أشرف سيد يكتب: طرة البلد تبكي على العمر.. أهالي يخافون من الغد وأسر لا تعرف أين ستذهب.. ومرضى يخشون الطريق.. وذوو الهمم في مهب الريح.. وشيخ كبير يريد أن يموت في بيته، ونساء يبحثن عن الستر - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أشرف سيد يكتب: طرة البلد تبكي على العمر.. أهالي يخافون من الغد وأسر لا تعرف أين ستذهب.. ومرضى يخشون الطريق.. وذوو الهمم في مهب الريح.. وشيخ كبير يريد أن يموت في بيته، ونساء يبحثن عن الستر - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 12:15 مساءً

في طرة البلد لم تعد الحكاية، حكاية بيوت يخشى أهلها أن تُزال ولا مجرد لجان حصر تمر من شارع إلى شارع، ومن منزل إلى منزل، ولا أرقاما تكتب وأوراقا تراجع وتجمع وفيديوهات وصور تسجل لحظات الألم، وإنما أصبحت الحكاية أكبر من ذلك بكثير.

أصبحت حكاية أهالى يخافون من الغد، وأسر لا تعرف أين ستذهب، ومرضى يخشون الطريق، وأطفال من ذوي الهمم يخاف أهلهم عليهم من حياة جديدة، وأصحاب محال يشعرون أن أعمارهم كلها قد تُختصر في لحظة، ونساء لا يسألن عن رفاهية وإنما عن مكان آمن يستر أولادهن.


الأهالي في غم وهم وكأنهم يعيشون موتا بطيئا.. لا يعرفون متى ينتهي ولا ماذا سيبقى لهم بعده

في سوبر ماركت صغير يقف "محمد كمننا" شاب في مقتبل العمر، لكن الحزن أكبر من سنه بكثير وجهه لا تفارقه الغصة، والدموع تبدو محبوسة خلف عينيه وبين لحظة وأخرى يخرج من المحل، وينظر إلى الشارع طويلا، وكأنه يودع المكان قبل أن يعرف إن كان سيفارقه فعلا!!

لسان محمد يقول.. أنا في رمضان بعمل مائدة هنا.. مش هعملها تاني.. جملة قصيرة لكنها تحمل عمرا كاملا؛ فالمائدة ليست مجرد طعام يوزع في رمضان، وإنما عادة وناس ووجوه وذكريات وأبواب مفتوحة وشارع يعرف صاحبه وصاحب يعرف أهله.

محمد لا يخاف فقط على المحل، وإنما يخاف على المكان الذي عاش فيه حتى أصبح جزءا منه.

صباح عوض “أم مريم”

وعلى بعد خطوات تقف صباح عوض التي يعرفها أهل المنطقة باسم “أم مريم” لتروي حكاية أخرى من وجع طرة، حيث تقول إنها تعيش على بيع الكانز والفوارغ البلاستيكية، وتعول أسرة كبيرة، وتقوم على رعاية أم مريضة، وتعتمد في جانب من حياتها على المساعدات، ثم تردد السؤال الذي يبدو بسيطًا لكنه يكسر القلب: “أنا أروح فين؟!”.. لا تتحدث عن شقة فاخرة ولا عن مشروع أو سيارة، وإنما عن مكان تعيش فيه مع أسرتها وتجد فيه رزق يومها.

والحاجة أم محمد مريضة بالفشل الكلوي، تعرف معنى المكان الآمن أكثر من غيرها.. تغسل يوما بعد يوم في مركز طبي قريب من المنطقة، والطريق القريب بالنسبة لها ليس رفاهية، وإنما جزء من استمرار حياتها ولذلك تقول: “لو هيمشونا.. هموت في السكة”.. كيف يمكن أن تشرح لامرأة مريضة أن المكان الذي تعرفه والمركز الذي تتردد عليه، والطريق الذي اعتادت عليه يمكن أن يتغير كله في لحظة.. وكأن المرض وحده لا يكفي ليأتي الخوف من المكان فوق الخوف من الجسد.

أما أم سامح فحكايتها مع المرض أكثر قسوة لديها أم عاجزة عن الحركة تقوم على خدمتها بنفسها ولا تستطيع والدتها مغادرة الفراش... الفراش أصبح عالمها كله تأكل عليه وتنام عليه وتعيش تفاصيل يومها عليه وحتى قضاء حاجتها يتم من خلال الحفاظات.

فإذا تغير المكان.. فالسؤال الحقيقي.. كيف ستصل هذه السيدة العاجزة إلى حياتها الجديدة أصلا.. ومن سيحملها..ومن سيخدمها.. وهل تستطيع الأسرة تحمل تكاليف الطريق والرعاية؟!

أما مدام نسمة شعراوي فتختصر كل خوفها في كلمة واحدة هولا كنوز الدنيا تعوضني عن بيتي.. هنا الأمن والأمان.. وهنا الناس تعرف بعضها وهنا الأطفال يتحركون وسط وجوه مألوفة وهنا الجيران يعرفون من يطرق الباب ومن يحتاج إلى المساعدة.

ثم تقول: "أي مكان تاني أخاف على ولادي.. وإزاي هنتعامل مع مدارس جديدة ومواصلات جديدة".

وهذا سؤال لا يخص نسمة وحدها، فالبيت ليس أربعة جدران فقط، فالبيت مدرسة قريبة وصيدلية يعرفها أهل المكان، وجار يفتح بابه وشارع يعرف الأطفال وسائق يعرف الأسرة، وطبيب قريب ومحل بقالة يعرف احتياجات الناس.. ودورعبادة تجمع الذاكرين.. كل هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الأمان الكبير.

أمهات يحملن خوفا على أطفالهن من ذوي الهمم ومدمجون في التعليم

وفي طرة البلد هناك أمهات أخريات، مثل أم راشد وأم مصطفى تحملان خوفا من نوع مختلف؛ أطفالهن من ذوي الهمم ومدمجون في التعليم، والأسرة لا تخشى عليهم فقط من تغيير المكان، وإنما تخشى من الحياة الجديدة نفسها من التنمر ومن نظرات الآخرين ومن عدم وجود البيئة التي اعتاد الطفل أن يجد فيها أشخاصًا يعرفونه ويفهمون حالته ويحمونه.

ما يبدو للآخرين انتقالا من مكان إلى مكان قد يكون بالنسبة لهؤلاء الأطفال انتقالا من عالم يعرفونه إلى عالم لا يعرفون عنه شيئا.

ثم تأتي أم إبراهيم سيدة بسيطة تسألني في براءة: “طيب يا بيه.. هنعمل إيه في بطاقة التموين”.. قد يبتسم البعض من السؤال لكنه ليس سؤالا بسيطا على الإطلاق؛ لأن الإنسان البسيط عندما يهتز مكانه تهتز معه كل تفاصيل حياته.. بطاقة التموين - المدرسة – العلاج – المواصلات - العمل - الجيران - الجمعية وحتى الأشياء التي لا نتذكر قيمتها إلا عندما نفقدها.

الشاب الطيب “مليجي”

وفي وسط كل ذلك، يظهر مليجي الشاب الجميل من ذوي الهمم، من أكثر شباب المنطقة ألفة بين الناس.. لا يعرف في الدنيا كثيرا سوى طلبه البسيط.. هات خمسة جنيه.. ومن يعطيه يصبح يومه جميلا ويشعر أن الدنيا كلها معه.. هذا الشاب بالنسبة لأهل المنطقة ليس عبئا، بل ولد بركة، يعرفونه ويعرفهم ويضحكون معه ويطمئنون عليه.
لكن السؤال المؤلم: “ماذا سيحدث له إذا تغير المكان وتفرقت الوجوه التي تعرفه وتحميه.. وماذا سيحدث لأمثاله الذين لا يملكون القدرة على التكيف مع كل تغيير مفاجئ؟!”.
أما الحاج إسلام بهجت فيخرج من أعماق الأزمة بسؤال يختصر وجع جيل كامل: “أنا بموت.. هو فيه إيه.. ازاي أشقى وأكافح وأبني وأتجوز وأخلف وأربي وأدخل ولادي المدارس وأستقر.. ويضيع كل ده في لحظة؟!”.

هذه ليست كلمات شخص يخاف على طوبة أو حائط، وإنما كلمات رجل يتساءل عن عمر قضاه في البناء، يبني بيتا ثم أسرة ثم حياة، ثم أحلاما ثم يجد نفسه أمام احتمال أن يبدأ كل شيء من الصفر!!.

وعم علي الترزي لم تعد لديه حتى "نِفس" للعمل.. الهم أكبر من المقص والإبرة، ويقول: إن السؤال ليس فقط أين سيذهب، وإنما سيعمل فين تاني بعد تفرقة الناس وبعدهم؟!.

وهكذا لا يتوقف الأمر عند بيت.. المحلات الصغيرة في طرة تحمل مئات الحكايات الأخرى.. الجزار والبقال والتاجر والمقهى وسائق التوك توك وسائق الميكروباص وورشة إصلاح السيارات، وكل صاحب مهنة بنت رزقه يوما بعد يوم.
هؤلاء لا يعيشون على راتب ثابت ينتقل معهم أينما ذهبوا رزقهم في المكان وفي الشارع، وفي الناس، وفي الزبون الذي يعرفهم، ويأتي إليهم كل يوم.
أما تامر مرسي الشهير بتامر زناتي، فله قصة أخرى.. هو لا يخاف على نفسه فقط، وإنما يشعر بحسرة شديدة تجاه كبار السن والعجائز الذين عاشوا عمرهم في هذه البيئة، ويعرف جيدا أن تغيير المكان بالنسبة لهم ليس مجرد تغيير عنوان وإنما اقتلاع لعالم كامل اعتادوه.

شاب أبكى الجميع 

أما أحمد عربي غراب المهندس الشاب صاحب القلب الطيب، والانتماء الصادق لبلده، فقد عبر بكلمات مؤثرة عبر صفحته الشخصية، عن ضعفه وقلة حيلته وقهره من مشهد إزالة طرة، فبكى معه كل من قرأ كلماته وشعر بوجعه... لم يتحدث من موقع قوة وإنما من قلب إنسان يرى المكان الذي يحبه مهددا، ويشعر أنه لا يملك سوى أن يصرخ بألمه.. كانت دموعه وكلماته أصدق من أي وصف؛ ولذلك تعاطف معه الجميع وبكوا لوجعه.

كتيبة الدفاع عن الحق 

يستحق المستشار سيد عفيفي كلمة إنصاف، فقد تحمل كثيرا من الاتهامات التي لا تعكس ما بذله على الأرض رغم جهده الواضح وحبه لأهالي طرة وحرصه على الوقوف إلى جانبهم.. وأنا شخصيا أرى أن من حقه علينا أن نرد له بعض ما بذله ولو بكلمة تقدير وإشادة لأنه يستحقها.

أما المحامون فحكايتهم أيضا ليست بعيدة عن وجع المكان.. سيد عفيفي وجلال فريد وأحمد مكاوي وسامح شمندي، وغيرهم من أبناء المهنة الذين يعرفون المنطقة جيدا، لديهم مكاتب وزبائن وحياة مهنية مرتبطة بهذا المكان.. فماذا سيحدث لكل ذلك إذا تفرقت المنطقة.. ماذا سيحدث لعملهم ولزبائنهم وللناس التي تعرف أبواب مكاتبهم وتلجأ إليهم في كل أزمة؟!.

وحتى الجمعيات الأهلية التي اعتادت خدمة الأهالي ومساندة الأسر الفقيرة وتقديم المساعدات، تبدو أمام المجهول بلا إجابة وتقول ببساطة.. ماذا سنفعل بعد الإزالة؟!.. فإذا تفرقت الأسر كيف ستصل إليها المساعدات؟!.. وإذا تغيرت العناوين، كيف ستعرف الجمعيات أماكن الناس؟!.. وإذا أصبحت الأسرة بعيدة عن المكان الذي اعتادت فيه الحصول على المساعدة فمن سيضمن استمرارها؟!

هنا تتسع دائرة الخوف أكثر؛ لأن القضية لم تعد فقط فيمن يسكن بيتا وإنما في شبكة حياة كاملة.. مدرسة – مسجد – كنيسة – مقهى – محل – جمعية – طبيب – جار- صديق – شارع – ذكريات - حياة كاملة صنعتها سنوات طويلة، وليس من السهل نقلها في سيارة!!

وفي مكان آخر من طرة، يعيش رجل في الثمانين من عمره وهو يقول: يا ابني.. أنا عاوز أموت هنا.. ماذا تقول لرجل قضى ثمانين عاما في المكان نفسه؟!.. كيف تشرح له أن عليه أن يبدأ من جديد؟!

دموع أمهات 

وبين هذه الحكايات؛ هناك أم عيد صبح، وأم شريف طعمية، وأم محسن جريفس، وأم كنزى، وأم كوليبالي، وأم جنا شافهي، وغيرهن من السيدات اللاتي يحملن مسؤولية أسر كبيرة وأطفالا وأحفادا، وهناك شباب كان يستعد لزواجه، فإذا بحياته تتوقف أمام سؤال لا يعرف له جوابا!!

كل طراوى لديه قصة، وكل بيت لديه خوف وكل محل لديه حسابات، وكل أم لديها سؤال وكل أب يفكر في أولاده.. إنها ليست أرقام حصر.. إنها أرواح.

والأشد قسوة أن هذه المشاعر كلها تعيش وسط غموض يزيد الخوف بدلا من أن يخففه... الإنسان يستطيع أن يتحمل الحقيقة مهما كانت صعبة لكنه يجد صعوبة بالغة في تحمل المجهول.

أهالي طرة لا يريدون سوى أن يفهموا.. هل بيوتهم داخل نطاق المشروع أم لا؟!.. وماذا سيحدث لهم؟!.. وماذا عن المرضى.. وماذا عن ذوي الهمم؟!.. وماذا عن كبار السن؟!.. وماذا عن المدارس والرزق والمحال والجمعيات؟!.. وماذا عن حياة بنيت هنا على مدار عشرات السنين؟!

طرة البلد لا تبكي على الحوائط.. طرة البلد تبكي على العمر... تبكي على رمضان الذي قد لا يأتي بالمائدة نفسها، وعلى محل قد يغلق، وعلى ترزي قد لا يجد زبونه، وعلى بقال يعرف احتياجات أهل الشارع، وعلى مريض يخشى الطريق، وعلى أم تخاف على أولادها، وعلى طفل من ذوي الهمم يخشى أن يفقد الأمان الذي عرفه، وعلى شيخ كبير يريد أن يموت في بيته.

وفي النهاية، ربما تكون أصعب صورة في كل هذا المشهد أن ترى الناس واقفة أمام بيوتها ومحالها تنظر إليها طويلا كما لو أنها تحفظ تفاصيلها للمرة الأخيرة.
الحزن دخل البيوت قبل أن يحدث شيء.
وهذا وحده كافٍ لأن نسأل جميعا: هل يمكن أن تصل المعلومة إلى الناس كاملة؟!.. وهل يمكن أن يطمأن هؤلاء البسطاء إلى ما سيحدث لهم؟! فوراء كل باب قصة ووراء كل محل أسرة.. ووراء كل مريض رحلة علاج ووراء كل طفل مستقبل ووراء كل بيت عمر كامل.

يا رب؛ لا تجعل أهل طرة يودعون بيوتهم قبل أن يعرفوا لماذا ولا تجعل الخوف يسبق الحقيقة، ولا المجهول أقسى من الواقع.

اللهم احفظ البسطاء وطمئن المرضى واحفظ الأطفال وذوي الهمم، وارحم قلوب الأمهات والآباء، واكتب لأهل طرة الخير حيث كان، واجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل خوف أمانا ومن كل حيرة جوابا.
البيوت عمر كامل.. وذكريات لا تنقل في صناديق.
 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق