جمال سنان… الرجل الذي رأى في الشاشة أكثر من شاشة - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
جمال سنان… الرجل الذي رأى في الشاشة أكثر من شاشة - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 12:46 مساءً

د. نضال العنداري

 

 

 

في السينما، ثمة أسماء تظهر أمام الكاميرا، وأخرى تقف خلفها، وثمة أسماء لا نراها كثيراً، لكنها تكون حاضرة في كل تفصيل مما نراه. وبينما ينال الممثل نصيبه من الضوء، ويحصل المخرج على مساحة واسعة من الاعتراف، يبقى المنتج في تلك المنطقة الهادئة التي لا تُرى من الشاشة، رغم أن كثيراً من الأشياء يبدأ منها. فالمنتج الحقيقي لا يقتصر دوره على تمويل عمل أو جمع فريق، بل يلتقط الفكرة حين تكون مجرد احتمال، ثم يمنحها الفرصة لكي تصبح واقعاً يصل إلى الجمهور.
ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو تجربة المنتج اللبناني جمال سنان أكثر اتساعاً من مجرد مسيرة مهنية في عالم الدراما والسينما. فهو لم يتعامل مع الإنتاج بوصفه وظيفة، بل بوصفه صناعة لها منطقها وأسئلتها وتحولاتها، وكان عليه في كل مرحلة أن يقرأ ما وراء الشاشة بقدر ما يقرأ ما عليها. لذلك لا تبدو قصته حكاية صعود شخص في قطاع فني فحسب، بل حكاية صناعة انتقلت من منطق إلى آخر، ومن سوق إلى سوق، ومن جغرافيا ضيقة إلى فضاء عربي أوسع.
ولعل فهم جمال سنان يبدأ من علاقته المبكرة بالسينما. فقد نشأ في بيئة مرتبطة بدور السينما والتوزيع في بيروت، وكان والده أحمد سنان يعمل في هذا المجال، ما أتاح له أن يرى الفيلم منذ البداية كصناعة لها جمهور وسوق وتوزيع، لا مجرد عمل ينتهي بانطفاء الأضواء. ثم جاءت تجربته في الولايات المتحدة لتضيف إلى هذا الوعي خبرة أوسع في توزيع الأفلام الأميركية والعمل المرتبط بالإنتاج، قبل أن يعود إلى لبنان عام 2000 حاملاً رؤية مختلفة لعلاقة المحتوى بالسوق.
وعندما عاد، كان المشهد اللبناني يملك كتّاباً وممثلين ومخرجين وطاقات إبداعية كبيرة، لكنه كان يحتاج إلى منظومة إنتاج أكثر قدرة على الاستمرار. ومن هنا تطورت الفكرة التي أصبحت لاحقاً «Eagle Films»: ليس إنتاج عمل واحد، وإنما بناء مشروع قادر على إنتاج الأعمال وصناعة جمهور وتوسيع دائرة الوصول.
وهذه النقطة تفسر كثيراً من تفاصيل المسيرة اللاحقة. فقد بدأت «Eagle Films»  من عالم توزيع الأفلام، ثم انتقلت إلى الإنتاج التنفيذي وصناعة المحتوى العربي. وهذا المسار منح سنان قدرة على النظر إلى العمل منذ لحظة ولادته حتى وصوله إلى المشاهد، فكان يدرك أن نجاح المحتوى لا يرتبط فقط بجودته، بل أيضاً بكيفية وصوله إلى جمهوره.
لهذا لم تكن الدراما اللبنانية بالنسبة إليه مساحة محلية مغلقة، بل نقطة انطلاق يمكن أن تتوسع. ومع أعمال مثل «Bebe» و«السيدة الثانية» و«ولعانة» و«Time Out»، ثم سلسلة من الأعمال الدرامية والشراكات التي امتدت إلى مصر والخليج، أخذ السؤال يكبر: هل يمكن للحكاية اللبنانية أن تعبر حدودها من دون أن تفقد هويتها؟
جاءت الإجابة من الأعمال نفسها. فمع مرور الوقت، انتقلت «Eagle Films»  من مفهوم الإنتاج المحلي إلى صناعة دراما عربية تتداخل فيها المواهب والأسواق، وأصبح العمل قادراً على أن يولد في بيروت ويصل إلى جمهور في أكثر من بلد. وكان «للموت» أحد أبرز الأعمال التي جسدت هذا التحول، إذ تجاوز صداه الإطار المحلي وأكد أن الحكاية اللبنانية تستطيع أن تجد مكانها في الذاكرة الدرامية العربية.
ثم جاءت المنصات الرقمية لتغير قواعد اللعبة. لم يعد الجمهور محكوماً بالتلفزيون التقليدي، ولم يعد طول العمل وإيقاعه كما كانا من قبل. ظهرت الأعمال الأقصر، وتغيرت طريقة المشاهدة، وأصبح على المنتج أن يفهم ليس فقط ماذا يريد الجمهور، بل كيف يريد أن يشاهد. وهنا برزت أهمية الخبرة التي تجمع بين الإنتاج وفهم السوق والتوزيع.
لكن قيمة جمال سنان لا تُختصر في عدد الأعمال أو نجاح عناوين بعينها. فالمنتج في جوهره يصنع الفرص أيضاً؛ يجمع الكاتب بالمخرج، والممثل بالمشروع، والشركة بالسوق، ويمنح الحكايات فرصة لأن تغادر الورق وتصل إلى الناس. ومن هنا يمكن النظر إلى سنان بوصفه صانع شبكة بقدر ما هو صانع أعمال، لأن الصناعة الحديثة تقوم على التعاون أكثر مما تقوم على الحدود.
واللافت أن هذا التوسع العربي لم يلغِ الجذور اللبنانية. ففي أعمال السنوات الأخيرة، ومنها «بالدم»، ظل الإنتاج اللبناني حاضراً، وكأن بيروت لم تكن مجرد نقطة انطلاق في هذه الرحلة، بل جزءاً من هويتها المستمرة. وهنا تكمن المفارقة الأجمل: أن تخرج من لبنان بخبرة عالمية، ثم تعود إليه بفكرة أوسع عنه، وتحوّل المحلية إلى نقطة عبور نحو فضاء عربي أرحب.
لهذا فإن اختزال جمال سنان في لقب «منتج لبناني» يبدو أقل من حجم التجربة. فاللبناني هنا هو نقطة البداية، والعربي هو فضاء الحركة، والعالمي هو اتساع الرؤية. وفي عالم تتغير فيه صناعة الصورة باستمرار، لا تكون قيمة المنتج في قدرته على إنتاج ما ينجح اليوم فقط، بل في قدرته على رؤية ما قد يصبح مهماً غداً.
قد يرى المشاهد الشاشة، لكنه لا يرى دائماً ما وراءها من قرارات ومخاطر وعلاقات ورؤية. وهناك تحديداً تتحدد قيمة المنتج.
جمال سنان لم يكتفِ بأن يكون جزءاً من المشهد، بل حاول، خطوة بعد أخرى، أن يوسّع المشهد نفسه؛ وأن يجعل من الحكاية اللبنانية طريقاً مفتوحاً نحو مساحة عربية لا تحدها الجغرافيا.
هذه أقرب لما تقصده: نفس المقال الأصلي تقريباً، بنفس النبرة والفكرة والتدرج، لكن أكثر كثافة وأقصر للنشر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق