نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
استرداد الآثار العربية: من يملك الماضي ومن يدفع كلفة عودته؟ - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 03:56 صباحاً
أنطوني نعيم
تُجسّد الآثار العربية ذاكرة الشعوب والشاهد الأول على هويتها التاريخية وحقها الأصيل في صوغ ماضيها بنفسها؛ فهي تتعدى النظرة السطحية التي تراها مجرد حجارة صامتة تختزن التراث. غير أنّ آلاف القطع الأثرية العربية وجدت طريقها إلى المتاحف والمجموعات الخاصة خارج بلدانها، بفعل الاستعمار والتنقيب غير المشروع والاتجار غير القانوني، وأحياناً عبر عمليات بيع اقتضتها ظروف سياسية واقتصادية معقّدة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: من يملك الماضي؟ وهل تكفي الملكية القانونية لإبقاء أثرٍ في الخارج، أم أنّ للعدالة التاريخية كلمةً أخرى؟
بين الملكية القانونية والعدالة التاريخية
من الناحية القانونية، لا تخضع جميع الآثار الموجودة في الخارج لحكم واحد. فهناك فرق بين قطعة خرجت سابقاً من بلدها بصورة مشروعة، وأخرى نُهبت أثناء الاحتلال، وثالثة هُرّبت خلال الحروب أو بيعت استناداً إلى وثائق مزوّرة. لذلك، لا يكفي إثبات أنّ القطعة عربية الأصل للمطالبة باستردادها، بل ينبغي تحديد مصدرها، وظروف خروجها، والقانون النافذ، فضلاً عن مدى توافر الأدلة على ملكية الدولة أو الجهة المتضررة.
يشكّل اتفاق اليونسكو لعام 1970، أحد أهم الأدوات الدولية في مجال حظر استيراد وتصدير الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة؛ كما يتيح اتفاق المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص "يونيدروا" لعام 1995 المطالبة بردّ الممتلكات الثقافية المسروقة إذا صُدّرت بصورة غير قانونية، وفق شروطها. لكنّ هذين الاتفاقين لا يحلّان تلقائياً جميع النزاعات، إذ تتأثر آليات تطبيقهما بتاريخ خروج القطعة، والتزامات الدول المعنية، وعدم رجعية بعض الأحكام.
كذلك، تكرّس اتفاقية لاهاي لعام 1954 حماية الممتلكات الثقافية في النزاعات المسلحة، فيما تؤكد اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 حظر النهب في الأراضي المحتلة. وعلى المستوى العملي، قد يتم الاسترداد عبر القضاء، أو التفاوض الديبلوماسي، أو التسوية مع المتاحف والجهات الحائزة. وتبرز هنا أهمية سجلات التنقيب القديمة، وصور القطع، وشهادات الخبراء، إلى جانب وثائق التصدير، وشهادة انتقال الملكية التي تُعرف قانونياً باسم سلسلة الحيازة.
تجارب عربية حيّة بين الاسترداد والتحديات
تكشف التجارب في لبنان وسوريا ومصر والأردن أنّ استرداد الآثار ليس شعاراً سياسياً فحسب، بل عملية قانونية وديبلوماسية تتطلّب توثيقاً وتمويلاً وتعاوناً دولياً.
في لبنان، أعلنت وزارة الثقافة عام 2024 عن استرداد رأس أثري يعود إلى الإله الفينيقي أشمون، بعد ظهوره في مزاد بمدينة ميونيخ الألمانية. وكانت القطعة مدرجة في سجلات المديرية العامة للآثار، وتبيّن أنها سُرقت من موقع جبيل عام 1981. وساهمت سجلات الجَرد والتواصل الديبلوماسي والتعاون مع الشرطة الألمانية في استعادتها، ما يبرز الدور المحوري للتوثيق في إثبات الملكية ودعم المطالبات بالاسترداد. ويستند لبنان في مكافحة التهريب إلى قانون الآثار لعام 1933 وتعديلاته، والقانون الرقم 37 لعام 2008 المتعلق بالممتلكات الثقافية بالإضافة إلى الإتفاقات الدولية. وتخضع عمليات تصدير الآثار من دون ترخيص للملاحقة القانونية، وقد تشمل العقوبات الحبس لغاية ثلاث سنوات والغرامة ومصادرة القطع، بحسب طبيعة الفعل والنص القانوني المطّبق.
أما في سوريا، فقد تعرّضت مواقع أثرية، بينها تدمر، لأعمال نهب وتدمير وتهريب خلال سنوات النزاع، فيما تواصل السلطات متابعة ملف استعادة الممتلكات الثقافية. بالمقابل، أعلنت السلطات السورية عام 2026 استعادة 22 قطعة أثرية كانت معارة إلى معهد العالم العربي في باريس منذ 2010، وتعذّرت إعادتها عقب انقطاع العلاقات بين البلدين. وشملت المجموعة قطعاً مرتبطة بمتاحف دمشق وحلب وتدمر. وتسلّط هذه القضية الضوء على التعقيدات القانونية والديبلوماسية التي قد ترافق استرداد الآثار، حتى عندما يكون خروجها من البلد الأصلي قد تم بموجب إعارة مشروعة، إذ تكتسب اتفاقات الإعارة والوثائق الرسمية أهميةً أساسية في تحديد الالتزامات المتعلقة بإعادتها.
على صعيدٍ متّصل، أعلنت السلطات المصرية عام 2025 استرداد 25 قطعة أثرية من الولايات المتحدة، عقب جهود استمرت ثلاث سنوات وتضمّنت التنسيق مع مكتب المدعي العام في نيويورك. كما أعلنت استعادة 36 قطعة أخرى من أميركا، شملت مخطوطات قبطية وسريانية ونقشاً حجرياً يعود إلى الأسرة الفرعونية الثامنة عشرة. وتؤكد هذه الحالات أهمية تتبّع مصدر القطع الأثرية والتحقيق في ظروف انتقالها، إلى جانب تفعيل آليات التعاون القضائي الدولي، بما يتجاوز المطالبات السياسية إلى إجراءات قانونية تستند إلى الأدلة.
وفي الأردن، صرّحت دائرة الآثار العامة عن استعادة مجموعة من القطع الأثرية من الولايات المتحدة، كانت ضمن مقتنيات طبيب أقام في الأردن خلال ستينيات القرن الماضي. وضمت المجموعة أواني فخارية وجراراً وقوارير زجاجية وأساور وخرزاً. وقد ساهم تعاون عائلة المقتني مع السلطات الأردنية في إعادة هذه القطع، مقدّماً مثالاً على إمكان تحقيق الاسترداد من خلال التعاون الطوعي، حتى عندما تعود حيازة المقتنيات إلى حقبة سابقة لصدور تشريعات أكثر تشدداً في حماية التراث.
من جانبٍ آخر، لا تنتهي القضية عند عبور القطعة الحدود إلى بلدها الأصلي، فهناك نفقات الخبرة القانونية، والتحاليل الأثرية، وتوثيق الملكية، إلى جانب الشحن والتأمين، ثم الترميم والتخزين الآمن. وتتحمل الدولة المستردّة جزءاً كبيراً من هذه الأعباء، بينما قد تساهم الدولة الحائزة أو المؤسسات الدولية في التمويل والتعاون الفني، بحسب ظروف كل حالة.
في المحصّلة، إنّ استرداد الآثار العربية حقّ ثقافي وقانوني مشروع حين تثبت أسبابه، لكنه أيضاً مسؤولية مالية وإدارية طويلة الأمد. والرهان الحقيقي ليس فقط إعادة الحجر إلى موطنه، بل إعادة قصته إلى أهله، وضمان ألّا يُنهب مرة أخرى.





0 تعليق