نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
جنوب لبنان: صراع النفوذ والسيطرة بين الجيش وحزب الله وإسرائيل - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 11:07 صباحاً
جوي سماحة
بين الوجود العسكري الإسرائيلي، وسلاح حزب الله، ومساعي الجيش اللبناني لبسط سلطة الدولة، يواجه الجنوب اختباراً يتجاوز وقف إطلاق النار إلى تحديد الجهة القادرة فعلياً على فرض الأمن وحماية السكان.
من يسيطر فعلياً على جنوب لبنان؟ لا يمكن اختزال الإجابة في طرف واحد، إذ تتداخل السيادة القانونية للدولة مع موازين القوى العسكرية على الأرض. فالجيش اللبناني يسعى إلى توسيع دوره، وحزب الله يحتفظ بقدرات عسكرية مؤثرة، فيما يؤثر الوجود العسكري الإسرائيلي في الواقع الأمني. ومع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان «اليونيفيل»، تزداد التساؤلات حول مستقبل هذا التوازن.
تنتهي ولاية اليونيفيل في 31 كانون الأول 2026، وفق قرار مجلس الأمن 2790 الصادر في 28 آب 2025. وينص القرار على وقف عملياتها في ذلك التاريخ وبدء انسحاب منظّم وآمن يستمر خلال هذه المرحلة، فيما ستتركز مهامها على حماية موظفي الأمم المتحدة ومنشآتها، ومتابعة الوضع قرب مواقعها، والمساهمة في حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية ضمن حدود قدراتها.
في الأول من تشرين الأول 2026، حذّر مسؤول أممي معني بعمليات حفظ السلام من التحديات التي تواجه الانسحاب، ومنها استمرار الأنشطة العسكرية ومخاطر المتفجرات، والقيود على الحركة، وعدم انتشار الجيش اللبناني في جميع أنحاء الجنوب بعد. وتعيد هذه المعطيات طرح سؤال أساسي: كيف يمكن ضمان الاستقرار في مرحلة انتقالية من دون آليات مراقبة ودعم مناسبة؟
في هذا الإطار، أنشأ الاتحاد الأوروبي في 12 تشرين الأول بعثة دعم جديدة للبنان، بولاية أولية مدتها ثلاث سنوات، لتعزيز قدرات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، ودعم أمن الحدود والأمن البحري. لكن البعثة لم تبدأ انتشارها العملاني بعد، إذ لا يزال التخطيط جارياً، على أن يصدر قرار منفصل لإطلاقها. كما أنها ليست قوة بديلة عن اليونيفيل، بل مهمة دعم وتدريب لمؤسسات الدولة.
في المقابل، يبقى الوجود العسكري الإسرائيلي عاملاً أساسياً في معادلة الجنوب. فقد دعا قرار مجلس الأمن 2790 إسرائيل إلى سحب قواتها من المواقع الخمسة التي أشار إلى استمرار وجودها فيها داخل الأراضي اللبنانية، كما دعا السلطات اللبنانية إلى نشر قواتها فيها وتوسيع سيطرة الدولة على كامل أراضيها. ويؤثر استمرار الوجود والعمليات العسكرية في الوضع الأمني، ويعقّد عودة السكان إلى المناطق المتضررة.
أما حزب الله، فيبقى طرفاً مؤثراً بفعل قدراته العسكرية ودوره السياسي وموقعه في المواجهة مع إسرائيل. لكن امتلاك القدرة على الردع والتأثير في مسار الصراع لا يعني بالضرورة السيطرة الإدارية والأمنية على كامل الجنوب. وفي المقابل، يطرح استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة سؤالاً أساسياً حول الجهة التي تملك القرار النهائي في استخدام القوة، ومدى قدرة الحكومة على حصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الرسمية.
يجد الجيش اللبناني نفسه أمام مسؤولية تتجاوز الانتشار في مواقع إضافية؛ فبسط سلطة الدولة يتطلب القدرة على حماية الحدود وتنفيذ القرارات الرسمية وفرض القانون، إلى جانب إمكانات بشرية ولوجستية كافية ودعم مالي مستدام ومساندة دولية. ولا يُقاس نجاح الجيش بعدد الجنود المنتشرين وحده، بل بقدرته على ممارسة مهامه فعلياً، ضمن قرار سياسي واضح يحمي دور المؤسسة العسكرية.
لكن استعادة سلطة الدولة لا يمكن فصلها عن بقية عناصر الأزمة؛ فالانسحاب الإسرائيلي، وتوفير الضمانات الأمنية، ومعالجة مسألة السلاح خارج الدولة ضمن مسار سياسي قابل للتنفيذ، كلها عوامل مترابطة. وأي مقاربة تتجاهل أحدها قد تغيّر شكل الانتشار العسكري من دون أن تعالج أسباب عدم الاستقرار.
أما سكان الجنوب، فهم الطرف الذي يدفع الثمن المباشر لهذا الواقع؛ فالسيطرة بالنسبة إليهم لا تُقاس فقط بالانتشار العسكري، بل بإمكان العودة إلى المنازل، والوصول إلى الأراضي الزراعية، واستعادة الخدمات، والعيش بأمان. ومن دون ضمانات تحمي المدنيين وتتيح إعادة الإعمار، ستبقى أي ترتيبات أمنية ناقصة.
في المحصلة، لا يخضع جنوب لبنان لمعادلة سيطرة بسيطة. فالدولة تمتلك السيادة القانونية، لكن قدرتها على ممارستها تتأثر بالسلاح خارج مؤسساتها وبالوجود والعمليات الإسرائيلية، فيما أدّت اليونيفيل دوراً في المراقبة والاتصال من دون أن تنهي أسباب الصراع. ومع اقتراب انتهاء مهمتها، يصبح التحدي في تجنّب أي فراغ أمني وتعزيز قدرة الدولة على تولّي مسؤولياتها.
إن استعادة السيادة لا تتحقق بمجرد مغادرة قوة دولية أو انتشار الجيش في مواقع جديدة، بل تتطلب انسحاباً إسرائيلياً فعلياً وجيشاً قادراً على بسط سلطته، ومساراً سياسياً وأمنياً يعالج مسألة السلاح خارج الدولة، وضمانات تتيح للسكان العودة بأمان؛ عندها فقط يمكن الانتقال من صراع النفوذ على الأرض إلى استعادة الدولة اللبنانية قرارها الأمني والسيادي في جنوب لبنان.





0 تعليق