نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عندما يتحوّل الفقدان إلى حوار مسرحي: هل تعرف من تحبّ حقاً؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 18 أكتوبر 2026 11:56 صباحاً
حين يقف الإنسان وجهاً لوجه أمام مرآة روحه، تتهاوى كل الأصباغ التي يزيّن بها أيامه. هذا ما تفعله بنا مسرحية "بَعدَك"، الكتابة والإخراج والتمثيل البارع لرالف س. معتوق، وبطولة يمنى بو حنا، وبالتعاون مع جمعية (Embrace). إنها ليست مجرد مسرحية تُعرض على خشبة مسرح District 7، بل هي رحلة وجدانية ثقافية عميقة تغوص في أعماق النفس البشرية، وتستحضر حكمة الفيلسوف الإغريقي سقراط في مقولته الخالدة: "اعرف نفسك أيها الإنسان".
تبدأ حكاية المسرحية من صالة انتظار فارغة لتجارب الأداء، حيث تقف "يمنى" على حافة العودة إلى شغفها القديم في الغناء بعد انقطاع قسري. وهناك، يظهر "عاصي"،حبيبها الراحل، في حوار داخلي تمتزج فيه حدود الواقع بالخيال، والغياب بالحضور.
من خلال هذا اللقاء الميتافيزيقي، يطرح العمل تساؤلات كبرى حول الصحة النفسية، وتلك الأقنعة التي نرتديها لنقنع العالم بأننا بخير، بينما نتحطّم من الداخل.
مشهد يجمع رالف س. معتوق ويمنى بوحنّا في مسرحية بَعدَك (النهار)
حين يكون الوجع خفياً: أساطير "المظهر الحسن"
يعلّمنا العمل منذ لحظاته الأولى أن نتحرر من السطحية في الحكم على الآخرين. ففي عالمنا اليوم، وخصوصاً في مجتمعاتنا التي تعاني من تراكمات قاسية وضغوط لا تنتهي، صار السؤال "كيف حالك؟" طقساً فارغاً، وصار الجواب "أنا منيح" درعاً تقي به النفوس المكسورة نظرات الشفقة. تسلّط المسرحية الضوء بجرأة على حقيقة أنّ ليس كل من نراه ونسمعه يقول إنّه بخير هو فعلاً كذلك. فالصحة النفسية ليست رفاهية، وتجاهل الإشارات الصامتة للاكتئاب والانهيار الداخلي قد يقود إلى فواجع لا تُحمد عقباها.
عاصي، الذي أنهى حياته بيديه، لم يكن شخصاً غريباً؛ بل كان انعكاساً لكلّ إنسان يحمل طفولة مثقلة بالندوب، ويتكبّد أثقال اليتم والفقدان والركض المستمر خلف لقمة العيش وفواتير الأيام. من خلال حواره المؤثر مع يمنى، يتكشّف بوضوح كيف أنّ "اليتم ليس شخصاً، بل هو فراغ يكبر مع الإنسان". وحين تتراكم الخيبات وتغيب ثقافة البوح، يتحوّل السكوت إلى مقصلة تخنق الروح بصمت.
رالف س. معتوق ويمنى بوحنّا يخرقان فراغ الصمت في مسرحية بَعدَك (النهار)
الاستبطان والعودة إلى الذات
تأخذنا مسرحية "بَعدَك" إلى أبعاد فلسفية تذكّرنا بدعوة سقراط الدائمة للاستبطان. فالفن، تماماً كالحياة، يتطلب شجاعة المواجهة. عندما تتوقف يمنى عن الغناء لثلاث سنوات، وعندما تجد صوتها غريباً عنها كأنه مستعار، فإنها تعبّر عن أزمة الإنسان المعاصر الذي ضاع صوته وسط زحمة التوقعات والخسارة. غير أنّ القرار بالشجاعة ودخول قاعة الغناء في نهاية المسرحية، رغم دموع الفراق ومرارة الغياب، يمثّل انتصاراً للروح على الموت، وتصالحاً مع النفس ومع الذاكرة.
الأغاني التي رافقت العرض، بكلمات جورج درويش وألحان باتريك الشعّار، لم تكن مجرد فواصل موسيقية، بل كانت نبضاً حياً يترجم ما تعجز عنه الكلمات العادية. لقد لامست أوتار القلوب، وجعلت المتفرج يعيد النظر في علاقاته، وفي طريقته في الإصغاء لمن تحوّلوا إلى طيف غائب، ولأولئك الحاضرين الذين نكدّر صفو أيامهم بجهلنا بكنه آلامهم.
رالف س. معتوق ويمنى بوحنّا في مسرحية بَعدَك (النهار)
لكي لا نرحل صامتين...
تتركنا مسرحية "بَعدَك" أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية حيال بعضنا البعض. إنها دعوة صريحة للأصغاء إلى أصوات الصمت، ولأن ندرك أنّ التعبير عن الوجع ليس ضعفاً، وأنّ طلب المساعدة النفسية هو خطوة شجاعة نحو الحياة.
في زمن ترتفع فيه أصوات العتمة، تأتي هذه التحفة المسرحية لتضيء شمعة في صالة الانتظار، مذكّرة إيانا بأن نُحب بصدق، وأن نغفر للذين رحلوا، والأهم من ذلك... أن نعرف أنفسنا جيداً قبل أن فوات الأوان!










0 تعليق