نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تداعيات واقعة برلمان «شرق ليبيا» على مصر وتركيا وأوروبا - تواصل نيوز, اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026 10:25 صباحاً
أقرّ مجلس النواب الليبي، الثلاثاء 20 أكتوبر الجاري، مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ما يسمى بحكومة «الوفاق الوطني» وتركيا في نوفمبر 2019، وألغى قرارين صادرين عام 2020 رفض فيهما التفاهمات مع أنقرة ودعا إلى قطع العلاقات السياسية معها، آنذاك، ويأتي التصويت الجديد بعد سنوات من الانقسام الليبي، وفي وقت تسعى فيه تركيا إلى توسيع علاقاتها مع القوى الفاعلة في شرق البلاد، بعدما ارتبط نفوذها العسكري والسياسي سابقًا بحكومة طرابلس.
تداعيات القرار تتجاوز العلاقات الليبية التركية، على اعتبار أن المذكرة تقع في قلب خلاف طويل بشأن ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري في شرق المتوسط، حقوق الجزر، فرص التنقيب عن النفط والغاز، والمشروعات البحرية التي تحتاج إلى وضوح قانوني قبل تنفيذها، وقد رفضت مصر واليونان القرار، بينما أعرب الاتحاد الأوروبي وإسرائيل عن اعتراضهما، في حين رحبت أنقرة بالتصويت وعدّته دعمًا للاتفاق.
تكتسب الخطوة أهمية إضافية لأن المذكرة دخلت حيز النفاذ في ديسمبر 2019، ولم يقرها مجلس النواب إلا بعد 6 أعوام من تاريخ توقيعها، ومع ذلك، لا تمنح المصادقة الليبية الاتفاق قبولًا دوليًا شاملًا، ولا تحسم وحدها النزاع مع الدول التي ترى أن حقوقها البحرية تتأثر به، حيث أن اعتماد مذكرة بين طرفين يختلف عن تسوية المطالبات المتعارضة مع أطراف أخرى، كما أن تسجيل الاتفاق لدى الأمم المتحدة لا يمثل حكمًا قضائيًا بصحته في مواجهة الدول الثالثة.
تساؤلات عدة تطرح نفسها: ما دوافع التقارب بين أنقرة وشرق ليبيا؟ ما الآثار القانونية للقرار وحسابات مصر ومواقف القوى الأوروبية والإقليمية؟ كيف ينعكس على الطاقة والأمن البحري؟ هل تتجه الأطراف إلى احتواء الخلاف دبلوماسيًا أم يتصاعد إذا بدأت أعمال بحرية في مناطق متنازع عليها؟ يميز التحليل بين الوقائع المعلنة والتقديرات التي لم تثبتها الوثائق الرسمية.
خصومة الحرب وتفاهم المصالح
تبدأ المفارقة السياسية من أن مجلس النواب الليبي الذي وافق قبل ساعات على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا هو نفسه الذي رفضها عام 2020، حين كانت أنقرة تدعم عسكريًا حكومة «الوفاق الوطني» في طرابلس، بينما كانت قوات الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، تخوض معارك للسيطرة على العاصمة.
لكن بعد 6 سنوات، انتقل موقف المجلس من رفض الاتفاق والدعوة إلى قطع العلاقات السياسية مع أنقرة إلى إقراره بالإجماع وإلغاء القرارين السابقين، في تحول يعكس تغيرًا في حسابات العلاقات الليبية التركية، ويطرح تساؤلات بشأن دوافعه السياسية والاستراتيجية وحدود انعكاسه على توازنات الداخل الليبي وشرق المتوسط.
لم ينفصل موقف برلمان الشرق، حينها، عن الحرب الليبية، فقد وقّعت حكومة طرابلس، المعترف بها دوليًا حينها، مذكرتي التفاهم البحرية والأمنية والعسكرية مع أنقرة في نوفمبر 2019، وقدمت تركيا دعمًا عسكريًا ساعد الحكومة على صد هجوم قوات حفتر، بينما ساندت أطراف إقليمية ودولية معسكر الشرق بدرجات متفاوتة.
ارتبط الاتفاق البحري منذ توقيعه بصراع النفوذ، إلى جانب الخلاف القانوني بشأن حقوق الدول في شرق المتوسط، وفي يناير 2020، رفض مجلس النواب التصديق على المذكرتين، وقرر قطع العلاقات السياسية مع أنقرة، تعبيرًا عن رفض الدور التركي في الحرب ومخاوف من المكاسب الاستراتيجية التي قد تحققها الاتفاقات لحكومة طرابلس.
لا يقتصر القرار الأخير على الموافقة على المذكرة البحرية، بل يشمل إلغاء قراري عام 2020 بالإجماع، بما يزيل العائق السياسي الذي فرضه المجلس أمام تطوير العلاقات مع أنقرة، لكن إلغاء قرار رفض المذكرتين لا يثبت، وحده، التصديق مجددًا على مذكرة التعاون الأمني والعسكري، إذ يتطلب ذلك التحقق من صدور موافقة مستقلة عليها.
تستفيد تركيا من توسيع علاقاتها داخل ليبيا، لأن حصر نفوذها في غرب البلاد يجعل مصالحها أكثر ارتباطًا ببقاء القوى التي تتولى الحكم في طرابلس، أما بناء علاقات مع معسكر الشرق، فيتيح لها التعامل مع القوى العسكرية والسياسية التي تتمتع بنفوذ واسع في بنغازي ومناطق أخرى، ويمنحها فرصًا إضافية في الاقتصاد والتجارة والطاقة.
شهدت السنوات الأخيرة تقاربًا تدريجيًا بين مسئولين أتراك وقيادات شرق ليبيا، خاصة بعدما التقى وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، المشير خليفة حفتر في بنغازي، أغسطس الماضي، وتندرج هذه الاتصالات ضمن تحسن العلاقات بين الجانبين، بعد سنوات من الخصومة خلال الحرب الليبية، وتقدم تركيا نفسها عبر أدوات عدة: مشروعات الإنشاءات والبنية الأساسية، التجارة والطاقة، إلى جانب استمرار مصالحها القائمة في غرب ليبيا.
تحتاج قيادات شرق ليبيا إلى توسيع خياراتها الخارجية، لتحسين موقعها في المفاوضات المتعلقة بمستقبل السلطة في البلاد، لكن هذا لا يعني أن تركيا ستتخلى عن علاقاتها بحكومة طرابلس، والأقرب أن أنقرة تسعى إلى الاحتفاظ بعلاقات مع أكثر من طرف ليبي، بحيث تتمكن من حماية مصالحها في حال تغيرت موازين السلطة أو تشكلت حكومة جديدة، ويدعم هذا التفسير طبيعة الاتصالات المعلنة، لكنه يظل تقديرًا للأهداف التركية، لا نصًا رسميًا يحدد جميع شروط التقارب.
حسابات وطموحات سياسية
حظي قرار مجلس النواب الليبي بترحيب بعض الدوائر المحلية في البلاد، في ظل سعى كل قيادة إلى الحصول على دعم خارجي أو تقليل اعتمادها على طرف واحد، خاصة مع استمرار الانقسام المؤسسي وتأخر التسوية السياسية، وقد يكون تغيير رئاسة مجلس النواب مؤخرًا عاملًا مساعدًا على مراجعة الموقف السابق، فقد ارتبط رئيس المجلس السابق، المستشار عقيلة صالح، بموقف معارض للمذكرة، قبل أن تؤدي عملية تغيير القيادة التشريعية إلى تسهيل تمرير الاتفاق.
للوهلة الأولى، يمنح التصويت انطباعًا بوجود مساحة مشتركة بين المؤسسات الليبية في ملف العلاقات مع تركيا، خاصة أن حكومة طرابلس رحبت بدورها بالاتفاق، الذي لا يضمن التوافق على تخفيف حدة الخلاف بين الشرق والغرب، ولا يثبت انتهاء الانقسام السياسي أو العسكري، حيث لاتزال ليبيا تواجه خلافات تتعلق بتوحيد المؤسسات، وتشكيل حكومة موحدة، وإجراء الانتخابات، وتوزيع الموارد العامة.
الاتفاق على مذكرة بحرية لا يعني التوافق على ترتيبات الحكم أو قيادة الجيش أو إدارة الإيرادات النفطية، إذ تظل هذه الملفات مرتبطة بمصالح مختلفة بين القوى الليبية. وقد تستفيد تركيا من هذا الوضع عبر الاحتفاظ بعلاقات مع الطرفين، بينما يستفيد كل معسكر ليبي من توسيع علاقاته الخارجية، لكن النتائج قد تختلف إذا تحول التقارب إلى وسيلة لكسب دعم خارجي في مواجهة المنافسين المحليين.
وفي هذه الحالة، ربما تُستخدم الاتفاقات الدولية لتعزيز مواقع أطراف بعينها بدلًا من المساعدة على بناء مؤسسات موحدة.
تكمن مصلحة ليبيا في أن يؤدي التعاون الخارجي إلى منافع اقتصادية وأمنية واضحة، وأن يخضع للوثائق الرسمية والرقابة المؤسسية، بعيدًا عن التنافس الشخصي أو الحزبي. كما أن أي تفاهمات جديدة مع تركيا تحتاج إلى إعلان شروطها والتزاماتها، حتى تتمكن المؤسسات الليبية من تقييم آثارها على المصالح الوطنية، ما يشير إلى أن قرار مجلس النواب يمثل مكسبًا سياسيًا لأنقرة، لكنه لا يضمن توحيد ليبيا أو الوصول إلى تسوية داخلية، وسط توقعات بأن يظل أداة لتعزيز مواقع قيادات محددة في المنافسة على السلطة.
حدود القرار والشرعية الدولية
مجرد النظر القانوني إلى قرار مجلس النواب الليبي يوضح الفرق بين اعتماد الاتفاق داخل ليبيا، وسريانه بين طرفيه، ومدى قدرته على إنشاء حقوق بحرية في مواجهة الدول الأخرى. هذه مسائل مختلفة، لا يؤدي حسم إحداها تلقائيًا إلى حسم البقية.
اعتماد المجلس مؤخرًا مذكرة التفاهم الموقعة بين حكومة الوفاق الوطني وتركيا لا ينهي الخلاف الدولي حول آثارها القانونية القائمة، حيث سجلت الأمم المتحدة المذكرة في 11 ديسمبر 2019، ما يثبت إيداعها رسميًا، لكن التسجيل لا يعني أن المنظمة الدولية أصدرت حكمًا بصحتها القانونية أو أقرت الحدود الواردة فيها.
تكمن أهمية التصويت البرلماني الأخير في أنه ألغى الاعتراض التشريعي السابق داخل ليبيا، غير أن هذا التطور لا يحسم تلقائيًا اعتراضات مصر واليونان وقبرص، ولا يلزم هذه الدول بقبول الحدود التي اتفقت عليها أنقرة وطرابلس، لا سيما أن القانون الدولي يميز بين حرية الدول في إبرام الاتفاقات الثنائية وبين حقها في فرض آثار تلك الاتفاقات على دول لم تشارك فيها.
تتعلق مذكرة التفاهم بتحديد مناطق الاختصاص البحري بين تركيا وليبيا في البحر المتوسط، وتشمل «الجرف القاري» و«المنطقة الاقتصادية الخالصة»، وفق إحداثيات جغرافية وملاحق فنية مرفقة بالاتفاق، وتترتب على هذا التحديد حقوق تتصل باستكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، بما في ذلك النفط والغاز، وفق القواعد التي تحكم كل منطقة، غير أنه يجب التمييز بين ثلاثة مفاهيم قانونية عند تقييم آثار المذكرة.
أولًا، المياه الإقليمية، التي تخضع لسيادة الدولة الساحلية، مع مراعاة قواعد المرور البحري. ثانيًا، المنطقة الاقتصادية الخالصة، التي تمنح الدولة حقوقًا سيادية محددة في استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، إلى جانب اختصاصات أخرى ينظمها القانون الدولي. وثالثًا، الجرف القاري، الذي يتعلق بقاع البحر وما تحته، وبحقوق الدولة في استكشاف موارده الطبيعية واستغلالها.
هذا التمييز أراه أساسيًا، لأن امتلاك الدولة حقوقًا في منطقة اقتصادية خالصة لا يعني خضوع جميع المياه الواقعة داخلها لسيادتها المطلقة، كما أن تحديد الجرف القاري لا يمنح الدولة حق منع الملاحة الدولية في جميع الأحوال.. وعليه، لا تعني المذكرة، في حد ذاتها، إغلاق ممرات بحرية أمام السفن الأجنبية، أو تحويل جميع المناطق التي تشملها المطالبات إلى مياه إقليمية مغلقة.
تتضمن المذكرة كذلك ترتيبات لتسوية الخلافات بالطرق الدبلوماسية، تتيح إبرام اتفاقات بشأن الاستغلال المشترك لبعض الموارد الطبيعية، لكن النصوص لا تعني أن الطرفين توصلا بالفعل إلى اتفاقات محددة بشأن حقول النفط والغاز، أو أن شركات بعينها حصلت على تراخيص للتنقيب، فكل مشروع يحتاج إلى إجراءاته وموافقاته، كما أن تنفيذ أي نشاط في منطقة تتعارض عليها المطالبات قد يثير اعتراضات قانونية جديدة.
يتعلق الاعتراض اليوناني بالطريقة التي حددت بها المذكرة الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، ومدى مراعاتها الحقوق البحرية للجزر اليونانية، وفي مقدمتها جزيرة كريت. وترى أثينا أن الاتفاق تجاهل حقوقًا بحرية مقررة لجزرها، وأن «تركيا وليبيا لا تمتلكان سواحل متقابلة أو متجاورة تتيح لهما إجراء الترسيم بالطريقة الواردة في المذكرة».
يستند جزء أساسي من الخلاف إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. وتتناول المادتان 74 و83 ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة، وتشترطان التوصل إلى اتفاق وفق القانون الدولي بغرض تحقيق حل منصف، كما تتضمنان قواعد للتعامل مع الحالات التي يتعذر فيها التوصل إلى اتفاق نهائي، وتشجعان على اتخاذ ترتيبات مؤقتة لا تضر بالتسوية النهائية.
تقرر المادة 121 من الاتفاقية أن الجزر تتمتع، من حيث الأصل، بمياه إقليمية ومنطقة اقتصادية خالصة وجرف قاري، مع استثناء الصخور التي لا تستطيع إعالة سكن بشري أو حياة اقتصادية خاصة بها. لكن تطبيق هذه القواعد على نزاع بحري بعينه يحتاج إلى فحص جغرافية السواحل ومواقع الجزر والمسافات بينها، إلى جانب دراسة أثر الحدود المقترحة في الحقوق التي تطالب بها الدول المعنية.
اعتمدت محاكم وهيئات تحكيم دولية في قضايا سابقة على اعتبارات الجغرافيا والإنصاف عند تحديد الأثر الذي تمنحه لبعض الجزر في الترسيم البحري. ولا يعني ذلك أن جميع الجزر تحصل في كل قضية على الأثر نفسه، كما لا يتيح تجاهل حقوقها دون أساس قانوني. ويتطلب الفصل في كل نزاع فحص ظروفه الخاصة، والوثائق والإحداثيات ذات الصلة، والقواعد التي تنطبق على أطرافه.
تتمسك اليونان بأن مذكرة تركيا وليبيا تتعارض مع هذه القواعد، فيما تؤكد أنقرة وطرابلس أن الاتفاق يحمي حقوقهما ومصالحهما. لكن إعلان أي طرف موقفه لا يكفي لحسم النزاع، إذ يظل التقييم القانوني مرتبطًا بالحجج والأدلة والآليات التي يمكن للأطراف اللجوء إليها لتسوية الخلاف.
تركيا وتفسيرها لـ«الإنصاف» البحري
تقول تركيا إن «المذكرة تحمي حقوقها وحقوق ليبيا في شرق المتوسط»، وتفسر القانون الدولي ومبدأ الإنصاف في ترسيم الحدود البحرية على طريقتها، وترى أن مصادقة مجلس النواب الليبي «تعزز القبول الداخلي للاتفاق، وتمنح التعاون بين الطرفين دعمًا سياسيًا إضافيًا»، غير أن هناك نقطة قانونية تستوجب التوضيح، وهي أن تركيا ليست طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بخلاف ليبيا واليونان ومصر.
في الوقت نفسه، لا يعني ذلك أن تركيا خارج قواعد القانون البحري كلها، لأن بعض هذه القواعد قد يكون ملزمًا لجميع الدول باعتباره جزءًا من القانون الدولي العرفي، غير أن الاستناد إلى مواد الاتفاقية يتطلب الفصل بين الالتزامات التي تنشأ عن العضوية فيها والقواعد العرفية التي يمكن تطبيقها على الدول غير الأطراف، كما أن تسجيل إجراء يتعلق بإيداع الاتفاق وإشهاره وفق ميثاق الأمم المتحدة ليس قرارًا قضائيًا يفصل في قانونية بنوده أو يثبت الحقوق التي يطالب بها الموقعون أمام الدول الأخرى.
تحكم هذه المسألة أيضًا قاعدة مهمة في القانون الدولي للمعاهدات، وهي أن الاتفاق لا ينشئ التزامات على دولة ثالثة دون موافقتها، وبناءً على ذلك، لا تستطيع تركيا وليبيا إلزام مصر أو اليونان أو قبرص بقبول حدود تتعارض مع مطالباتها لمجرد أن الدولتين وقعتا المذكرة أو اعتمدها البرلمان الليبي، ولهذا السبب، تتمسك القاهرة وأثينا بحقوقهما البحرية، وترفضان الآثار التي قد تنتج عن الاتفاق في مواجهتهما، فيما تتمسك أنقرة وطرابلس بموقفهما، ما يجعل الخلاف قائمًا على حجج قانونية متعارضة، وليس على قبول الاتفاق أو رفضه داخل ليبيا فقط.
سيتبادر إلى ذهنك سؤال: هل أصبح بوسع تركيا الاستناد إلى موافقة تشريعية لم تكن متاحة من قبل، بعد موافقة مجلس النواب الليبي؟ يجب التمييز بين إلغاء قرار رفض مذكرتي التفاهم وبين اعتماد كل مذكرة على حدة. فالقرار يؤكد اعتماد المذكرة البحرية وإلغاء القرارين السابقين، لكنه لا يتضمن تصديقًا جديدًا مستقلًا على مذكرة التعاون الأمني والعسكري، لذلك، فإن الحديث عن اتفاقات دفاعية جديدة أو تغييرات في الوجود العسكري التركي داخل ليبيا يحتاج إلى وثائق وإعلانات رسمية مستقلة.
قرار البرلمان الليبي لا ينهي الاعتراضات الإقليمية والدولية. فمصر واليونان وقبرص تستطيع الاستمرار في التمسك بمطالباتها، وتقديم مذكرات احتجاج على أي نشاط ترى أنه يمس حقوقها، كما يمكنها متابعة التراخيص وأعمال المسح والتنقيب التي قد تستند إلى الاتفاق، وتقييم مدى تعارضها مع المناطق التي تطالب بها، إذ تظل الوسائل الدبلوماسية والقانونية متاحة لتسوية الخلاف.
وفي حال اللجوء إلى محكمة دولية أو هيئة تحكيم، يتطلب الأمر توافر أساس للاختصاص واستيفاء الشروط القانونية، حيث لا تستطيع ليبيا أو تركيا أن تفرض تلقائيًا على خصومها قبول حكم قضائي في نزاع لا تتوافر فيه شروط الاختصاص، فالمحاكم الدولية وهيئات التحكيم لا تنظر في النزاعات البحرية لمجرد طلب أحد أطرافها ذلك، وإنما يتطلب الأمر وجود أساس قانوني يقنعها بنظر النزاع، كاتفاق الدول المعنية على إحالة الخلاف إليها، أو وجود إعلان سابق بقبول اختصاص محكمة معينة وفق الشروط المقررة، أو انطباق نص تعاهدي يدفعها لقبل الدعوى.
بناءً عليه، لا تستطيع تركيا أو ليبيا إحالة خلافها مع مصر أو اليونان أو قبرص إلى جهة قضائية دولية وإلزامها بالمشاركة في الإجراءات أو قبول الحكم الصادر، ما لم يتوافر أساس قانوني للاختصاص ينطبق على الدول المعنية، وحتى عند توافر هذا الأساس، تظل المحكمة ملزمة بالنظر في حدود اختصاصها والقواعد القانونية والأدلة المقدمة إليها، قبل إصدار حكم في موضوع النزاع.
تنحاز المحكمة إلى الموقف القانوني لمصر، اليونان، وقبرص إذا أثبتت الأدلة والوثائق أن الموقف الذي تتمسك به الدول يتفق مع قواعد القانون الدولي واجبة التطبيق، وفي النزاع البحري، يتوقف ذلك على عدة عوامل: مدى استحقاق كل دولة للمناطق البحرية محل الخلاف، القواعد القانونية المنظمة لترسيم الحدود، حقوق الدول الأخرى، ومدى انطباق الاتفاقيات الدولية، وأن تكون المحكمة مختصة بالفصل فيه.
عمليًا، تبحث محكمة العدل الدولية في ترسيم الحدود البحرية عادةً عبر تحديد خط تساوي المسافة مبدئيًا، ثم دراسة الظروف الجغرافية المتعلقة به، والتحقق من عدم وجود تفاوت فادح في النتيجة، كمنهجية استقر عليها اجتهاد المحكمة، وليست قاعدة آلية تضمن نتيجة مسبقة لأي طرف، ما يجعل موقف الدول الثلاث أقوى قضائيًا إذا دعمت مطالبها بالأسانيد القانونية والخرائط والبيانات الجغرافية.
مصر وحماية الحقوق البحرية
جاء الرفض المصري لتصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا واضحًا وحاسمًا، في بيان أصدرته وزارة الخارجية المصرية، 21 أكتوبر. أكدت القاهرة أن المذكرة الموقعة عام 2019 بين حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج وتركيا «باطلة بطلانًا مطلقًا»، وأن المصادقة الليبية لا تترتب عليها آثار قانونية بالنسبة إلى مصر.
كما شددت على أن الاتفاق يخالف مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 المتعلقة بتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وينطوي، وفق الموقف المصري، على مساس بالحقوق السيادية المصرية في هاتين المنطقتين.
جددت القاهرة رفضها لأي إجراءات أو أنشطة تستند إلى المذكرة وتتعارض مع الحدود البحرية المصرية المعلنة، مؤكدة احتفاظها بحق حماية مصالحها والتصدي لأي محاولة للإخلال بها.
وتكتسب هذه الصياغة أهمية خاصة، لأنها تجمع بين الاعتراض القانوني على الاتفاق، ورفض الاعتراف بأي آثار تمس الحقوق المصرية، وتأكيد احتفاظ الدولة المصرية بحقوقها وفق القانون الدولي، ما يوضح أن المصادقة الصادرة عن مجلس النواب الليبي لن تدفع القاهرة إلى تغيير موقفها المعلن منذ توقيع المذكرة، وإنما ستدفعها إلى متابعة ما قد يترتب عليها من إجراءات عملية.
تتحفظ القاهرة على الاتفاق لأنه يضر بحقوق الاستكشاف والاستغلال في شرق المتوسط، وبضرورة الحفاظ على سلامة الترتيبات البحرية التي تستند إليها الدولة في إدارة مواردها الطبيعية، فالمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري يرتبطان بمصالح اقتصادية استراتيجية، تشمل التنقيب عن الغاز والنفط، وإصدار التراخيص للشركات، وتطوير منشآت الإنتاج، وحماية الحقوق المتصلة بقاع البحر وما تحته.
لا يتوقف الاهتمام المصري عند العائد الاقتصادي المباشر، كون وضوح الحقوق البحرية يساعد على حماية الاستثمارات، ويقلل فرص نشوء خلافات حول التراخيص، ويمنح الشركات العاملة في الطاقة قدرًا أكبر من اليقين بشأن المناطق التي تستطيع العمل فيها، وعندما تظهر مطالبات متعارضة في منطقة بحرية واحدة، فقد تتردد الشركات في اتخاذ قرارات استثمارية جديدة، أو تطلب ضمانات إضافية، أو تؤجل بعض أنشطتها حتى تتضح المواقف القانونية.
لا أقصد أن تصديق البرلمان الليبي سيغيّر تلقائيًا الحدود البحرية المصرية أو أوقف مشروعات قائمة، فذلك تحسمه الإحداثيات التي يشملها النشاط المعني، ومدى تداخلها الفعلي مع المناطق التي تتمسك بها مصر، وفيما تتمسك القاهرة بأن المذكرة تمس حقوقها البحرية، تؤكد أنقرة وطرابلس أن الاتفاق يحمي مصالحهما المشتركة. وبين الموقفين، تظل الأولوية المصرية منع اتخاذ أي إجراءات تستند إلى الاتفاق وتنتقص من الحقوق التي تعلنها الدولة، مع الاحتفاظ بالأدوات الدبلوماسية والقانونية التي تتيح الدفاع عنها.
وقعت مصر واليونان في 6 أغسطس 2020 اتفاقًا لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين في البحر المتوسط، بعد مفاوضات بين الجانبين. جاء الاتفاق في فترة تصاعدت خلالها الخلافات بشأن مذكرة تركيا وليبيا، ليؤكد وجود تفاهم مصري يوناني بشأن تحديد الحقوق البحرية في المنطقة التي يشملها الاتفاق الثنائي، وتكمن أهمية التفاهم في أنه يوفر أساسًا قانونيًا لتنظيم الحقوق المتبادلة بين القاهرة وأثينا، ويساعدهما على حماية مصالحهما الاقتصادية البحرية وفق الحدود المتفق عليها.
الاتفاق المصري اليوناني يمنح البلدين أرضية مشتركة للتشاور بشأن أي تطورات إقليمية قد تمس مصالحهما، خاصة فيما يتصل بالتنقيب عن الغاز، والتعاون في الطاقة، والمشروعات البحرية، ويحتاج التنسيق المصري اليوناني إلى الاستمرار على المستويين السياسي والفني، خاصة تبادل المعلومات بشأن الأنشطة البحرية، والتشاور حول التراخيص الجديدة، وتنسيق المواقف عند تقديم الاحتجاجات الرسمية، ويمكن أن يمتد التعاون إلى قبرص، التي تعترض كذلك على آثار المذكرة، مع ضرورة أن تحتفظ كل دولة بحججها القانونية وحقوقها الخاصة.
أظهرت الاتصالات الدبلوماسية أهمية التنسيق بين القاهرة وأثينا، حيث ناقش وزير الخارجية المصري د.بدر عبد العاطي ونظيره اليوناني، جيورجوس جيرابتريتيس، خلال اتصال هاتفي قبل إعلان الموقف المصري، المذكرة التركية الليبية وانعكاساتها على أمن شرق المتوسط واستقراره، ما يشير إلى أن التعامل مع القرار بدأ من خلال التشاور السياسي، بدلًا من الاقتصار على إصدار بيانات منفصلة.
أبعد من الخلاف على الإحداثيات
ترتبط مصلحة مصر البحرية بمصالح أوسع تشمل أمن الحدود الغربية واستقرار ليبيا، والحفاظ على فرص التعاون الاقتصادي بين البلدين، ومنع اتساع الانقسام الليبي أو انتقال التوترات الإقليمية إلى مناطق جديدة. ولذلك ينبغي التعامل مع الاتفاق من زاويتين متكاملتين: حماية الحقوق البحرية المصرية، والحفاظ على علاقات مستقرة مع الدولة الليبية ومؤسساتها المختلفة.
شهدت العلاقات بين مصر وحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس تقاربًا تدريجيًا لافتًا خلال العام الجاري، تجسّد في لقاء رئيس الحكومة الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة بالرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى جانب زيارة رئيس المخابرات العامة المصرية، الوزير حسن رشاد، إلى طرابلس، ضمن انفتاح يُظهر إدارة القاهرة لعلاقاتها مع جميع الأطراف الليبية، والحفاظ على قنوات تواصل مع بنغازي وطرابلس.
التقارب المصري مع حكومة طرابلس ليس تحولًا في سياسة القاهرة تجاه شرق ليبيا، أو إعادة ترتيب علاقاتها على حساب القوى الفاعلة فيه، فالتعامل المصري مع الأزمة الليبية يرتبط باعتبارات الأمن القومي واستقرار الحدود الغربية، فضلًا عن الحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومنع اتساع دائرة الصراع، لذا تتعامل مصر مع أطراف الأزمة الليبية وفق طبيعة الملفات المطروحة، دون اختزال سياستها في علاقة بطرف واحد.
لا يمكن فصل الاتصالات المصرية مع حكومة طرابلس عن شبكة العلاقات التي تربط القاهرة بمجلس النواب الليبي والقيادة العامة في شرق البلاد بقيادة المشير خليفة حفتر، وهي علاقات تمثل أحد مسارات التواصل المصري مع القوى المؤثرة في المشهد الليبي، وتتيح متابعة التطورات السياسية والأمنية، وتبادل وجهات النظر بشأن القضايا التي تمس البلدين.. ومن ثم، فإن أي تحرك دبلوماسي جديد لا ينبغي تفسيره تلقائيًا باعتباره تراجعًا عن علاقات قائمة أو انحيازًا لطرف على حساب آخر.
هناك من يغذي التساؤلات لدى بعض دوائر شرق ليبيا بشأن طبيعة المرحلة المقبلة في ضوء التحركات بين القاهرة وطرابلس، رغم أن القنوات السياسية مفتوحة أمام الحوار، بما يجنب تحويل الخلافات القانونية إلى مصدر توتر إضافي داخل ليبيا، خاصة أن العلاقات أوسع من خلاف حول ملف بعينه، وتستند إلى اعتبارات الجغرافيا والأمن والمصالح المشتركة، وبالتالي تظل قراءة التحركات المصرية في إطارها الأشمل أكثر دقة من التعامل معها باعتبارها رسائل موجهة ضد طرف ليبي أو لمصلحة طرف آخر.
الاتحاد الأوروبي وإسرائيل وإيطاليا
وجد الاتحاد الأوروبي وإيطاليا وإسرائيل في تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا مناسبة لتجديد اعتراضاتها على الاتفاق الموقع عام 2019. تنبع أهمية هذه المواقف من تداخل المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية في منطقة شرق المتوسط، حيث تتنافس الدول على حقوق استغلال الموارد البحرية، وتسعى إلى تأمين مشروعات الطاقة والاتصالات، وتعمل على حماية مواقعها في منطقة تتصل مصالحها فيها بأوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط.
اتخذت ردود الفعل أشكالًا مختلفة، بعدما أعلنت مؤسسات الاتحاد الأوروبي دعمها لليونان وقبرص، فيما أدانت إسرائيل القرار الليبي. أما إيطاليا، فتواجه اعتبارات تجمع بين علاقاتها الأوروبية ومصالحها الاقتصادية في ليبيا وحرصها على استمرار التعاون مع الأطراف المعنية بالمتوسط، مما يكشف اختلاف الأدوات المستخدمة، ويؤكد أن الدول لا تتعامل مع المذكرة من زاوية واحدة، حتى عندما تتقاطع مواقفها الرافضة لآثارها.
أعلن رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في بيان مشترك قبل ساعات، أسفهما لموافقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية، ورفض الاتحاد للاتفاق، استنادًا إلى ما يراه من مساس بحقوق دول ثالثة وعدم توافق مع القانون الدولي، كما جددا التضامن الأوروبي مع اليونان وقبرص.
يحمل الموقف الأوروبي دلالتين. الأولى أن بروكسل ترى في القضية شأنًا له علاقة بحقوق دولتين عضوين في الاتحاد، وليس خلافًا ثنائيًا بين تركيا وليبيا وحدهما، والثانية أن استمرار الخلاف يمكن أن يؤثر في العلاقات الأوروبية التركية، خاصة في ملفات تتطلب تعاونًا بين الطرفين، كالتجارة والطاقة والأمن والهجرة.
البيان السياسي الأوروبي لا يحسم النزاع قانونيًا، فالمجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية يستطيعان تحديد الموقف السياسي للاتحاد والتعبير عن التضامن مع الدول الأعضاء، لكنهما لا يصدران أحكامًا قضائية بشأن ترسيم الحدود البحرية، وتظل معالجة المطالبات المتعارضة مرتبطة بالقانون الدولي والآليات التي يمكن للأطراف اللجوء إليها.
الاتحاد الأوروبي ليس كتلة متطابقة المصالح في جميع القضايا، فاليونان وقبرص تنظران إلى المذكرة من زاوية مباشرة تتعلق بحقوقهما البحرية وأمنهما الإقليمي، بينما تأخذ دول أوروبية أخرى في الاعتبار علاقاتها التجارية مع تركيا، ومصالح شركاتها في ليبيا، والحاجة إلى التعاون في ملفات الهجرة والطاقة والأمن.
لا تتفق الدول الأوروبية على رفض الآثار التي ترى أنها تمس حقوق الأعضاء فحسب، بل تختلف أيضًا بشأن الخطوات العملية التي ينبغي اتخاذها، فهناك فرق بين إصدار بيان تضامن، وفرض تدابير سياسية أو اقتصادية، وتعليق تعاون قائم، وتتحدد فرص كل خيار وفق التطورات اللاحقة ومصالح الدول المعنية، فيما تواجه المؤسسات الأوروبية كذلك مسألة استمرار الانقسام الليبي.
السياسة الأوروبية المعلنة تدعم استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها وإجراء الانتخابات، وترفض التدخلات الخارجية التي ترى أنها تعرقل التسوية، وإذا أدى التقارب بين تركيا وشرق ليبيا إلى توسيع النفوذ الخارجي دون تقدم في توحيد المؤسسات، فقد تتزايد المخاوف الأوروبية بشأن فرص التسوية السياسية، فيما تسعى عواصم أوروبية إلى الاحتفاظ بقنوات الحوار مع أنقرة وطرابلس وبنغازي.
وعليه، قد يجمع الموقف الأوروبي بين رفض المذكرة سياسيًا ومواصلة الاتصالات مع الجهات الليبية والتركية لمنع اتساع الخلاف. وفي هذا السياق، تحتل إيطاليا موقعًا مهمًا في حسابات شرق المتوسط بحكم قربها الجغرافي من ليبيا، وارتباط شركاتها بقطاع الطاقة الليبي، وعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع دول المنطقة، وقد يؤثر أي تصاعد في الخلاف البحري في مصالح روما، حتى إذا لم تكن طرفًا مباشرًا في المذكرة الموقعة بين تركيا وليبيا.
سبق لإيطاليا أن اتخذت موقفًا معترضًا على المذكرة في سياق اتصالاتها مع اليونان عام 2020، مؤكدة ضرورة احترام حقوق الدول الثالثة وقواعد القانون الدولي. ويأتي ذلك فيما تربط روما مصالح اقتصادية واضحة بليبيا، من بينها نشاط شركة «إيني» في قطاع النفط والغاز، واستمرار تدفقات التجارة والطاقة، والتعاون في ملف الهجرة، مع الحفاظ على علاقاتها الأوروبية والتزاماتها تجاه الدول الأعضاء المتضررة من النزاع.
يمثل اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين إيطاليا واليونان أساسًا لتنظيم الحقوق البحرية المتبادلة. وأي تطورات في شرق المتوسط قد تثير اهتمام روما من زاويتين: حماية الاتفاقات البحرية القائمة، ومنع الخلافات الجديدة من التأثير في المشروعات الاقتصادية. وقد تختار إيطاليا دعم الموقف الأوروبي المشترك، مع مواصلة الحوار مع تركيا وليبيا لتقليل فرص المواجهة.
أعلنت إسرائيل إدانتها الشديدة لموافقة مجلس النواب الليبي على المذكرة البحرية، وتأتي هذه الإدانة في ظل علاقات تعاون تربط إسرائيل باليونان وقبرص في مجالات الطاقة والاقتصاد والدفاع، كما أن إسرائيل معنية بالمشروعات التي يمكن أن تربط موارد الطاقة في شرق المتوسط بالأسواق الأوروبية، وبالممرات البحرية التي تعتمد عليها التجارة والاتصالات والبنية الأساسية.
من المرجح أن تواصل إسرائيل التنسيق السياسي مع اليونان وقبرص في الملفات التي تتقاطع فيها مصالح الدول الثلاث، وأن تستخدم اتصالاتها الدبلوماسية للتعبير عن رفضها للمذكرة، علمًا بأن الدول الثلاث ليست متفقة على جميع ملفات المنطقة، فالعلاقات بينها تتضمن مصالح مشتركة، لكنها تخضع أيضًا لحسابات كل دولة واحتياجاتها الأمنية والاقتصادية.
مشروعات الطاقة والكابلات البحرية
تتجاوز آثار الخلاف التصريحات الرسمية، إذ ترتبط بمشروعات بحرية تحتاج إلى موافقات وأعمال مسح ودراسات فنية قبل البدء في التنفيذ. ومن أهم الأمثلة مشروع «الموصل البحري الكبير» للكهرباء، المعروف باسم «Great Sea Interconnector»، الذي يستهدف ربط الشبكات الكهربائية بين اليونان وقبرص ثم إسرائيل بواسطة كابل بحري. ويحتاج المشروع إلى دراسات لقاع البحر وتحديد دقيق لمناطق العمل، إلى جانب إجراءات تمويل وتنفيذ طويلة الأجل.
تبذل اليونان جهودًا كبيرة لاستئناف مسوحات قاع البحر اللازمة للمشروع، في ظل خلافات تتعلق بالمناطق البحرية التي تعتبر تركيا أنها مشمولة بمذكرتها مع ليبيا. ورغم أن الاتفاق لم يوقف المشروع رسميًا، فإنه يوضح كيف يمكن للخلافات بشأن الحقوق البحرية أن تؤثر في توقيت الأعمال وتزيد الحاجة إلى ضمانات قانونية.
تواجه مشروعات الكابلات البحرية تحديات تتصل بتحديد مواقعها، وحمايتها من الأضرار، والحصول على موافقات الدول المعنية. وإذا تداخلت المطالبات البحرية، فقد تضطر الجهات المنفذة إلى التفاوض أو تعديل بعض ترتيبات التنفيذ، وقد ترتفع تكاليف التمويل والتأمين نتيجة عدم اليقين القانوني.
ينطبق الأمر أيضًا على مشروعات التنقيب عن النفط والغاز. فالشركات تحتاج إلى معرفة الجهة التي تمنح الترخيص، ومدى سلامة الحقوق التي تستند إليها، والمخاطر المحتملة إذا اعترضت دولة أخرى على منطقة العمل. وإذا بقي الخلاف قائمًا، فقد تؤجل الشركات بعض الاستثمارات أو تتجنب مواقع محددة حتى تتضح المواقف القانونية.
لكن من الضروري عدم المبالغة في تقدير الأثر. فالمذكرة الليبية التركية لا توقف تلقائيًا الملاحة التجارية، ولا تمنح تركيا حق منع جميع الأنشطة البحرية في شرق المتوسط. كما أن المنطقة الاقتصادية الخالصة لا تخضع للسيادة المطلقة التي تخضع لها المياه الإقليمية، لذلك يتركز الخطر الأقرب على تراخيص الاستكشاف والمسح والأعمال الاقتصادية التي تتداخل فيها المطالبات، مع احتمال نشوء احتكاكات إذا نفذت أطراف متنافسة أنشطة في المنطقة نفسها.
إذن، تشير المواقف اليونانية والأوروبية والإسرائيلية إلى تقاطع واضح في الاعتراض على قرار مجلس النواب الليبي بخصوص المذكرة التركية. ومن الوارد استمرار التشاور بين هذه الأطراف خلال الفترة المقبلة، عبر تبادل المعلومات وتنسيق الاعتراضات الرسمية ومناقشة الخيارات القانونية المتاحة، خاصة إذا بدأت أنشطة بحرية تستند إلى المذكرة، غير أن حجم التحرك سيعتمد على التطورات الفعلية، وعلى استعداد كل دولة لتحمل آثار أي تدابير إضافية في علاقاتها مع تركيا.
مستقبل المذكرة التركية- الليبية
لا تتوقف دلالات اعتماد مجلس النواب الليبي مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا عند التصديق فقط، بل تمتد إلى ما قد يعقبه من اتفاقات وإجراءات عملية، ومدى انعكاسها على الحقوق البحرية للدول المعنية. ومن المرجح أن تتجه الأطراف إلى اتصالات ثنائية أو اجتماعات فنية إذا ظهرت خلافات بشأن ترخيص جديد أو أعمال مسح في منطقة تتداخل فيها المطالبات البحرية.
ستكون هذه الاتصالات وسيلة لحماية المصالح والحد من مخاطر الاحتكاك، لكن احتواء الخلاف لا يعني الوصول إلى تسوية نهائية، وتكمن أهمية هذا الاحتمال في أنه يتيح للدول الاحتفاظ بمواقفها من دون تحمّل كلفة صراع مفتوح.
ربما يمتد التقارب بين أنقرة وشرق ليبيا إلى اتفاقات جديدة تشمل الاقتصاد والطاقة والتجارة والتدريب والتعاون الأمني، بعد إلغاء قرار قطع العلاقات السياسية والقرار الرافض للمذكرتين. وستكون العقود الجديدة والزيارات الرسمية مؤشرات مهمة على مدى توسّع التعاون بصورة معلنة.
من الممكن أن يستمر الجدل دون نتائج مباشرة إلى أن تبدأ تركيا أو ليبيا، أو شركات تعمل لحسابهما، أنشطة مسح أو استكشاف في منطقة تعترض عليها دول أخرى. وعندئذٍ، سيتحدد الخلاف حول موقع مشروع بعينه، أو ترخيص صادر عن جهة رسمية، أو حقوق استغلال الموارد في منطقة بحرية تتداخل بشأنها المطالبات.
توثيق المواقف القانونية (إيداع الاعتراضات الرسمية، الاحتفاظ بالوثائق والإحداثيات، تحديث الدراسات البحرية)، تساعد على إثبات مواقف الدول عند ظهور خلافات بشأن ترخيص أو نشاط محدد، كما يجب متابعة أي إعلان عن أعمال مسح أو تنقيب في المناطق التي تتعارض عليها المطالبات، وفحص موقع النشاط قبل تحديد الإجراء المناسب.
تكتسب هذه المسألة أهمية لأن مشروعات الطاقة والكابلات البحرية تتطلب دراسات ميدانية وموافقات رسمية وضمانات قانونية، وتحتاج الشركات إلى التأكد من سلامة التراخيص التي تحصل عليها، وتقدير المخاطر المحتملة إذا اعترضت دولة أخرى على موقع العمل، حتى لا يدفع استمرار الخلافات قيام شركات بتأجيل الاستثمار، أو طلب ضمانات إضافية، أو تجنب مواقع معينة.
بالنسبة إلى مصر، تظل متابعة التراخيص والأنشطة البحرية الفعلية ذات أهمية خاصة، فحماية الحقوق المصرية في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري تتطلب التحقق من طبيعة كل نشاط وموقعه وأساسه القانوني، وتقييم أي تعارض محتمل مع المطالبات المصرية، كما تقتضي التنسيق مع الدول المعنية، مع عدم الخلط بين الاعتراض السياسي على مذكرة وبين ثبوت أثر قانوني أو ميداني محدد لها.
تظل المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري من الملفات التي تستدعي متابعة دقيقة، بما يشمل مواقع الأنشطة البحرية والإحداثيات والتراخيص وأسسها القانونية، وعند ظهور تعارض محتمل مع المطالبات المصرية، لابد من التنسيق مع الشركاء المعنيين، لاسيما اليونان وقبرص، إلى جانب التواصل مع المؤسسات الليبية والأطراف الأوروبية المعنية.
لا يتحدد مستقبل المذكرة بالعلاقات مع تركيا فقط، بل يتأثر أيضًا بقدرة الليبيين على التوافق بشأن المؤسسات والانتخابات وتوزيع الصلاحيات، فقد تعتمد المؤسسات الليبية اتفاقات خارجية في ملفات محددة، لكن استمرار الانقسام قد يجعل تنفيذها مرتبطًا بموازين القوى القائمة، ويثير خلافات عند تغير الحكومات أو القيادات.
التطورات السياسية الداخلية تحظى بأهمية خاصة، بعدما أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في أغسطس، التوصل إلى اتفاق ضمن اجتماعات سياسية مصغرة بشأن عدد من الخطوات اللازمة للانتخابات، شملت تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة قضايا عالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية. كما تضمن الاتفاق العمل على إجراء الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرًا.
لكن المبعوثة الأممية، هانا تيتهيه، أوضحت في إحاطتها أمام مجلس الأمن، يوم 14 أكتوبر الجاري، أن مجلس النواب أيد الاتفاق، بينما رفض المجلس الأعلى للدولة، في 5 أكتوبر، مخرجاته والقوانين والقرارات المرتبطة به، معترضًا على طريقة اعتماد بعض الترتيبات المؤسسية. ويؤكد هذا الخلاف استمرار الحاجة إلى توافق أوسع بشأن قواعد الانتخابات وصلاحيات المؤسسات المعنية.
يؤثر هذا الوضع في التعامل مع الاتفاقات الخارجية، ومنها المذكرة البحرية، فإذا تقدمت الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات وتحديد صلاحياتها، فقد تصبح إدارة الملفات الدولية أكثر انتظامًا، وتزداد فرص إخضاع الاتفاقات لمناقشة مؤسسية أوسع. أما استمرار الخلاف بين السلطات، فقد يتيح لكل معسكر البحث عن دعم خارجي يعزز موقعه في المنافسة السياسية.
مصر تعامل مع التطورات من منطلق واضح يجمع بين صون الحقوق البحرية، حماية الأمن القومي، الحفاظ على استقرار الحدود الغربية، إلى جانب مواصلة التواصل مع مختلف القوى والمؤسسات الليبية. وهذه الأهداف لا تتعارض مع متابعة فرص التعاون الاقتصادي أو دعم التسوية السياسية في ليبيا، بل تتطلب تقييم كل تطور وفق أثره الفعلي في المصالح المصرية.
أساس واضح للتحرك
قرار مجلس النواب الليبي عزز مكانة مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا لعام 2019 داخل ليبيا، لكنه لم يحسم النزاع البحري دوليًا، ولم يُنهِ اعتراضات مصر واليونان وقبرص، وسيظل الأثر الفعلي للمذكرة مرتبطًا بما قد يعقب التصديق من إجراءات عملية، وطبيعة الأنشطة البحرية التي قد تستند إليها، ومدى توافقها مع حقوق الدول الأخرى.
يقدم البيان المصري الصادر عن وزارة الخارجية أساسًا واضحًا للتحرك اللاحق، بتأكيد رفض المذكرة والتمسك بالحقوق المعلنة والاحتفاظ بحق حماية المصالح المصرية، ويمكن للقاهرة البناء على هذا الموقف عبر مواصلة التواصل مع المؤسسات الليبية، وتوضيح اعتراضها، ومتابعة أي أنشطة بحرية قد تستند إلى الاتفاق، مع توثيق ما قد ينشأ عنها من آثار قانونية أو ميدانية.
تفصل مصر بين اعتراضها على المذكرة والتعامل مع ليبيا دولةً ومجتمعًا ومؤسسات، فرفض القاهرة للاتفاق لا يعني رفض حق ليبيا في إقامة علاقات اقتصادية أو سياسية مع تركيا، وإنما الاعتراض على أي ترتيبات ترى مصر أنها تمس حقوقها البحرية، ويساعد وضوح هذا التمييز في الاتصالات الرسمية على احتواء الخلاف، والحيلولة دون امتداده إلى ملفات أخرى.
تتوقف الخطوة التالية على طبيعة التنفيذ المحتمل للمذكرة، فإذا اتجه الطرفان الليبي والتركي إلى استغلال الموارد في مناطق تتعارض بشأنها المطالبات البحرية، فقد تواجه الشركات اعتراضات رسمية ومخاطر قانونية تؤثر في الحصول على التمويل والتأمين والتراخيص اللازمة، بما قد يدفعها إلى تأجيل المشروعات حتى تتضح الحقوق المتعارضة أو تُعقد تفاهمات بشأنها.
تظهر أهمية هذه المخاطر في مشروعات الطاقة والكابلات البحرية، التي تتطلب دراسات لقاع البحر، وموافقات على أعمال المسح، وضمانات تتعلق مناطق التنفيذ، وقد يؤدي النزاع على الحقوق البحرية إلى تأخير المشروعات وزيادة تكلفتها، حتى دون وقوع مواجهة عسكرية، لذلك، يتعين تقييم كل حالة وفق موقع النشاط والإجراءات المتخذة وطبيعة الحقوق المتعارضة.
من مصلحة الدول المعنية منع انتقال الخلاف من المذكرات الدبلوماسية إلى الاحتكاكات الميدانية، خاصة أن لها مصالح اقتصادية واسعة في شرق المتوسط تشمل تجارة الطاقة والاستثمارات والملاحة والمشروعات المشتركة، ويمكن الحد من المخاطر عبر الاتفاق على آليات للإخطار والتشاور قبل تنفيذ الأنشطة المحتمل تعارضها مع المطالبات البحرية.
يحتاج هذا النهج إلى وضوح الرسائل المصرية: حماية الحقوق البحرية ثابتة، لكن أدوات التحرك تتحدد وفق طبيعة كل تطور ومدى تأثيره الفعلي في المصالح المصرية، وتظل الإجراءات الدبلوماسية والقانونية، التنسيق مع الشركاء، ومواصلة الحوار مع الأطراف الليبية والتركية، أدوات أساسية لمعالجة الخلاف، مع تقييم أي تطورات جديدة وفق القواعد الدولية وما قد تستدعيه من استجابة.
تصديق مجلس النواب الليبي يمثّل تحديًا جديدًا، لكنه لا يعني زوال الحقوق التي تتمسك بها الأطراف الأخرى، أو حدوث تغيير تلقائي في الحدود البحرية، حيث تتمثل الأولوية في متابعة أي خطوات تنفيذية للمذكرة، وتوثيق الاعتراضات، وتعزيز التنسيق مع الشركاء، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، دفاعًا عن المصالح البحرية، والحفاظ على استقرار علاقات ليبيا، فضلًا عن الحد من احتمالات امتداد الخلاف إلى ملفات أمنية واقتصادية أخرى.
اقرأ أيضاً
«نسور الحضارة 2026».. كيف توسّع القوات الجوية المصرية خبرتها القتالية بتعاون صيني؟«إحاطة استراتيجية» في الندوة التثقيفية للقوات المسلحةأسئلة مهمة لمشغلي «متصدقش»






0 تعليق