"الثقافة للجميع"... نحو فضاءات ثقافية أكثر شمولاً وإنصافاً - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"الثقافة للجميع"... نحو فضاءات ثقافية أكثر شمولاً وإنصافاً - تواصل نيوز, اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026 01:06 مساءً

دانا (رنا) نصر -الشريكة المؤسسة لمؤسسة "عشتار" للتنمية الثقافية الدامجة (ISHTAR)

 

أصبح مبدأ "الثقافة للجميع" معترفاً به عالمياً، انطلاقاً من ضرورة تعزيز الدمج في السياحة الثقافية. ولضمان تكافؤ الفرص بين جميع الأفراد، أياً كانت قدراتهم، ينبغي للمواقع الثقافية والمتاحف اعتماد استراتيجيات دامجة تتيح للجميع الوصول إليها والاستفادة من محتواها.
وفي لبنان، يشمل ذلك المواقع الأثرية والتاريخية، مثل جبيل وبعلبك وصور وبيت الدين وغيرها، إضافة إلى المتاحف اللبنانية، ومنها متحف بيروت الوطني.

 

أبعد من المنحدرات والمصاعد

إن توفير تجربة ثقافية غنية وذات معنى يتجاوز مسألة تسهيل الوصول المادي إلى المواقع. فعلى الرغم من أهمية المصاعد والمساحات المهيأة لاستقبال الجميع، يتطلّب الدمج الثقافي الحقيقي إتاحة المحتوى والمعلومات في المواقع الثقافية لجميع الزوار، بصرف النظر عن قدراتهم.

 

مشاركة إحدى الطالبات في تجربة حسّية للتعرّف إلى الآثار داخل متحف بيروت الوطني. (Red Oak)

مشاركة إحدى الطالبات في تجربة حسّية للتعرّف إلى الآثار داخل متحف بيروت الوطني. (Red Oak)

 

من أبرز التحديات التي تواجه إمكانية الوصول إلى الثقافة، تمكين الأشخاص المعوقين من التفاعل مع المحتوى الثقافي، سواء تعلّق الأمر بالمواقع الأثرية، أو القطع الفنية والأثرية، أو المنحوتات، أو الأفلام الوثائقية التاريخية، أو التقاليد الشفوية.
ويشمل ذلك توفير المعلومات باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، وبطريقة برايل، وبلغة الإشارة اللبنانية. ومن هنا، تقع على عاتق المؤسسات الثقافية مسؤولية اتخاذ الإجراءات اللازمة لإزالة العوائق التي تحول دون هذا التفاعل.

 

حماية التراث وإتاحته للجميع

تطرح المواقع التاريخية تحديات خاصة، إذ إنّ العديد منها شُيّد أصلاً وفق تصاميم تفرض قيوداً على الوصول والحركة. ويعرف لبنان، الغني بآثاره القديمة ومبانيه التاريخية، هذه التحديات جيداً.
ومع ذلك، فإن تحسين إمكانية الوصول إلى المواقع التاريخية ليس مستحيلاً، إنما يتطلّب استراتيجيات إدارة مبتكرة، والاستفادة من التقنيات الحديثة، أو الجمع بينهما.

 

ويبقى تحقيق التوازن بين الحفاظ على التراث وإتاحته للجميع عاملاً أساسياً لضمان صون المباني التاريخية، مع فتح أبوابها أمام جمهور متنوّع.

 

طلاب يكتشفون التراث عبر اللمس خلال زيارة حسّية إلى متحف بيروت الوطني. (Red Oak)

طلاب يكتشفون التراث عبر اللمس خلال زيارة حسّية إلى متحف بيروت الوطني. (Red Oak)

 

العنصر البشري أساس التجربة

يشكّل تدريب العاملين في المواقع الثقافية والتواصل المباشر مع الأشخاص المعوقين ركيزتين أساسيتين لتجاوز العوائق التي تحول دون الوصول والمشاركة.
فحتى عندما تكون التعديلات الهندسية والمعمارية غير كافية، يستطيع العنصر البشري المساهمة في سدّ الثغرات.

 

ومن خلال تزويد العاملين في المؤسسات الثقافية بالمهارات اللازمة، وتعزيز التفاعل الإيجابي بينهم وبين الأشخاص المعوقين، يمكن لهذه المؤسسات أن تخلق بيئة تصبح فيها إمكانية الوصول والدمج واقعاً ملموساً، لا مجرد أهداف معلنة.

 

"لا شيء يخصّنا من دون مشاركتنا"

لا يقتصر الدمج الثقافي على البنية التحتية، إذ يرتبط في جوهره ببناء العلاقات الإنسانية وفتح قنوات الحوار مع فئات الجمهور المختلفة.
ويشكّل شعار "لا شيء يخصّنا من دون مشاركتنا" مبدأً توجيهياً أساسياً في مجتمعات الأشخاص المعوقين والحركات المدافعة عن حقوقهم.

 

ولتحقيق دمج ثقافي فعّال، ينبغي للمؤسسات الثقافية إشراك الأشخاص المعوقين بصورة مباشرة، والإصغاء إلى هواجسهم، والأخذ بوجهات نظرهم.
فالمطلوب ألا تعمل المواقع الثقافية من أجل الأشخاص المعوقين فحسب، وإنما أن تعمل معهم، وأن تدمج آراءهم وتجاربهم في عمليات التخطيط وتطوير التجارب الثقافية الدامجة.

 

طريقة برايل تفتح آفاقاً جديدة أمام الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية لاستكشاف التراث. (الأناضول)

طريقة برايل تفتح آفاقاً جديدة أمام الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية لاستكشاف التراث. (الأناضول)

 

من زوّار إلى شركاء في صناعة الثقافة

إن توسيع قاعدة الجمهور لتشمل الأشخاص المعوقين لا يكفي وحده لتحقيق الدمج، إذ تبقى المشاركة الفعلية والتفاعل الكامل عنصرين أساسيين في هذه العملية.
وعليه، ينبغي للمواقع الثقافية أن تنظر إلى الأشخاص المعوقين باعتبارهم مساهمين في العمل الثقافي، لا زواراً فقط، وأن تتيح لهم المشاركة في تنسيق المعارض والاضطلاع بأدوار في صناعة القرار.
ولتحقيق ذلك، تحتاج المؤسسات الثقافية إلى التعاون مع المنظمات اللبنانية الممثّلة للأشخاص المعوقين، بهدف تحديد العوائق القائمة وتحليلها، سواء كانت مادية أو تواصلية أو حسّية أو اجتماعية، والعمل بصورة منهجية على إزالتها.
ومن خلال هذه المبادرات، يصبح في الإمكان توفير تجارب ثقافية دامجة تترك أثراً إيجابياً لا يُنسى لدى جميع الزوار.

 

هل إتاحة الوصول مكلفة؟ بين الاعتقاد والواقع

من أكثر الأفكار الخاطئة شيوعاً حول إمكانية الوصول الاعتقاد بأن تكلفتها مرتفعة للغاية.
في الواقع، ثمة حلول عديدة ميسورة التكلفة وسهلة التنفيذ، حتى في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة في لبنان، من بينها تصميم ممرات واسعة وخالية من العوائق، وتوفير الشروحات الصوتية، وإضافة الترجمة النصية إلى الأفلام الوثائقية.

 

أما بالنسبة إلى المواقع الثقافية الجديدة، فإن إدراج متطلبات إمكانية الوصول منذ المراحل الأولى للتخطيط يشكّل خياراً بالغ الأهمية، إذ يحدّ من الحاجة إلى تعديلات مكلفة في المستقبل.
مسؤولية مشتركة بين القطاعين العام والخاص

 

يتطلّب النهج الحديث في إدارة المواقع الثقافية، الذي يضع الزائر في صلب اهتماماته، اعتماد استراتيجية تنسيقية تجمع القطاعين العام والخاص، بما في ذلك وزارتا الثقافة والسياحة، إلى جانب المنظمات الممثّلة للأشخاص المعوقين والمنظمات غير الحكومية.
ويمكن للتعاون بين هذه الجهات أن يسهم بصورة ملموسة في تحسين إمكانية الوصول إلى المواقع الثقافية، وتعزيز مبادئ الإنصاف والعدالة، بما يضمن لجميع الزوار، بمن فيهم الأشخاص المعوقين، تجربة ثقافية غنية ومتكاملة.

 

الثقافة للجميع... نحو فضاءات فنية تتيح المشاركة على اختلاف القدرات. (Elizabeth Leitzell)

الثقافة للجميع... نحو فضاءات فنية تتيح المشاركة على اختلاف القدرات. (Elizabeth Leitzell)

 

مسؤولية أخلاقية تعود بالفائدة على الجميع

تتحمّل المواقع الثقافية والمتاحف مسؤولية أخلاقية ومهنية في ضمان تجارب إيجابية ودامجة للأشخاص المعوقين.
وفي لبنان، حيث يكرّس القانون رقم 2000/220 حقوق الأشخاص المعوقين، وحيث صادق البلد على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص المعوقين، يكمن التحدي الأساسي في ترجمة هذه الحقوق إلى ممارسات فعلية.

 

ويتطلّب تحقيق هذا الهدف اعتماد مقاربة شاملة تراعي جميع مراحل تجربة الزائر، بدءاً من التحضيرات التي تسبق الزيارة، مروراً بالتواصل الأول مع العاملين في الموقع، وسهولة التنقّل داخله، والوصول إلى المعلومات، وصولاً إلى ضمان الراحة طوال فترة الزيارة.
ويشكّل اعتماد سياسات داخلية دامجة، وتوفير معلومات واضحة عن إمكانية الوصول عبر المواقع الإلكترونية والكتيّبات التعريفية، وإتاحة المجموعات والمحتويات التفسيرية بأساليب تلائم الأفراد على اختلاف قدراتهم، إطاراً يعود بالفائدة على الجميع.
فهذا النهج لا يعزّز رضا الزوار فحسب، وإنما يوسّع أيضاً نطاق تواصل المؤسسة الثقافية مع جمهورها، ويعزّز حضورها وأهميتها في المجتمع.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق