الأذى الرّقمي: رجّة نفسية تتجاوز حدود العالم الافتراضي - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الأذى الرّقمي: رجّة نفسية تتجاوز حدود العالم الافتراضي - تواصل نيوز, اليوم الأحد 18 أكتوبر 2026 10:46 صباحاً

كريستابيل نجم

 

على رغم التدابير القانونية والآليات الأمنية المُتّخذة لردع المعتدين، تُستعَر منصات التواصل الاجتماعي كمساحة لتفريغ الكبت السلوكي واستعراض العُقَد النفسية، بحيث تُواجِه النساء اعتداءاتٍ رقمية تبدأ بالتعليقات المسيئة وتصل إلى التهديد، الابتزاز وتزييف المحتوى عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي.

 

وأمام هذا الواقع، تُطلق صرخة عارمة تتجاوز حلول التوعية الفردية لتُطالب باستجابة رسمية حازمة وفورية من دون إرهاق الناجيات بتكاليف قانونية باهظة، إذ يُعدّ من غير المقبول استمرار ثقافة تُحمّل الضحية تبعات الجريمة أو الوقوع ضحية جرائم أسرية قاسية. 

 

إنَّ الحماية الفعّالة توجب اليوم سنّ تشريعات رادعة تُحاسب على أصغر تجاوز إلكتروني وتفرض حظر الحسابات والعلاج النفسي الإجباري على المعتدين، لتوفير بيئة آمنة تُشجّع كلّ فتاة على المواجهة والتبليغ من دون خوف.

 

 

نُطالب بحماية قانونية ورقمية حازمة (Pexels)

نُطالب بحماية قانونية ورقمية حازمة (Pexels)

 

 

فقدان السيطرة ولوم الذات 

تربط الباحثة في علم النفس المدرسي والسلوكي، إلسي العيراني، "الابتزاز الإلكتروني بفقدان الإحساس بالسيطرة، إذ تشعر المرأة بأنَّها حُرمت قدرتها على حماية خصوصيّتها واتّخاذ قراراتها بحرّية، ما قد يدفعها إلى التشكيك في نفسها ولومها على ما حدث، على رغم أنَّ المسؤولية تقع على المعتدي".

 

وتوضح الفرق بين "الذنب، الخجل، خطر تبنّي أحكام المجتمع واختزال هويّتها بالاعتداء".

 

quoterotated.svg

تترتّب على هذه التجربة آثار نفسية مثل القلق، الاكتئاب، اضطرابات النوم والانسحاب الاجتماعي، فيما تختلف حدّتها من تجربة إلى أخرى

quote.svg

 

إنَّ توقّف التهديد لا يعني بالضرورة استعادة الشعور بالأمان، فقد تُعاني من فرط اليقظة أيّ التنبّه المفرط الى أيّ إشارة قد تُذكّرها بالاكراه، كرسالة من رقم مجهول أو إشعار على الهاتف.

 

تُثير الإشارات الرقمية المرتبطة بالتجربة السابقة الخوف والقلق التوقّعي "Anticipatory Anxiety" من احتمال نشر الصور أو تداولها حتى بعد توقّف التهديد، إذ قد تظل آثاره النفسية على رغم زوال الخطر، من دون أن يعني ذلك الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة.

 

 

التعافي يحتاج مساحة آمنة (Pexels)

التعافي يحتاج مساحة آمنة (Pexels)

 

 

إنهيار الثقة والعزلة الاجتماعية

يأخذ الابتزازُ أبعاداً أشدّ قسوة حين يرتكبه مقرّب، إذ يتخطّى الانتهاك الرقمي للخصوصية ليُشعل أزمة ثقة شاملة مع الآخرين.

 

تُوفّرُ نظرية صدمة الخيانة "Betrayal Trauma Theory" للباحثة جينيفر فرايد إطاراً يُفسّر أثر هذه التجربة في تقويض الثقة بالآخرين، والدفع نحو الانسحاب الوقائي "Protective Withdrawal" لحماية النفس.

 

تستعيد الفتاة ثقتها بالدعم الواعي واحترام حدودها، متجاوزةً أذى الابتزاز الذي يطاول صورتها الذاتية وجسدها، فالتجنّب الوقائي يُكرّس عزلة يُعزّزها التعزيز السلبي، ممّا يُسلبها استقلالية الاختيار ويجعل قراراتها محكومةً بتجنّب الخطر.

 

يمتدّ الأذى النفسي إلى ما بعد توقّف الاستغلال، بحيث تجد الناجية نفسها أمام مواجهة مجتمعية حادّة بدلاً من الدعم، في مظاهر تُعرّف بالإيذاء الثانوي ولوم الضحية.

 

يتغذّى لوم الضحية من فكرة وهمية مفادها أنَّ الإنسان مسؤول عمّا يُصيبه، وتشتدّ الجريمة قسوة عندما تُصبح السمعة في نظر الجميع أهم من سلامتها وحماية خصوصيّتها.

 

 

كسر دائرة الألم: كيف تُشكّل الصدمات العائلية هويّتنا وما نُصبح عليه؟

كسرُ الإرث النفسي لا يعني التنكّر للماضي، بل التحرّر من سطوة تكراره وصناعة غدٍ أكثر أماناً للأجيال القادمة.

 

 

التربية والخجل الموروث

 

وتُشدّدُ الباحثةُ العيراني على أنّ "الحمايةَ الحقيقية لا تُرد إلى تقييدِ تمكين المرأة، بل إلى بناء مجتمع لا يُحمِّلها مسؤولية الاعتداء"، إذ تُنسب جذور هذا الخوفِ إلى التنشئة المبكرة التي تُغرس فيها قيود السمعة والمحاذير، فيتسلّل الخجل الاجتماعي ليتحوّل إلى رقابة ذاتية مستبطنة.

 

وتشمل المساعدة الفعّالة:

 

الإصغاء من دون لوم: الاعتراف بألم المرأة واحترام تجربتها، بعيداً من عبارات مثل "كان عليكِ الانتباه".

 

إستعادة القدرة على الاختيار: إحترام حقّها في تحديد من تُخبره بما حدث ومتى تطلب المساعدة، من دون إجبارها على تكرار التفاصيل.

 

وضع خطة أمان: حفظ الأدلة، تأمين الحسابات، الإبلاغ عن المحتوى وطلب إزالته والاستعانة بالجهات المختصّة عند استمرار الترهيب.

 

العلاج النفسي المتخصّص: قد تُساهم علاجات مثل العلاج المعرفي السلوكي الموجّه للصدمات "Trauma-Focused CBT" أو إزالة التحسّس وإعادة المعالجة بحركات العين "EMDR" في التعافي، وفقاً لتقييم المختصّ. 

 

إستعادة الثقة تدريجاً: إحترام حدودها ومنحها الوقت لبناء علاقات آمنة من دون ضغط.

 

توفير دعم اجتماعي آمن: الإصغاء، حفظ السرّية وتقديم المعونة بمعزل عن فرض القرارات أو ممارسة السيطرة.

 

 

معاً أقوى (Pexels)

معاً أقوى (Pexels)

 

 

لا يكفي العلاج النفسي وحده إذا دام التخويف، تداول المحتوى أو لوم الأمّة، فالتعافي يحتاج إلى دعم على أنواعه وحماية قانونية وتقنية، مع احترام اختلاف تجارب الناجيات ووتيرة تعافيهنَّ.

تختتم العيراني بأنَّ "الثقة لا تُبرّر الاستغلال والمساءلة تُحدّد بالأفعال لا بالجنس، لتبقى الأولوية في استعادة كرامتها".

 

إنَّ الحماية المجدية تتجاوز حدود التوجيه النظري لتفرض استراتيجيات مؤسّسية توجب التأهيل النفسي للوالدين وتُتيح العلاج المجاني للشباب والفتيات، بالتوازي مع تحوّل عمليّ للجمعيات ينتقل إلى امتلاك آليات المواجهة المباشرةِ والحرص الرقميّ الواعي. 

 

يقتضي الواجب إلزام صُنّاع التكنولوجيا تطوير أنظمة ذكية تُسقِط محتوى التهديد فورياً، مع رفد أجهزة الدولة بفِرق استجابة رقمية خاطفة تُزيل الانتهاك في ثوانٍ معدودة، فليست لدينا رفاهية إهدار الشباب خلف قضبان السجون وجرائم الدم ولا الدفع بالفتيات نحو الانتحار أو وصم الأسر ببصمة عارٍ وهمية. 

 

فالإنسان خُلق مخيَّراً لا مسيَّراً والشرف الحقيقي لا يُواجه بالتعقّب والانتهاك، بل يُنسب جوهرياً إلى حماية الفرد، استقرار الكون وصون المرأة ووعيها. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق