مملكة الهراء: حين يصبح الغباء نظاماً يحكم العالم - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مملكة الهراء: حين يصبح الغباء نظاماً يحكم العالم - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 02:38 مساءً

ليست المشكلة دائماً في نقص المعلومات، ولا في غياب الذكاء، بل قد تكمن في قدرة الإنسان على امتلاك المعرفة ثم استخدامها لتبرير ما يؤمن به مسبقاً. من هذه المفارقة ينطلق كتاب "مملكة الهراء: كيف يحكم الغباء عالماً يظن نفسه عاقلاً؟" للكاتب الدكتور فؤاد خريّس، الذي يحمل عنواناً فرعياً هو "من الكهف إلى الخوارزمية"، ليقدّم قراءة في واحدة من أكثر الظواهر استعصاءً على الفهم: كيف يستطيع الإنسان، فرداً وجماعة، أن يقع في الخطأ، وأن يدافع عنه، وأن يحوّله أحياناً إلى قاعدة تحكم حياته ومجتمعه ومؤسساته؟ وما بعد الإهداء والمقدمة يعتذر الكاتب من القارئ لأنه يتحدث عنه.

لا يتعامل الكتاب مع الغباء بوصفه نقيضاً بسيطاً للذكاء، ولا يحصره في ضعف القدرات العقلية أو محدودية التعليم. إنه يوسّع المفهوم ليشمل سوء الحكم، والانحيازات النفسية، والتفكير الجماعي، والتضليل، والقدرة على تسخير الذكاء نفسه في خدمة الأوهام. ومن هنا تأتي قيمة العمل: إنه لا يكتفي بالسخرية من أخطاء الآخرين، بل يحاول تفكيك الظروف التي تجعل الخطأ مقنعاً، وتمنحه القدرة على الاستمرار والانتشار.

حبكة فكرية لا رواية تقليدية

لا يقوم الكتاب على حبكة روائية تتطور فيها شخصيات خيالية ضمن سلسلة أحداث مترابطة، بل يبني حبكته الفكرية تدريجياً، عبر الانتقال من عقل الفرد إلى الجماعة، ومن القرارات اليومية إلى السياسة والمؤسسات، وصولاً إلى البيئة الرقمية والذكاء الاصطناعي.

تبدأ الرحلة من سؤال يبدو بسيطاً: لماذا يتصرف الإنسان أحياناً بطريقة تناقض مصلحته أو تتعارض مع الحقائق المتاحة أمامه؟ ثم تتسع الدائرة لتشمل السياسي الذي يصرّ على قرار فاشل، والقائد الذي يسيء تقدير خصمه، والمدير الذي يكرر أخطاءه خوفاً من الاعتراف بها، والمستثمر الذي يواصل الخسارة لأنه أنفق الكثير، والمستخدم الرقمي الذي يصدّق ما يوافق قناعاته ويرفض ما يزعزعها. هذه الأجوبة يمكن اسقاطها على الواقع لتجيب عن أسئلة الكثير من اللبنانيين على الأقل الذي يسألون في هذه الفترة أسئلة مماثلة عن قائد مماثل أو سياسي مماثل.

بهذا التدرج، ينتقل الكتاب من تشريح السلوك الفردي إلى مساءلة الأنظمة التي تسمح للأخطاء بأن تتحول إلى ممارسات عامة. فالخطأ، وفق المنطق الذي يعرضه، لا يصبح خطيراً بسبب وقوعه وحده، بل حين يُحصَّن ضد النقد، ويُعاد إنتاجه داخل جماعة أو مؤسسة، ويُقدَّم باعتباره دليلاً على الصواب بدلاً من كونه مناسبة للمراجعة.

وتشكّل هذه الحركة من الفرد إلى المجتمع العمود الفقري للكتاب، فيما تمنحه الخاتمة اتجاهاً مختلفاً: بدلاً من الوعد بالقضاء على الغباء، يدعو إلى الحد من قدرته على التدمير.

شخصيات الكتاب: مفكرون وأنماط بشرية

لأن العمل ليس رواية، فإن شخصياته لا تُبنى عبر الحوارات والتحولات النفسية، بل تظهر من خلال أفكار الباحثين والمفكرين الذين يستند إليهم، ومن خلال نماذج بشرية تمثل سلوكيات متكررة.

يحضر كارلو تشيبولا، المعروف بمحاولته تصنيف السلوك الغبي وبيان أثره في الآخرين، بوصفه مدخلاً لفهم الأضرار التي قد تنتج من أفعال لا تحقق منفعة واضحة حتى لمن يقوم بها. ويتيح هاري فرانكفورت التمييز بين الكذب والتعامل مع الكلام بلا اكتراث بالحقيقة، وهو تمييز مهم لفهم الخطاب العام حين يصبح التأثير في الجمهور أهم من التحقق من الوقائع.

أما دانيال كانيمان، فيساعد في تفسير التوتر بين التفكير السريع الحدسي والتفكير البطيء التحليلي، وما يرافق ذلك من أحكام متسرعة وانحيازاً. ويضيء روبرت بروكتور جانباً آخر يتعلق بصناعة الجهل، فيما تساهم أفكار ليون فستنغر في فهم الطريقة التي يحاول بها الإنسان التوفيق بين معتقداته والوقائع التي تناقضها.

إلى جانب هذه المرجعيات، يستحضر الكتاب أنماطاً من الشخصيات الاجتماعية والسياسية: المستبد، والخبير الذي يبالغ في الثقة بمعرفته، والجماعة التي تسكت عن الخطأ، والمستخدم الذي يسلّم قراره لما تعرضه الشاشة. ليست هذه الشخصيات أفراداً مكتملين بقدر ما هي نماذج تفسيرية، تكمن وظيفتها في إظهار أن الحماقة ليست حكراً على طبقة أو مهنة أو مستوى تعليمي.

غير أن هذا الاتساع يطرح ملاحظة نقدية: كثرة الأسماء والمفاهيم تمنح الكتاب ثراءً معرفياً، لكنها قد تجعل بعض أجزائه أقرب إلى جولة موسوعية منها إلى حجة تتطور بإيقاع متماسك. وكان من الممكن أن تمنح أمثلة أكثر تفصيلاً، مع فصل أوضح بين الشواهد والتفسيرات، بعض الأفكار قوة إقناعية أكبر.

من وهم الفرد إلى حماقة الجماعة

من أبرز أفكار الكتاب أن الذكاء لا يشكّل ضمانة ضد الحماقة. فقد يمتلك الإنسان قدرة عالية على التحليل، لكنه يستخدمها لتبرير موقف اتخذه مسبقاً، أو لإنتاج حجج أكثر تعقيداً دفاعاً عن قرار خاطئ. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: قد لا يكون الذكاء وسيلة للخروج من الوهم، بل أداة أكثر كفاءة لحمايته.

وتتضح هذه المشكلة حين ينتقل الخطأ من الفرد إلى الجماعة. أفكار تأخذ القارئ إلى واقعه ومحيطه وهذا فعلاً ما نبه منه الكاتب في البداية. درجة وعي القارئ تساهم في تسريب نواياه السيئة ليدرس حالات لطالما انتقدها ليدرسها بطريقة علمية، ولكنه يبقى بعيداً عن شخصه ومحيطه الملاصق، ليؤكد نظرية الكاتب، "بريء النوايا"!.

ويكتسب هذا التحليل أهميته في المجال السياسي والمؤسساتي، حيث يمكن للقرارات السيئة أن تستمر بسبب كلفة الاعتراف بالفشل، أو الخوف من خسارة المكانة، أو الرغبة في الحفاظ على صورة القائد الذي لا يخطئ. هل يذكرك هذا الأمر بأحد  أو جماعة؟! ويشير الكتاب إلى أن المؤسسات لا ينبغي أن تُبنى على افتراض وجود مسؤولين حكماء دائماً، بل على قواعد للمساءلة والرقابة تسمح باكتشاف الخطأ وتصحيحه.

فداخل المجموعات، قد تتراجع قدرة الأفراد على الاعتراض تحت ضغط الانتماء أو الخوف من العزلة، وقد تتوزع المسؤولية بحيث لا يشعر أحد بأنه مسؤول عن النتيجة النهائية. ويصبح الصمت، في هذه الحالة، جزءاً من آلية إنتاج الخطأ، حتى عندما يملك بعض الأفراد ما يكفي من المعرفة لرؤيته.

ومن هنا، لا يعود السؤال مقتصراً على كيفية اختيار أشخاص أذكياء، بل يصبح متعلقاً بكيفية إنشاء أنظمة تحدّ من أثر الثقة المفرطة، وتمنح النقد مساحة فعلية، وتسمح بتغيير القرار من دون أن يتحول ذلك إلى هزيمة شخصية.

الخوارزميات: حين تتسع المملكة

ينتقل الكتاب من التاريخ والسلوك الإنساني إلى العالم الرقمي، حيث تتضاعف سرعة تداول المعلومات وقدرة الأفكار على الوصول إلى الجمهور. فالخوارزميات لا تخلق بالضرورة انحيازات الإنسان من الصفر، لكنها تستطيع تضخيمها، عبر تقديم محتوى يوافق معتقداته، وتعزيز غرف الصدى، وإعادة تدوير المعلومات المضللة.

وفي هذا السياق، تصبح التكنولوجيا جزءاً من المشكلة وجزءاً من الحل في آن واحد. فالذكاء الاصطناعي قد يساهم في انتشار إجابات مضللة أو في تعزيز ثقة المستخدم بما يسمعه، لكنه يستطيع أيضاً أن يساعد على اختبار الافتراضات وكشف التناقضات، إذا صُمّم واستخدم بطريقة تشجع على التفكير النقدي بدلاً من الاكتفاء بإرضاء المتلقي.

تكمن قوة هذا الطرح في رفضه التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها قوة مستقلة عن الإنسان. فالأدوات، مهما بلغت قدرتها، لا تعفي المجتمع من مسؤولية الخيارات التي يتخذها في تصميمها وتوجيهها واستخدامها. لكن هذا الجزء من النقاش يظل مفتوحاً على أسئلة تحتاج إلى مزيد من الأدلة والأمثلة العملية، خصوصاً في ما يتعلق بالفروق بين المنصات وآليات عملها وآثارها المختلفة.

خاتمة لا تعد بعالم خالٍ من الغباء

تصل الخاتمة إلى استنتاج يتجاوز فكرة الانتصار النهائي للعقل: القضاء على الحماقة مستحيل، لكن تقليص قدرتها على إلحاق الضرر ممكن. فالإنسان ليس كائناً عقلانياً على الدوام، ولا يستطيع التخلص تماماً من انحيازاته أو أوهامه. وكل جيل يحتاج إلى تعلم الحكمة من جديد، لأن المعرفة لا تنتقل تلقائياً إلى السلوك، ولأن امتلاك المعلومات لا يضمن حسن استخدامها.

ويميز الكتاب بين الذكاء والحكمة. فإذا كان الذكاء يتعلق بالقدرة على الفهم والتحليل وحل المشكلات، فإن الحكمة تتطلب أيضاً التواضع، والانفتاح على الاعتراض، والاستعداد للاعتراف بأن المرء قد يكون مخطئاً. ومن هذا المنطلق، لا تُقاس الحكمة بمدى الثبات على الرأي، بل بالقدرة على مراجعته عندما تظهر أسباب جدية لذلك.

ويطرح الكتاب ستة اتجاهات عملية للتعامل مع هذه المشكلة: الشك في اليقين المطلق، وفحص الأخبار قبل تصديقها، واحترام الخصم، والاستماع إلى الرأي المخالف، ومقاومة المرايا التي لا تعكس إلا قناعاتنا، وتغيير الرأي من دون الشعور بأن الهوية الشخصية قد انهارت. وهي دعوة إلى بناء علاقة أكثر نضجاً مع المعرفة، لا إلى الارتياب في كل شيء أو التخلي عن المواقف.

كما يمنح الكتاب الديمقراطية والمؤسسات دوراً مهماً، لا لأنها تمنع القرارات الخاطئة، بل لأنها تستطيع توفير آليات سلمية لتصحيحها ومحاسبة أصحابها. فالمجتمع الأكثر حكمة ليس بالضرورة المجتمع الذي لا يخطئ، بل الذي لا يحوّل أخطاءه إلى حقائق محصّنة ضد المراجعة.

قيمة معرفية ونقد يحتاج إلى التوازن

تنبع قيمة "مملكة الهراء" من جمعه بين علم النفس والسلوك الاجتماعي والسياسة والإعلام والتكنولوجيا مستفيداً الكاتب الدكتور فؤاد خريس من تخصصه في هذا المجال.  ويقدم الدكتور خريّس مفاهيم قد تبدو أكاديمية بلغة أقرب إلى القارئ العام. كما يمنح القارئ أدوات لفهم التضليل، والانحيازات، والتفكير الجماعي، وآليات الدفاع عن المعتقدات، وهي موضوعات تزداد أهمية في بيئة إعلامية تتنافس فيها السرعة والانفعال مع التحقق والتأمل.

لكن قيمة الكتاب لا تعني أن كل مثال فيه يثبت بالضرورة كل استنتاج يطرحه. فالتنوع الكبير في الموضوعات قد يؤدي أحياناً إلى تعميمات تحتاج إلى مزيد من التحديد، كما أن النبرة الساخرة، على فاعليتها في جذب القارئ، قد تختزل أحياناً ظواهر معقدة في وصف واحد. ومن الضروري التمييز بين المفهوم المدعوم ببحث علمي، والمثال التوضيحي، والاستنتاج الذي يقدمه الكاتب بوصفه قراءة أوسع للواقع.

وهذا لا ينتقص من المشروع بقدر ما يحدد طريقة قراءته: ليس باعتباره حكماً نهائياً على الإنسان والعالم، بل محاولة لإعادة طرح سؤال العقلانية من زاوية أقل ادعاءً وأكثر اتصالاً بتجارب الحياة اليومية.

 

استشراف المستقبل: الحكمة في مواجهة فائض المعرفة

في عالم تتسارع فيه أدوات الذكاء الاصطناعي، وتتزايد فيه قدرة المنصات على توجيه الانتباه، قد تصبح المشكلة المقبلة أقل ارتباطاً بنقص المعلومات وأكثر اتصالاً بصعوبة التمييز بين الصحيح والمضلل، وبين المعرفة والتأكيد المريح للمعتقدات. وكلما ازدادت قدرة التكنولوجيا على إنتاج المحتوى وتوزيعه، ازدادت الحاجة إلى تعليم التحقق، وتعزيز التربية الإعلامية، وبناء مؤسسات تقبل النقد وتصحح أخطاءها.

لا يقدم الكتاب وصفة سحرية لهذا المستقبل، لكنه يضع معياراً أساسياً للتعامل معه: ألا تنمو قدراتنا التقنية أسرع بكثير من قدرتنا على استخدامها بحكمة. فالمجتمعات التي تكافئ الثقة المفرطة وتعاقب الاعتراف بالخطأ قد تجد نفسها أكثر عرضة لتكرار إخفاقاتها، مهما امتلكت من أدوات متطورة.

في المحصلة، تكمن الرسالة الأعمق لـ"مملكة الهراء" في أن الخروج من المملكة لا يبدأ باتهام الآخرين بالغباء، بل بمراجعة الذات. فالكتاب لا يستثني مؤلفه أو قارئه من قابلية الخطأ، ويجعل التواضع المعرفي شرطاً أولياً للحكمة: أن نكون أقل يقيناً حين لا نملك الدليل الكافي، وأكثر استعداداً للإصغاء، وأبطأ في إصدار الأحكام.

وهنا تكمن مفارقته الأخيرة: ليست الحكمة أن نثبت أننا لا نخطئ، بل أن نمتلك الشجاعة لتصحيح أخطائنا. وفي عالم يخلط كثيراً بين ارتفاع الصوت وقوة الحجة، وبين وفرة المعلومات وعمق الفهم، ربما تكون هذه الدعوة البسيطة أكثر ما يحتاج إليه العقل المعاصر.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق