نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إيزيس تُكرم إيزيس النقد المسرحي - تواصل نيوز, اليوم الخميس 24 سبتمبر 2026 11:38 صباحاً
ليس كل من كتب عن المسرح ترك أثرا فيه، وليس كل من وقف طويلا أمام الخشبة استطاع أن يرى ما اختبأ خلف ستائرها.. هناك من يقرأ العرض وينتهي عند انطفاء الأنوار، وهناك من يظل يبحث في العتمة عما لم نره، وفي الهامش عما لم نقرأه، وفي الذاكرة عما كاد أن يسقط منها.
من هنا تأتي قيمة تكريم الأستاذة الدكتورة سامية حبيب، الناقدة والأكاديمية، في حفل افتتاح الدورة الرابعة من مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة، الذي تنطلق فعالياته غدا الجمعة 25 سبتمبر، لتكون واحدة من النساء اللاتي يحتفي بهن المهرجان تقديرا لعطائهن في المسرح والنقد والبحث الأكاديمي.
فعندما نضع اسم سامية حبيب في قلب مهرجان يحمل اسم "إيزيس"، لا يبدو الأمر مجرد مصادفة جميلة بين اسم امرأة أسطورية مصرية محفورة بذاكرتنا ومشروع ناقدة اهتمت بالمرأة، وإنما يبدو كأن المسرح يستعيد جزءا من حكايته التي كُتبت، ومازال العطاء مستمر.
سامية حبيب، أستاذة وناقدة وباحثة في مجال المسرح والنقد، ارتبط اسمها بأكاديمية الفنون والمعهد العالي للنقد الفني، وشغلت رئاسة قسم النقد الأدبي بالمعهد، كما امتد حضورها الأكاديمي إلى جامعة بنها.. وحصلت عام 2014 على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية عن مجمل أعمالها، وبخاصة كتابها "قيم الانتماء في الثقافة المصرية"..
وقدمت للمكتبة النقدية عددا من المؤلفات القيمة، من بينها "الدراما الشعرية"، و"مسرح المرأة في مصر"، و"مي زيادة كاتبة مسرح"، و"قراءات في الدراما"، و"دلالات المقاومة في مسرح عبد الرحمن الشرقاوي".. لكن الكتب، وحدها، لا تقول كل شيء.. ربما تكمن الأهمية في مشروعها الذي بدأ بسؤال عن المرأة في المسرح، وانتهى إلى سؤال أكبر عن ذاكرة المسرح نفسها.
ففي دراستها الأكاديمية حول صورة المجتمع في مسرح الكاتبات المصريات، لم تتوقف سامية حبيب عند الأعمال المعروفة فقط، وإنما فتحت بابا جديدا للبحث عن أصوات نسائية لم تحظَ بما يكفي من الحضور في سردية المسرح المصري، وذهبت إلى الوثائق والمكتبات والمصادر القديمة، لتبحث عن أسماء وتجارب كادت أن تصبح مجرد ظلال بعيدة في تاريخ الفن.
وهكذا حضرت في مشروعها أسماء مثل جاذبية صدقي وصوفي عبد الله وفوزية مهران، كما توقفت عند التجربة المسرحية لمي زيادة، لا لكونها أديبة شهيرة فحسب، وإنما باعتبارها صاحبة تجربة تستحق أن تُقرأ مسرحيا ونقديا.
ثم جاءت الخطوة الأكثر دلالة من خلال كتابها "نصوص مجهولة من مسرح المرأة"، الذي أعادت من خلاله إلى الضوء نصين مسرحيين لم يسبق نشرهما، هما "كسبنا البريمو" لصوفي عبد الله و"سكان العمارة" لجاذبية صدقي، بعد العثور عليهما في رحلة بحث طويلة داخل الوثائق المتعلقة بتاريخ المسرح المصري..
هنا تحديدا تتغير دلالة التكريم.. فسامية حبيب لم تكتفِ بأن تقول إن للمرأة مكانا في تاريخ المسرح، لقد بحثت عن آثار هذا المكان وأنارته، ولم تكتفِ بالاحتفاء بالأسماء المعروفة، وإنما فتشت عن المجهول والمنسي منها، وكأن مهمتها النقدية لم تكن فقط أن تفسر ما وصل إلينا، بل أن تطرح السؤال ماذا لم يصل إلينا ؟ ومن الذي غاب عنا؟
وهذا هو الجانب الذي يجعل حضورها في مهرجان إيزيس أكثر من مجرد تكريم لناقدة وأستاذة أكاديمية، فإيزيس وهي المرأة التي اختارتها الأسطورة رمزا للحياة والتجديد واستعادة ما تشتت، يبدو اسمها مناسبا بصورة لافتة لمهرجان يحاول أن يمنح مسرح المرأة مساحة أوسع في الحاضر، بينما تأتي سامية حبيب من جهة أخرى تحمل مشروعا استعاد بعض ما تشتت من حضور المرأة في ماضي المسرح..فالمهرجان يستعيد المرأة إلى خشبة اليوم، وسامية حبيب قضت سنوات تستعيد نساءً من ذاكرة الأمس.
ولم يكن مشروعها محصورا في مسرح المرأة، فقد انشغلت بالدراما الشعرية، والمسرح التجريبي، والمقاومة في المسرح، وقضايا الثقافة والانتماء، وشاركت في كثير لجان التحكيم والحركة النقدية المسرحية، كما ترأست لجنة تحكيم مسابقة المقال النقدي والبحث التطبيقي بالمهرجان القومي للمسرح المصري.
لذلك فإن تكريمها في افتتاح إيزيس لا يحتفي فقط بمسيرة أستاذة صنعت أجيالا من الباحثين والنقاد، ولا بمؤلفات أضافت إلى المكتبة المسرحية، وإنما يحتفي بفكرته الأعمق، وهى أن النقد يمكن أن يكون فعل إنقاذ لتراثنا وهويتنا.. إنقاذ نص من النسيان، واسم من الغياب، وتجربة من أن تتحول إلى هامش، وذاكرة كاملة من أن تُكتب بصوت واحد.
وفي المسرح، حيث كل شيء قابل لأن ينتهي بانطفاء الضوء،وإنسدال الستار، ربما تكون مهمة الناقد الحقيقية أن يترك ضوءا آخر لا ينطفئ..ضوءا على ما رأيناه، وعلى ما لم نره، ويترك مساحة لكشف جوانب آخرى لم تكتشف بعد.
وهكذا تأتي سامية حبيب إلى مهرجان إيزيس لا باعتبارها امرأة تكرّمها خشبة المسرح فحسب، بل باعتبارها ناقدة واستاذة أمضت سنوات وهي تعيد إلى المسرح بعضا ممن غابوا عنه، وتكشف الستار لتنير وتثري الحركة المسرحية.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله ويقوله المسرح لها في هذه الليلة: شكرا لأنكِ لم تكتفي بقراءة الذاكرة فقط.. بل بحثتِ عمّن سقطوا منها.. شكرا لإخلاصك في تأدية رسالتك.

















0 تعليق