فاروشا... داخل المدينة القبرصية الأشباح التي جمّدها الزمن لأكثر من 50 عاماً - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
فاروشا... داخل المدينة القبرصية الأشباح التي جمّدها الزمن لأكثر من 50 عاماً - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 03:26 مساءً

كانت فاروشا تُعرف باسم "ريفييرا قبرص"، وازدهرت كمنتجع سياحي على البحر الأبيض المتوسط، بفضل فنادقها المطلة على الشاطئ ومتاجرها وشوارعها السكنية. لكن حوادث عام 1974 أفرغتها من سكانها، لتتحوّل مبانيها المتداعية ومتاجرها المهجورة وشوارعها التي اجتاحها الغطاء النباتي إلى مشهد موحش لمدينة عالقة بين ماضيها ومستقبل مجهول.

 

ثمة ما يبعث على القشعريرة في السير داخل مدينة تبدو كأن الحياة قد تستأنف فيها في أي لحظة، رغم أنها بقيت مهجورة إلى حدّ كبير لأكثر من نصف قرن. في فاروشا، على الساحل الشرقي لقبرص، لا تزال المباني قائمة، ولافتات المتاجر في أماكنها، والفنادق تطل على البحر الأبيض المتوسط. لكن السكان الذين ملأوا هذه الشوارع ذات يوم لم يعودوا موجودين.

 

تعبر الرياح الشوارع الخالية، وتتسلل بين المباني التي تحطمت نوافذها، فيما استسلمت أجزاء من داخلها تدريجاً للزمن والنباتات. ولا يكسر الصمت سوى صفير الهواء وهو يمر عبر الأبنية الفارغة، ليضفي على المكان أجواء موحشة، حيث لا تزال آثار الحياة اليومية حاضرة في كل زاوية.

 

كانت فاروشا تُعدّ في السابق ريفييرا قبرص، ووجهة سياحية شهيرة خلال ستينيات القرن الماضي ومطلع سبعينياته. اجتذبت شواطئها الزوار، فيما عكست فنادقها ومطاعمها وحاناتها ومتاجرها ازدهار منتجع متوسطي آخذ في التوسع. أما اليوم، فتحكي المشاهد نفسها قصة مختلفة تماماً.

 

منتجع تُرك خلفه

تتجلى طموحات فاروشا السابقة بوضوح في فنادقها. فعلى طول شارع جون إف. كينيدي الشهير، يقف فندق "كينغ جورج" (King George)، وهو مبنى شاهق كان من أبرز معالم المنطقة. وعلى مقربة منه، يبرز فندق "فلوريدا" (Florida)، وهو فندق متعدد الطبقات على الواجهة البحرية، شكّل جزءاً من المشهد العمراني للمنتجع خلال سنوات ازدهاره.

شُيّدت هذه المباني لاستقبال الزوار، وتوفير إطلالات على البحر، واحتضان حركة سياحية نشطة. أما اليوم، فتقف هياكلها المتداعية شاهدة على قطاع سياحي فقد فجأة المكان الذي ازدهر فيه.

 

فاروشا

فاروشا

 

وفي مكان آخر، يبدو فرع "بنك قبرص" المهجور كأنه متجمّد في الزمن، داخل منطقة بقيت مغلقة لعقود تحت السيطرة العسكرية. وتقدّم المباني التجارية مشاهد مشابهة: مساحات داخلية تآكلت بفعل الإهمال، ونباتات تشق طريقها عبر الأماكن المهجورة، وغطاء أخضر يزحف تدريجاً على واجهات المتاجر والأرصفة.
ولا تزال لافتات الحانات والمتاجر معلّقة فوق مداخلها، ويحمل كثير منها كتابات باللغة اليونانية، في استعادة لملامح المجتمع الذي كان يملأ هذه الشوارع بالحياة. حلّ الغبار والتآكل محل حركة الزبائن وضجيج التجارة.
لم تُغلق هذه المؤسسات التجارية فحسب، بل توحي البيئة المحيطة بها أن حياة حضرية كاملة قد انقطعت فجأة، تاركة وراءها بنية مدينة قائمة، من دون الأشخاص الذين كانوا يمنحونها معناها.
منازل بلا سكان

 

خارج المنطقة التجارية، تكشف المباني السكنية في فاروشا وجهاً أكثر حميمية لمشهد الهجران.
تنمو النباتات عبر النوافذ وعلى الشرفات، فيما يرقد بعض الأبواب المكسورة على الأرض، وتتناثر شظايا الزجاج على امتداد الواجهات المتداعية. وتنتصب أمام عدد من المباني لافتات تحذّر من خطر انهيارها، بعدما تدهورت حالتها مدى عقود من دون إشغال منتظم أو صيانة.
كانت هذه المنازل مأهولة بسكان غادروا عام 1974، وكان كثيرون منهم يعتقدون أنهم سيعودون إليها يوماً. لكن مغادرتهم أصبحت جزءاً  من أكثر نتائج انقسام قبرص استمراراً.

 

دخلت الجزيرة مرحلة من الصراع بعد انقلاب دعمته الطغمة العسكرية اليونانية في تموز 1974. وتدخلت القوات التركية عسكرياً، وخلال العملية العسكرية التركية الثانية في آب، أُخليت فاروشا من سكانها القبارصة اليونانيين، الذين كانوا يشكّلون غالبية سكانها، وأصبحت تحت السيطرة العسكرية التركية. وأُغلقت المنطقة لاحقاً، ومُنع سكانها السابقون من العودة إلى منازلهم. ودعا مجلس الأمن الدولي لاحقاً إلى وضع فاروشا تحت إدارة الأمم المتحدة، وعارض إسكان أي أشخاص فيها باستثناء سكانها الأصليين.

 

بعد أكثر من 50 عاماً، لا تزال آثار تلك الحوادث واضحة في المباني نفسها. فالمنازل ما زالت قائمة، لكن تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تدور داخلها اختفت.
وفي وسط الأبنية المهجورة، تقف كنيسة أرثوذكسية يونانية صامتة، هي كنيسة ومتحف أيقونات القديس يوحنا (Agios Ioannis Church and Icon Museum). ويذكّر وجودها بمجتمع كانت حياته الدينية والاجتماعية متجذّرة في هذه المنطقة من الجزيرة، لكن أبناءه لم يعودوا يجتمعون فيها كما كانوا يفعلون في السابق.

 

معرض "تويوتا" الذي تحوّل إلى رمز

في وسط الشارع الرئيسي، يبرز أحد أشهر معالم فاروشا: معرض سيارات "تويوتا" المهجور.
تحوّل الشعار الذي لا يزال ظاهراً على المبنى إلى علامة مميزة للمدينة المهجورة، ويستقطب الزوار الذين يلتقطون الصور أمامه. ومنذ فتح أجزاء من فاروشا أمام الزوار في تشرين الأول 2020، أصبح المعرض من أبرز المشاهد التي تُستحضر عند الحديث عن المدينة.
المفارقة لافتة: فالشعار التجاري الذي ارتبط يوماً بالحركة والاستهلاك والحياة العصرية بات اليوم علامة على مكان يطغى عليه السكون.

 

وفي الشارع نفسه، يبرز منزل خالٍ تتدلّى عليه أعلام تركيا و"جمهورية شمال قبرص التركية"، التي لا تعترف بها سوى تركيا. وبين المباني المهجورة المحيطة به، يشير العلمان إلى حضور سياسي واضح في منطقة لا يزال سكانها السابقون غائبين عنها.
وقد أتاح فتح أجزاء من فاروشا أمام الزوار فرصة السير في شوارع محددة والاطلاع على آثار المدينة عن قرب. لكن السماح بالزيارة لا يعني أن الحياة عادت إلى طبيعتها؛ فما زالت أجزاء واسعة من المنطقة مهجورة، فيما يستمر الخلاف على وضعها السياسي.

 

مدينة أكبر مما تكشفه شوارعها

لعلّ المشهد الأكثر إثارة للرهبة يظهر من الشاطئ.
فعند النظر إلى الخلف من الساحل المرتفع، يتضح فجأة حجم فاروشا الحقيقي. الفنادق والمتاجر التي يمر بها الزائر أثناء تجواله ليست سوى جزء صغير من المشهد العمراني الأوسع. فخلفها، تمتد آلاف المباني إلى مسافات بعيدة، بينها أبراج كبيرة ومجمّعات سكنية تقف تحت طبقة من الغبار والإهمال.
تغيّر هذه الإطلالة الانطباع الأول عن المدينة. فما يبدو في البداية مجموعة من الشوارع المهجورة يكشف عن منطقة عمرانية شاسعة، بُنيت لاستيعاب سكان كثر واقتصاد سياحي مزدهر.

 

كبرت الأشجار، وانتشرت أجيال جديدة من النباتات في المساحات التي تُركت من دون عناية. واستعادت الطبيعة تدريجاً أجزاء من البيئة العمرانية، فغطّت بعض الواجهات وأظهرت في الوقت نفسه آثار الأضرار التي خلّفتها عقود من الهجران.
ولا يزال صوت الرياح مسموعاً. ومن المكان المرتفع المطل على الساحل، فيما تمتد المباني إلى ما وراء الشوارع القريبة، يصعب تجنّب تخيّل الحياة التي كانت تدور خلف تلك النوافذ: عائلات في منازلها، وأصحاب متاجر يفتحون أبواب مؤسساتهم، ونزلاء يصلون إلى الفنادق لقضاء عطلاتهم، وسكان يتنقّلون في أحياء يعرفون تفاصيلها.
يخيّل للزائر أن المدينة تنتظر عودتهم. ولا يعكس هذا الانطباع بالضرورة ما حدث لكل فرد، لكنه يجسّد المسافة الموحشة بين بقاء فاروشا مادياً وغياب مجتمعها السابق.

 

مغادرة فاروشا

عند مغادرة فاروشا، وإلقاء نظرة أخيرة إلى الوراء، تبقى المشاهد الموحشة عالقة في الذاكرة. فالفنادق الشاهقة، والمتاجر المهجورة، والمنازل التي اجتاحتها النباتات، والشوارع التي لا يُسمع فيها سوى صوت الرياح، ليست مجرد آثار لمدينة تُركت خلفها، بل شواهد على حياة انقطعت فجأة قبل أكثر من نصف قرن.

تُوصف فاروشا بأنها من أكبر المدن المهجورة في العالم، فيما تختصر حكايتها جانباً من تاريخ منطقة لم تسلم دولها من الحروب والاضطرابات والانقسامات. ومن شواطئها، حيث تمتد المباني المهجورة إلى مسافات بعيدة، يبدو حجم ما فقدته المدينة أكبر مما تكشفه شوارعها للزائر.

 

ولا تقف آثار الانقسام عند فاروشا. ففي نيقوسيا، لا تزال عاصمة قبرص مقسّمة، في مشهد يجسّد استمرار الانقسام الذي طبع تاريخ الجزيرة لعقود.

لكن ما يبقى في الذاكرة بعد مغادرة فاروشا ليس تاريخها وحده، بل ذلك المشهد الأخير لمدينة لا تزال مبانيها قائمة، فيما يغيب عنها سكانها منذ أكثر من 50 عاماً. مدينة تبدو كأنها تنتظر عودة الحياة إلى شوارعها، فيما يواصل الزمن مروره من حولها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق