العناية الفائقة" الإهمال - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
العناية الفائقة" الإهمال - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026 09:51 صباحاً

جوسلين مراد

 

 

تحت لافتة مطمئنة تحمل عبارة "غرفة العناية الفائقة"، تجري خلف الأبواب المغلقة مأساة من نوع آخر؛ مأساة لا علاقة لها بطبيعة المرض، بل بمرض أشد فتكاً، هو غيبوبة الضمير الإنساني حيث الأجهزة الباردة مجرد شهود صامتة على اغتيال الأرواح.
في هذا النص، أكتب بمرارة، وعن تجربة شخصية، كيف تحوّلت غرفة العناية إلى قسوة مفرطة سلبتني أبي. لم يكن الموت هناك قدراً طبيعياً ينتظر دوره، بل غدراً بعد أن أصبحت أدوات الطبابة وسائل تعذيب تسلب معها أنفاس أب صابر. هكذا رحلتَ يا أبي كشجرة مباركة عاتية اقتلعتها عواصف الغدر من جذورها، ولم يتركوا لك فرصة لوداع الشمس. لقد عذبوك حتى خبا نورك، وتركونا في عتمة الليل نرقب أثراً لدفئك الراحل.
في ذلك اليوم، تآمر برد الشتاء مع قلوبهم القاسية، وشرعوا نوافذ الغرفة ليتسلّل الصقيع إلى جسدك المتعب. تركوا الرياح العاتية تنهش ما تبقى من عافيتك، وتمنوا للطبيعة أن تكون شريكة في جرمهم لتعجيل رحيلك. في تلك العناية التي خلت من أي رحمة، كانت النسمات الباردة تتحول إلى سكاكين تجمد الدماء في عروقك الطاهرة. ربطوك بشدة، فحبسوا أنفاس الطهر في أطرافك. رأينا يديك الحانيتين قد انتفختا من قسوة القيود. لم يكتفوا بصقيع النوافذ، بل زرعوا في جسدك الطاهر أنبوباً غريباً عبر أنفك، محولين مجرى الحياة الطبيعي إلى درب من العذاب والمهانة. حظروا عنك الطعام الذي كنت تتناوله بهناء، واختاروا لك طريقاً جافاً يخدم عجزهم وضيق وقتهم.
وفي آخر يوم لك في ذلك المكان الموحش، عندما جفّ ذلك المصدر المصنوع، تركوك بلا قوت ولا زاد. لم تكن جدران العناية وحدها الباردة، بل تلوّثت معها ضمائر من أقسموا على صون الحياة. قال الطبيب المشرف ببرود يضاهي صقيع تلك النوافذ: "إن أخرجتموه سيموت". حبس أسرارك أبي خلف جدار صمته، وظن أنه بسلطانه الواهن يملك أنفاسك الطبيعية التي خنقها أنبوب العذاب وقيود يديك المنتفختين.
لقد رحلت يا أبي مكرهاً بين أيديهم، لكن روحك الطاهرة تحرّرت من أسرهم، وطارت كالصقر نحو سماء العدالة الإلهية، حيث لا غدر، ولا صمت متواطئ، ولا برود طبيب يباع ويشترى. وحين واجهناه ببقايا الأمل، بعد أن شهدنا فصول العذاب في جسدك، لم نجد منه سوى منطق التهديد.
لقد أدركنا حينها الحقيقة المرة: أنهم مسلوبو الرحمة؛ فليس عندهم القدرة على الشفاء، ولكن عندهم القدرة الكاملة على التعذيب وأن يتحول الأب، بكل وقاره وقيمته، إلى مجرد سلعة في حسابات أرباحهم، وأن تُسلب حريته وعافيته لأجل حفنة من المال بينما كان دواؤه بسيطاً في متناول اليد.
لم يكن أبي بحاجة إلى تلك الغرفة الموحشة المسماة بالعناية الفائقة، ولم يكن جسده المتعب يطلب سوى وصفة دواء بسيطة نعود بها إلى دفء بيتنا، لكنهم فضلوا أن يبيعوا ويشتروا أنفاسه الطاهرة. احتجزوه هناك خلف الجدران الباردة، لا بدافع الشفاء، بل طمعاً في أرباح مادية دنيئة، محوّلين محراب الطب إلى سوق للاتجار بأوجاع البشر.
رحلتَ يا أبي، ولم يكن رحيلك خطفاً عادياً للموت، بل كان تعذيباً سطرته قسوة البشر. أيا طهر الأرض الذي داسه الظلم، احمل معك قهراً لا يطفئه إلا يقيني بأن السماء مطّلعة على كل أنين كتمته، وعلى كل وجع عانيته.
أبي الطاهر.. يا وجع قلبي الذي لا ينتهي. عذبوك حتى فاضت روحك النظيفة إلى بارئها. عذبوك باسم الطب، وأطالوا أنينك من أجل حفنة مال. باعوا ضمائرهم واشتروا بآلامك دنياهم. رحمك الله يا سنداً عشنا في ظله، وانكسرنا بعد غيابه. يؤلمني قلبي كلما تذكرت أنك كنت في أيدٍ لا ترحم، كلما تذكّرت طهرك وقسوة ما فعلوه بك.
سامحنا يا أبي إن كنا قد ائتمنّا عليك من لم يصن الأمانة، وعزاؤنا أن الله كان يرى ويسمع.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق