احتجاجات فرنسا بين الشارع ومنصات التواصل: تعبئة وتضليل وصراع الروايات - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
احتجاجات فرنسا بين الشارع ومنصات التواصل: تعبئة وتضليل وصراع الروايات - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 10:27 صباحاً

تُخاض الاحتجاجات في فرنسا، ليس في الشارع فحسب، إنما أيضاً على الشاشة. فبينما ازدحم المتظاهرون في الشوارع، انتقلت صورهم ومقاطع الفيديو إلى منصات التواصل الاجتماعي ليشاهدها الملايين، جمهور شاسع على وسع الفضاء الرقمي. هنا المواجهة تتخذ بعداً آخر. ولا يتطلب الأمر سوى "كبسة زر" لتتدفق المعلومات بلا حدود، وتختلط الوقائع بروايات مضلّلة. 

 

إلى أي مدى تستطيع وسائل التواصل حشد المتظاهرين والتأثير في مسار الاحتجاجات؟ وأين ينتهي دورها في نقل الغضب، ليبدأ دورها في تأجيجه أو توجيهه؟ وكيف يساهم التضليل، المدعوم أحياناً بأدوات الذكاء الاصطناعي، في تشكيل صورة ما يجري على الأرض؟

" target="_blank">هذه الأسئلة حضرت في التغطيات الإعلامية الفرنسية خلال الساعات الماضية، وأثارت المناقشات دور المنصات الرقمية في الاحتجاجات، وحدود تأثيرها في الشارع. 

 

 

" title="YouTube video player" frameborder="0">

 

 

v2.95 

في 19 تشرين الاول 2026، دعا رئيس الوزراء الفرنسي السابق غابريال أتال الى فرض حظر موقتعلى وسائل التواصل الاجتماعي. وقال في مقابلة مع قناة RTL: "يجب أن يكون الحظر موقتاً وموجهاً، في المناطق التي تشهد أعمال شغب"،  مشيرا الى أن هذا الإجراء ينبغي أن يكون من بين الأدوات المتاحة إذا استمرت الاضطرابات وثبت استخدام المنصات في تأجيجها. 

 

 

 

 

 

وعلى الرغم من العقبات التقنية، التي تعترض تطبيق هذا الطرح، فإنه يكشف عن تنامي القلق في الأوساط السياسية الفرنسية إزاء الدور الذي تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي في هذه الاحتجاجات. 

 

فما حصل السبت 17 تشرين الاول 2026 هزّ فرنسا. بدأ الأمر مع شاب يُعرَف باسم  v2.95، نشر على تيك توك مقطعاً عبّر فيه عن غضبه من ارتفاع أسعار الوقود، قبل أن تنتشر دعوته إلى التظاهر في 17 تشرين الأول على نطاق واسع عبر الإنترنت، وفقاً لما رصدته وسائل اعلام فرنسية.  

 

وهكذا، تحوّل مقطع مصوّر  إلى نداء للتعبئة، سرعان ما تقاطع مع مطالب اجتماعية أخرى، في مقدمها غلاء المعيشة وأوضاع المؤسسات التعليمية. وتناقلت حسابات مختلفة الدعوة، وروّجت لها ملصقات مولّدة بالذكاء الاصطناعي، من دون أن تقف وراءها جهة تنظيمية معروفة.

 

وقد تجاوز انتشار الدعوة حدود التداول العادي على المنصات الرقمية. فوفقاً لأرقام قدمتها شركة "Visibrain" المتخصصة برصد المنصات، نُشر ما يقرب من 460 ألف منشور يتعلق بـ17 تشرين الاول على منصات التواصل الاجتماعي في فرنسا، منذ 27 أيلول. وشهدت الأيام الأخيرة تسارعاً ملحوظاً، مع تسجيل ذروة يوم الأحد 11 منه، إذ تم تداول قرابة 65 ألف منشور وفيديو عبر المنصات. 

 

أرقام تعكس حجم انتشار الدعوة في الفضاء الرقمي، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن كل من شاهد هذه المقاطع قرّر المشاركة في الاحتجاجات. 

 

وفي المقابل، على الأرض، شارك عشرات الآلاف الدعوة، فيما شهدت مدن فرنسية اشتباكات عدة مع الشرطة وأعمال نهب وتخريب طغت مشاهدها على جانب من التغطية الإعلامية.

 

هل حشدت المنصات المتظاهرين فعلاً؟

تُظهر دراسات أكاديمية أن منصات التواصل الاجتماعي لا تقتصر على نقل أخبار الاحتجاجات، بل يمكن أن تؤدي دوراً في التعبئة، من خلال نشر الدعوات، وتسهيل التنسيق، وتوسيع نطاق الوصول إلى الجمهور. لكن تأثيرها في المشاركة الميدانية ليس تلقائياً، إذ يتفاوت بحسب طريقة استخدام المنصات والسياق الذي تنشأ فيه الاحتجاجات.

 

فقد بحثت دراسات أكاديمية في العلاقة بين النشاط الرقمي والمشاركة الاحتجاجية، بينها دراسة نُشرت عام 2025 للباحثين كاترينا فرويو وخافيير روميرو- فيدال، تناولت حركة "السترات الصفراء" في فرنسا. وبيّنت ان تجارب الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي دوراً في الربط بين الاستخدام العام لهذه المنصات والمشاركة في الاحتجاجات، وأن مجرد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لا يكفي للتنبؤ بالسلوك الاحتجاجي، في حين أن البحث عن المحتوى المنشور عبر حسابات صانعي القرار والنشطاء، واستخدام هذه المنصات للتعبير عن الآراء، يساهمان في تعزيز المشاركة في الاحتجاجات.

 

وفي دراسة أخرى (2022) تناولت الحركة ذاتها، أظهرت النتائج أن العلاقة بين النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي والاحتجاجات الميدانية ليست ثابتة ولا أحادية الاتجاه، بل هي علاقة متبادلة تتغير على مدار الحراك الجماعي بطرق محددة وقابلة للقياس. وباستخدام بيانات من الفضاءين الرقمي والميداني، بيّنت آليات مختلفة يؤثر من خلالها كلٌّ منهما في الآخر. فعلى وجه التحديد، يؤثر إنشاء مجموعات على فايسبوك في اندلاع الاحتجاجات. في المقابل، يؤدي اندلاعها إلى تغيير أنماط انتشار المعلومات بين المستخدمين على المنصة.

 

إضافةً إلى ذلك، يؤثر المحتوى المنشور على فايسبوك، والمتعلق بالأطر التي تستند إليها الحركة في عرض مطالبها وتفسير أهدافها، وكذلك المحتوى المرتبط بالتعبئة، في جهود الحشد على أرض الواقع.

ولا تعني هذه النتائج أن النشاط الرقمي يقود بالضرورة إلى المشاركة الميدانية، لكنها تبيّن أن العلاقة بينهما أكثر تعقيداً من مجرد استخدام المنصات أو متابعة ما يُنشر عليها. وفي حين تساعد الدراسات على فهم الآليات التي قد تربط النشاط الرقمي بالتعبئة، تكشف الأرقام المسجّلة خلال احتجاجات 17 تشرين الأول عن حجم الحضور الذي استحوذت عليه هذه التحركات في الفضاء الرقمي، من دون أن تحسم وحدها مقدار تأثيره في عدد المشاركين على الأرض.

 

فقد أفادت شركة Visibrain بأنه تم نشر أكثر من 2.2 مليوني رسالة على منصة إكس خلال يوم 17 تشرين الاول. وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف العدد الذي سُجِّل في اليوم الأول من التحركات الكبرى لحركة "السترات الصفراء" في 17 تشرين الثاني 2018، على ما ذكرت قناة Franceinfo في تقرير أمس الثلاثاء. وفي غضون ثلاثة أيام، نُشر أكثر من 6.4 ملايين منشور يتعلق بالتحركات التي حصلت في 17 تشرين الاول. 

 

بالنسبة إلى Visibrain، يوضح هذا "الطابع الاستثنائي للنقاشات وقوة الصدى الذي أحدثه الحدث". وتتجلى هذه الضخامة بشكل أكبر على منصة اكس، التي تتفوق "بفارق كبير على المنصات الأخرى". ورأت الشركة أن "حجم المحادثات يعكس حراكاً رقمياً واسع النطاق، قاده ملايين المستخدمين، الذين شاركوا في المعلومات وعلّقوا عليها وتداولوها بسرعة لافتة".

 

وقبل ذلك، تمكنت شركة Agoratlas وأداة رصد وسائل التواصل Visibrain من تحليل 109,760 منشورا باللغة الفرنسية، نُشرت على سبع منصات للتواصل الاجتماعي من 10 تشرين الاول إلى 17 منه. وكانت النتيجة الأولية أن 87.5% من الإعجابات على المنشورات التي تتخذ موقفا من الحراك الاجتماعي، ذهبت إلى المحتوى المؤيد له، في مقابل 9.4% للمحتوى المعارض. 

 

ولكل منصة طابعها الخاص. وينقل موقع "20minutes" عن فلوران لوفيفر، المدير العلمي لـAgoratlas، الأمر بالقول: "ليس الأشخاص أنفسهم الذين يكررون الكلام ذاته بشكل متواصل".

 

ايا يكن، فقد ولّد الحراك نشاطا كثيفا على الإنترنت، شاركت فيه، "إلى حدّ ما"، حسابات أجنبية، وفقا لما أقرّ به مصدر حكومي للموقع. لكن الجزء الأكبر من التفاعلات عبر الإنترنت لا يزال محليّ المصدر. وتستمر التحليلات لتحديد ما إذا كان جزء من هذا النشاط يندرج ضمن التدخل الرقمي الأجنبي، وفقاً لتعريف Viginum، الوكالة الفرنسية المختصة بمكافحة هذه الظواهر.

 

وأشار المصدر نفسه إلى أن مقاطع الفيديو التي توثّق أعمال العنف في مرسيليا وليون وباريس وليموج أعادت وسائل إعلام رسمية روسية وإيرانية وجزائرية وتركية وصينية نشرها على نطاق واسع. وبحسب إذاعة France Culture، تشتبه مصادر أمنية في أن مؤثرين مدعومين من إيران أو الجزائر أو روسيا، أو تحظى منشوراتهم بتضخيم متعمّد من هذه الجهات، ساهموا في تأجيج أعمال الشغب.

 

وقالت إيفلين باري، الخبيرة في السياسات العامة الأوروبية والتنظيم الرقمي، إن الأدلة المتاحة عبر المصادر المفتوحة لا تزال "محدودة ومتفرقة". ومع ذلك، أشارت الى أن حسابات معروفة بتأثرها بالنفوذ الإيراني تشارك في تضخيم الروايات المتعلقة بعنف الشرطة، ويشير باحثون وصحافيون إلى دور جهات روسية وجزائرية أيضا.

 

من التعبئة الرقمية إلى التضليل

وإذا كانت منصات التواصل تؤدي دور التعبئة، إضافة الى نقل صورة الاحتجاجات وتشكيل الانطباعات عنها، فإنها تُستَخدم كذلك لغرض آخر خطير: نشر الأخبار الكاذبة والمحتوى المضلّل، الذي قد يمتزج بالمشاهد الحقيقية، فيصعب على الجمهور التمييز بين ما يجري فعلاً وما يُراد إظهاره. 

فمنذ انطلاق احتجاجات طلاب المدارس الثانوية في 17 أيلول، وصولاً إلى احتجاجات 17 تشرين الأول، تنوّعت أساليب التضليل بين إعادة تداول مقاطع قديمة، لافتة أو صادمة، خارج سياقها الأصلي، ونشر صور ومقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، بهدف إحداث تأثير درامي لدى الجمهور. 

 

وتجدون أمثلة عدّة لهذا التضليل في قسم "النهار تتحقق"، الذي رصد مقاطع أُخرِجت من سياقها، وصورا زائفة، مبيّناً حقيقتها. 

 

بمزاعم خاطئة، حقّق فيديو الباص الذي واصل سيره وهو يحترق مشاهدات واسعة، على غرار فيديو السيارات المقلوبة والتحطيم. واستقطبت صورة مولدة لـ"طلاب يشعلون النار برجل إطفاء" الاهتمام، نظرا الى وقعها. وحصد فيديو "اشتباكات مع الشرطة الفرنسية" تعليقات منددة، وأقحمت "سيدة محجبة" في الاحتجاجات من دون أن يكون لمقطعها علاقة بالاحداث الراهنة. وأعيد تدويرمقاطع قديمة للاستفادة من مشهديتها القوية. وسخر الانترنت من الشرطة الفرنسية بسبب فيديو مضت على انتشاره ثلاثة اعوام. 

 

وأحضر التضليل ايضا النمر الوردي The Pink Panther الى الاحتجاجات. صور له انتشرت على نطاق واسع، لكنها كانت مولدة بالذكاء الاصطناعي، ووقع كثيرون في الفخ. وأضيفت إليها صورة لمسنَّين شبه عاريين "انتشلهما محتجون في شوارع باريس". وبين تقصيها انها مولدة او معدلة بواسطة أدوات OpenAI. وبالنسبة الى صورة "باريس تشتعل"، التي اعتقد كثيرون أنها حقيقية، فقد بيّن تحليلها وجود علامة مائية فيها مصدرها OpenAI. 

 

صور النمر الوردي المتناقلة بالمزاعم الخاطئة

صور النمر الوردي المتناقلة بالمزاعم الخاطئة

 

صورة المسنين المتداولة بالمزاعم الخاطئة

صورة المسنين المتداولة بالمزاعم الخاطئة

 

 

 

ولصبّ الزيت على النار، وُزِّع أيضا في المنصات فيديو بمزاعم خاطئة انه يظهر "مجموعات مسيحية من مختلف الاحزاب اليمينية تنتشر في شوراع باريس، للتصدي لليسار الاسلامي". وقد ساهمت هذه الصياغة في وضع المشهد ضمن رواية سياسية واستقطابية، بصرف النظر عن حقيقة المقطع وسياقه.

 

هذه الأمثلة لا تتشابه في طبيعتها. فبعضها يعتمد على صور مولّدة أو معدّلة، وبعضها الآخر يستند إلى مشاهد حقيقية أُخرجت من سياقها أو أُعيد تقديمها بمزاعم غير صحيحة. لكن القاسم المشترك بينها هو توظيف الصورة لإنتاج انطباع قد لا يتطابق مع الوقائع.

 

إضافة الى ذلك، ومن زاوية المتابعة الصحافية الفرنسية، لاحظ الصحافي الاستقصائي الفرنسي جان مارك ماناك، ردا على سؤال من "النّهار"، "تداول معلومات مضلّلة حول التظاهرات، مصدرها اليمين المتطرّف، نشرتها قناة CNews، وهي قناة ذات توجه يميني متطرف يملكها الملياردير فنسان بولوريه"، على قوله. 

 

ما الذي تحجبه صور العنف؟

توضيحاً للمشهد، شدّد ماناك على أنه "ينبغي التمييز بين التظاهرات التي التزمت فيها الغالبية العظمى من المشاركين، بسلوكٍ سليم، وأعمال الشغب التي ارتكبها مخربون في ختامها".

 

ورأى أن "مغادرة المتظاهرين، وبقاء المخربين وحدهم في الميدان، يعود أيضا إلى أن الشرطة وقوات الأمن الفرنسية (CRS) لم تتوقف عن إطلاق القنابل المسيلة للدموع والقنابل الصوتية عليهم. وقد حدث ذلك في وقت استنفدت القوات مخزونها من القنابل، وأصبحت منهكة وغير قادرة على السيطرة على الوضع، لا سيما أن أعدادها لم تكن كافية. فقد توقعت وزارة الداخلية مشاركة 110 آلاف متظاهر، في حين بلغ عددهم 550 ألفًا على الأقل". 

 

ملاحظات ماناك تعيد طرح سؤال أساسي: كيف يمكن مشاهد العنف، حين تتصدر التغطية الاخبارية وتتكرر على المنصات، أن تختزل احتجاجات واسعة في أعمال الشغب التي رافقتها؟ فمن شأن انتشار مقطع يصوّر أعمال شغب، حتى لو كان حقيقيا، أن يعطي انطباعاً مضللًا، إذا عُرض منفصلًا عن سياقه، أو من دون توضيح ما سبق التصوير وما تلاه. وهذا يعني ايضا ان المشهد الحقيقي قد يُستخدم بدوره لتكوين رواية ناقصة أو مضلّلة، إذا اقتطع من سياقه أو قدم بوصفه صورة شاملة لما حدث. 

 

وبذلك، لا يقتصر تأثير المنصات الرقمية على سرعة نقل الاحتجاجات واتساع نطاق انتشارها، بل يمتد إلى الطريقة التي يُراد أن يراها الجمهور ويفهمها من خلالها. فبين حقيقة المشهد والرواية التي تُبنى حوله، قد لا يكون التضليل دائماً في ما تعرضه الصورة، بل أيضاً في ما تحجبه. إنه صراع مفتوح على تفسير الروايات، تتنافس فيه أطراف مختلفة على توجيه الرأي العام وتحديد الصورة التي ستبقى في أذهان الجمهور. 

 

وفي هذا الصراع، لا يكفي التحقق من أن الصورة حقيقية، بل ينبغي أيضاً السؤال عمّا تعرضه، وما تستبعده، وكيف تُستخدم لبناء رواية عن الاحتجاجات.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق