نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مبادرة شيخ الأزهر الشريف.. حكماء الأمة قبل فوات الأوان - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 08:49 مساءً
في وقت تتسع فيه دائرة الصراعات، وتستنزف فيه مقدرات الشعوب العربية والإسلامية، وتزهق أرواح الأبرياء تحت وطأة الحروب والحسابات السياسية، تأتي مبادرة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب لتشكيل لجنة حكماء ووساطة تهدف إلى حقن دماء المسلمين ووقف التصعيد، باعتبارها خطوة تستحق الترحيب والدعم، ورسالة تعيد التذكير بأن هناك صوتا آخر يجب أن يسمعه العالم، هو صوت العقل والحكمة وحرمة الدم.
أنا مؤمن بقوة الدبلوماسية الشعبية، وبقدرة الشخصيات التي تحظى بثقة المجتمعات واحترامها على فتح أبواب قد تعجز الدبلوماسية الرسمية أحيانا عن الوصول إليها، فالعلاقات بين الدول لا تدار بالسياسة وحدها، والأزمات لا تحل دائما خلف الأبواب المغلقة، بل قد تحتاج إلى أصوات تمتلك رصيدا من الثقة والقبول، وتستطيع مخاطبة الناس قبل الحكومات، وتذكير أصحاب القرار بأن وراء كل موقف سياسي أرواحا بشرية ومستقبلا لشعوب كاملة.
ومن هنا تحديدا تستمد مبادرة شيخ الأزهر أهميتها. فإذا قدر لهذه اللجنة أن ترى النور، فإن ميزتها الأساسية لن تكون في عدد أعضائها أو ألقابهم، وإنما في طبيعة الشخصيات التي يمكن أن تضمها، من أصحاب الثقل الديني والمجتمعي والفكري، ممن يحظون بالاحترام والقبول، ويتمتعون بالقدرة على التواصل مع أطراف النزاع، ويمتلكون من الحكمة والاستقلالية ما يؤهلهم لتقريب وجهات النظر وتخفيف حدة الاحتقان.
إن وجود شخصيات دينية ومجتمعية ذات مصداقية يمكن أن يمنح هذه المبادرة مساحة مختلفة للتحرك، لأن تأثيرها لا يستند إلى سلطة سياسية أو حسابات المصالح وحدها، بل إلى رصيد أخلاقي ومعنوي تستطيع توظيفه في الدعوة إلى التهدئة، ومواجهة خطاب الكراهية، وإعادة الاعتبار إلى حرمة الدم الإنساني.
ومن الكويت، التي تؤمن بأن أمن الخليج واستقرار العالم العربي والإسلامي لا ينفصلان عن بعضهما، أرى أن هذه المبادرة فرصة يجب ألا تضيع وسط ضجيج السلاح وتصاعد الخطاب المتوتر، فالأمة التي تجمعها روابط الدين والتاريخ واللغة والمصالح لا يجوز أن تظل أسيرة صراعات تمزق وحدتها وتبدد ثرواتها وتضعف قدرتها على مواجهة التحديات.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الخطب التي تتحدث عن الأخوة، بقدر حاجتنا إلى خطوات عملية تحمي هذه الأخوة من الانهيار. ولسنا بحاجة إلى بيانات ترثي الضحايا بعد سقوطهم، وإنما إلى تحرك يمنع سقوطهم من الأساس. فكل يوم تستمر فيه الحروب يعني عائلات جديدة تفقد أبناءها، وأطفالا يكبرون وسط الخوف، وشعوبا تدفع من أمنها ومستقبلها ثمن صراعات لم تخترها.
لكن نجاح لجنة الحكماء لن يتحقق بمجرد الإعلان عنها. فالأمر يحتاج إلى اختيار دقيق لأعضائها، وضمان استقلالية تحركهم، وتوفير قنوات اتصال فعالة مع الأطراف المعنية، وأن تكون مهمتهم واضحة ومحددة، تبدأ بالدعوة إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، وتمتد إلى تهيئة المناخ للحوار وبناء الثقة. كما يحتاج نجاحها إلى دعم رسمي عربي وإسلامي يمنحها فرصة التحرك، من دون أن يحولها إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.
إن الدبلوماسية الشعبية لا تنافس الدبلوماسية الرسمية ولا تحل محلها، وإنما تكملها وتفتح أمامها مسارات جديدة. وقد تكون الكلمة الصادقة الصادرة عن شخصية تحظى بثقة الناس أكثر قدرة على كسر الحواجز، أو تهيئة الرأي العام لقبول التسوية، أو إعادة الأطراف إلى طاولة الحوار.
وهنا تقع مسؤولية القيادات الدينية والفكرية والمجتمعية في مواجهة التحريض والكراهية، ورفض استباحة دماء المسلمين أيا كانت جنسياتهم أو مذاهبهم. فحرمة الدم لا تتجزأ، ولا يجوز أن تصبح حياة الإنسان رخيصة بسبب اختلاف سياسي أو مذهبي.
لقد آن للأمة أن تتوقف أمام السؤال الأهم: كم من الثروات أهدرت في الحروب، وكم من الفرص ضاعت، وكم من الأجيال دفعت ثمن الانقسام؟ كان يمكن لهذه الموارد أن تبني المدارس والمستشفيات وتوفر فرص العمل، بدلا من أن تتحول إلى وقود لصراعات لا تنتهي.
إنني أرحب بمبادرة شيخ الأزهر، وأتمنى أن تجد طريقها إلى التنفيذ، وأن يلتف حولها أصحاب الحكمة والرأي والتأثير في العالمين العربي والإسلامي. فالأمة لا ينقصها العلماء ولا أصحاب الخبرة ولا الشخصيات القادرة على التأثير، وإنما تحتاج إلى إرادة تجمع هذه الطاقات حول هدف واضح.
إن حقن دماء المسلمين ليس شعارا موسميا، بل واجب ديني وإنساني، والدبلوماسية الشعبية حين تستند إلى الثقة والحكمة يمكن أن تكون جسرا نحو السلام.**
فلتكن هذه المبادرة بداية لطريق جديد، يستعيد فيه العقل مكانته، وتصان فيه أرواح الأبرياء، وتفتح فيه أبواب الحوار، قبل أن تدفع شعوبنا ثمنا أكبر مما تحتمله أوطانها ومستقبل أبنائها.
حفظ الله أوطاننا العربية والإسلامية، وليعم السلام جميع أرجاء الأرض.
د/ يوسف العميري
للمزيد تابع
خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
قدمنا لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى هذا المقال : مبادرة شيخ الأزهر الشريف.. حكماء الأمة قبل فوات الأوان - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 08:49 مساءً











0 تعليق