف على تجربته.
فليس من المنطقي أن نطالب بتوسيع قاعدة المشاركة الثقافية، ثم نعترض على تعدد الفعاليات التي تحقق هذا الهدف، وليس من المنطقي أيضًا أن نتحدث عن اكتشاف المواهب الشابة ودعمها، ثم نضيق بالمساحات التي تمنح هذه المواهب فرصة حقيقية للتعبير عن نفسها، فالموهبة لا تنمو في الفراغ، والفنان لا يستطيع أن يواصل طريقه دون فرص للعرض والتجريب والاحتكاك بتجارب أخرى.
إن المهرجانات ليست مجرد حفلات افتتاح وختام، ولا صور تذكارية، ولا بيانات صحفية تُنشر ثم تختفي آثارها بانتهاء الحدث، فالمهرجانات الحقيقية هي التي تخلق حالة من الحراك الثقافي، وتمنح الفنانين فرصة للقاء وتبادل الخبرات، وتتيح للجمهور التعرف على فنون جديدة، وتسهم في اكتشاف المواهب، وتحريك الحياة الثقافية في المدن التي تستضيفها.
وهنا تبرز أهمية إقامة الفعاليات خارج العاصمة، في المحافظات والقرى والمناطق التي لا تحظى دائمًا بالنصيب الكافي من الأنشطة الفنية، فمن حق المواطن في قنا أو أسوان أو الوادي الجديد أو شمال سيناء أن يشاهد عرضًا مسرحيًا متميزًا، وأن يلتقي بفنانين من ثقافات مختلفة، وأن يتعرف على تجارب فنية جديدة، دون أن يضطر إلى السفر مئات الكيلومترات من أجل ذلك.
كما أن المهرجانات التي تحتفي بالتراث والفنون الشعبية والحرف التقليدية لا تحافظ على الماضي فحسب، بل تمنح هذا الماضي فرصة للحياة في الحاضر، وتفتح أمام الحرفيين والفنانين الشعبيين آفاقًا جديدة للتسويق والتواصل مع الجمهور، وتؤكد أن الهوية الثقافية ليست كلمات نتغنى بها، وإنما ممارسة حية تحتاج إلى الرعاية والتجديد.
ومن زاوية أخرى، فإن تعدد الفعاليات يخلق فرصًا للتعاون بين المؤسسات الثقافية، ويمنح الشباب فرصًا للتدريب والعمل، ويفتح المجال أمام التبادل الثقافي مع الشعوب الأخرى. وقد تتحول فعالية صغيرة، بإمكانات محدودة، إلى نقطة انطلاق لفنان لم يكن معروفًا، أو إلى بداية مشروع ثقافي يستمر سنوات طويلة.
بالطبع، لا يعني ذلك أن كل مهرجان ناجح بالضرورة، أو أن إقامة أي فعالية تستحق الإشادة لمجرد أنها تحمل اسمًا ثقافيًا أو فنيًا، فمن حقنا أن نعرف العائد الثقافي والاجتماعي الذي تحققه هذه الأنشطة، ومن حقنا أيضًا أن ننتقد الفعاليات التي تفتقر إلى التخطيط أو تكرر نفسها دون إضافة حقيقية، ولكن في حدود النقد العلمي البناء، وليس بإلقاء التهم على الآخرين، لأن هذا النقد البناء يفيد إدارات الفعاليات، ويساعدها على تحسين مستواها وتجديد برامجها الثقافية والفنية.
فالنقد الحقيقي يجب أن يدفعنا إلى تطوير الفعاليات، وتحسين إدارتها، وتشجيع التنوع والتنافس الإيجابي بينها، لا إلى إغلاق الأبواب أمام المبادرات الجديدة.
إن الثقافة لا تزدهر بالاحتكار، ولا يمكن لمؤسسة واحدة أو مهرجان واحد أن يمثل جميع الفنون أو يخاطب كل فئات المجتمع. فهناك من يفضل المسرح، ومن يبحث عن الموسيقى، ومن يهتم بالسينما، ومن يجد نفسه في الفنون الشعبية، ومن يريد التعرف على الحرف التراثية، ومن ينتظر فرصة للمشاركة في ورشة تدريبية أو ملتقى فكري. وكلما اتسعت الخيارات، زادت فرص الوصول إلى جمهور جديد.
والأهم أن كثرة الفعاليات لا تعني بالضرورة زيادة الأعباء المالية على الدولة، فهناك مبادرات أهلية ومستقلة يمكنها العمل بالشراكة مع المؤسسات العامة الخاصة، وتوفير موارد متنوعة، وبناء مشروعات ثقافية تعتمد على التعاون وتبادل الإمكانات. والمطلوب هو أن تكون هناك رؤية واضحة وتقييم موضوعي للنتائج، وليس إصدار أحكام عامة تساوي بين كل التجارب.
لقد أصبحنا في حاجة إلى نشر الثقافة في كل مكان، لا حصرها في عدد محدود من المؤسسات والمدن والمواعيد، نحن بحاجة إلى أن تصبح الفنون جزءًا من الحياة اليومية، وأن يجد الفنان فرصة للعمل، وأن يجد الجمهور ما يشبع احتياجه إلى الجمال والمعرفة، وأن تتحول الفعاليات الثقافية إلى جسور للتواصل بين الأجيال والثقافات.
فالمجتمعات لا تتقدم بتقليل مساحات الإبداع، وإنما بتوسيعها، ولا تحافظ على هويتها بإغلاق النوافذ، وإنما بفتحها على العالم مع التمسك بجذورها، وإذا كانت لدينا ملاحظات على بعض الفعاليات، فلنعمل على إصلاحها وتطويرها، وإذا كانت لدينا أفكار جديدة، فلنمنحها الفرصة لتثبت جدواها.
أما أن ننظر إلى كثرة الفعاليات الفنية والثقافية باعتبارها مشكلة في حد ذاتها، فذلك يعني أننا نخلط بين عيوب التنفيذ وأهمية الفكرة، وبين ضرورة التنظيم وحق المجتمع في الثقافة.
فكلما زادت فرص الناس في مشاهدة الفن، وممارسة الإبداع، والتعرف على ثقافاتهم وثقافات الآخرين، اتسعت مساحة الوعي والجمال في المجتمع، وهذه، في النهاية، ليست رفاهية زائدة عن احتياجاتنا، بل ضرورة من ضرورات بناء الإنسان.
اقرأ أيضاً
«قطاع الاتصالات.. مشروعات قومية وإنجازات تنموية».. ندوة توعوية بمجمع إعلام الإسكندريةفي حفل كامل العدد.. أوركسترا وتريات أوبرا الإسكندرية تتألق بروائع فيفالدي العالمية
اتحاد الإعلاميين الأفريقي الآسيوي وأمريكا اللاتينية يحتفي بانتصارات أكتوبر















0 تعليق