نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل أصبح وقتنا حقًّا للآخرين؟ - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 25 سبتمبر 2026 10:46 صباحاً
قيس نمر
تصل الرسالة في لحظة غير مناسبة. تقرؤها بين مهمّتين، أو وأنت تستعدّ للخروج، وتقول في نفسك إنك ستجيب حين يتّسع الوقت. لكن القراءة تركت أثرها على الشاشة الأخرى. صار المرسِل يعرف أنك رأيت كلامه، وصار تأخّرك قابلًا للتفسير. قبل أن تكتب الجواب، قد تصلك رسالة أخرى: "شفت رسالتي وما ردّيت".
تبدو العبارة عتاباً صغيراً، وقد تكون كذلك فعلاً. لكنها تحمل افتراضاً يستحقّ التوقّف عنده: ما دمت استطعت أن تقرأ، فقد كان عليك أن تجيب. كأن فتح الرسالة موافقة ضمنية على الدخول في حديث، وكأن الوقت الذي يلي وصولها لم يعد لك وحدك.
لرسائلنا قدرة ثمينة على اختصار المسافات. صوت مألوف يصل من بلد بعيد، وصورة تطمئن أهلاً، وسؤال مقتضب يعيد صديقاً إلى يومنا. ولعائلة لبنانية تتوزّع بين بيروت ومدينة في الخليج وأخرى في كندا، قد يكون الهاتف المكان اليومي الذي تلتقي فيه. غير أن هذا القرب يحتاج إلى تفاهم على حدوده، وإلى إدراك أن اجتماعنا على شاشة واحدة لا يعني أننا نعيش التوقيت نفسه، أو أننا متاحون بالقدر نفسه.
في الزيارة والمكالمة إشارات تساعد على إدراك انشغال الآخر. قد نسمع التعب في صوته، أو نسأل إن كان الوقت مناسباً. أما الرسالة فتصل بصرف النظر عن الظروف، وتستقرّ في الهاتف إلى جانب عشرات الأشياء الأخرى. نعرف أنها وصلت، وربما أنها قُرئت، لكننا لا نعرف الحياة المحيطة بلحظة قراءتها. رغم ذلك، قد نملأ هذا الفراغ بتفسير يخصّنا: لم يجب لأنه لا يهتمّ.
تلك قفزة كبيرة من معلومة صغيرة. ظهور شخص متصلاً لا يخبرنا عمّا يفعله، وعلامة القراءة لا تقيس استعداده للحديث. قد يملك دقيقة للاطلاع على سؤال، ويحتاج إلى وقت أطول للإجابة عنه. وقد تكون الرسالة عزيزة عليه إلى حدّ أنه لا يريد أن يردّ عليها بكلام عابر. كما قد يكون متعباً، أو راغباً في أن يمرّ بعض يومه من دون محادثة.
لكن انتظار الجواب له تجربته أيضاً. من يرسل خبراً شخصياً أو اعتذارا أو محاولة مصالحة قد يجد في الصمت ما يضاعف تردّده. ومن يتكرّر تجاهل رسائله قد يتساءل، بحقّ، عن مكانه في العلاقة؟ لذلك لا تُحلّ المسألة بنصيحة إلى المتلقّي بأن يغلق هاتفه، أو إلى المرسِل بألّا يكون حسّاساً. خلف الشاشة شخصان، لكلّ منهما وقته وحاجته إلى الاعتبار.
ما يعقّد الأمر أننا نتنقّل بين الموقعين بسهولة. نضيق بمن ينتظر منّا ردّاً عاجلاً، ثم نراقب الهاتف حين ننتظر ردّ شخص آخر. نعرف تفاصيل انشغالنا، ونرى من انشغاله الصمت وحده. وحين يتأخّر جوابنا نلتمس لأنفسنا عذراً، وحين يتأخّر جوابه قد نبحث عن معنى.
من هنا تبدأ محاسبة دقيقة: لماذا أجاب في المجموعة ولم يجبني؟ كيف نشر صورة ولم يجد وقتاً للردّ؟ تصبح الحركة على الهاتف سجلاً نراجعه لإثبات الاهتمام أو نفيه. وقد ينتهي الشخص إلى إخفاء ظهوره أو تأجيل فتح الرسائل، كي يحتفظ بمساحة لا يُطالَب بشرحها. يستحقّ التأمّل أن نحتاج أحياناً إلى ألّا يرانا الآخرون حتى نستطيع أن نرتاح من توقّعاتهم.
وتزداد صعوبة الأمر حين تجتمع العلاقات كلّها في جهاز واحد. رسالة من الأم، وطلب من زميل، وتفصيل في مجموعة المدرسة، وصديق يريد أن يتحدّث. لكلّ رسالة سبب مفهوم من جهة صاحبها، لكن أسباب المرسلين تتراكم عند متلقٍّ واحد. ما يبدو لكلّ منهم دقيقة بسيطة قد يستغرق، في مجموع اليوم، وقتاً طويلاً، ويترك شعوراً بأن ثمة جواباً متأخّراً علينا دائماً.
في العمل، لا تتساوى حرية الأطراف في التعامل مع هذا الضغط. يستطيع المدير إرسال فكرة خطرت له مساءً ثم العودة إلى عائلته، فيما ينشغل الموظف بما إذا كان وصولها يعني أن عليه تنفيذها الآن. حتى عبارة "حين يتاح لك الوقت" قد تبقى ملتبسة إذا كانت الممارسة تكافئ المستجيب فوراً، أو تُشعر المتأخّر بأنه أقلّ التزاما.ً
وقد بحث تقرير نشرته المؤسسة الأوروبية لتحسين ظروف المعيشة والعمل "يوروفاوند" عام 2023، استناداً إلى استطلاع موظفين واستبيان لمديري موارد بشرية في أربع دول أوروبية، أسباب الاستجابة لاتصالات العمل خارج الدوام. من بينها الشعور بالمسؤولية، وتوقّع الآخرين الردّ، والخوف من عواقب عدم الاستجابة. تساعد هذه النتائج، في نطاقها الأوروبي، على فهم السؤال المهني: كم يكون قرار الردّ حرّاً حين تدخل فيه علاقة سلطة؟
لهذا لا يكفي أن يُطلب من الموظف إغلاق هاتفه. يحتاج إلى توقّعات واضحة بشأن ما يمكن تأجيله وما يستدعي الاستجابة، وإلى تنظيم لا يجعل حماية وقت الراحة اختباراً لشجاعته. وإلّا بقي رسم الحدود مسؤولية الطرف الأقلّ قدرة على فرضها.
أما في العلاقات الشخصية، فالمطلوب تفاهم أقلّ رسمية وأكثر انتباهاً. يمكن أن نبلغ الآخر بما يحتاج إلى معرفته من دون أن نشرح يومنا كاملاً. وقد يكفي ردّ قصير حين يتوقّف على جوابنا موعد أو قرار. لكن مطالبتنا بمثل هذا الردّ على كل رسالة ستضيف إلى عبء التواصل عبء الاعتذار المستمرّ عن تعذّره.
وثمة صمت لا يصحّ تبريره بالخصوصية. من يترك شخصاً ينتظر جواباً عن التزام مشترك يؤثّر في وقته أيضاً. ومن يتعمّد التأخير للعقاب أو لإثارة القلق يمارس ضغطاً، حتى لو لم يكتب كلمة. حماية المساحة الشخصية تستلزم إدراك ما قد نعطّله في حياة غيرنا حين نمتنع عن الوضوح. والفارق كبير بين رسالة تنتظر حديثاً يمكن تأجيله، وأخرى ينتظر صاحبها جواباً كي يرتّب يومه.
ربما نحتاج إلى مراجعة المقياس نفسه: ماذا تخبرنا سرعة الإجابة عن العلاقة؟ قد يصل ردّ فوري خالٍ من الانتباه، وقد تأتي إجابة متأخّرة تحمل إصغاءً حقيقياً. تُعرف العلاقة من تراكم المواقف، ومن الوفاء والقدرة على الحضور حين يلزم. ويظلّ توقيت الرسائل جزءاً من هذه الصورة، يحتاج إلى السياق حتى نفهمه.
يمكن للهاتف أن يقرّبنا، لكنه لا يمنحنا معرفة كاملة بظروف بعضنا. وبين ما تقوله الشاشة وما نعرفه عن الإنسان مساحة تستحقّ التروّي. فيها يمكن أن نسأل قبل أن نتّهم، وأن نوضّح قبل أن نترك أحداً معلّقاً، وأن نتحمل بعض التأخّر من دون أن نجعله فوراً امتحاناً للمحبّة.
قد تقوى العلاقة حين يستطيع أحد طرفيها أن يقول: "لم أكن قادراً على الحديث"، ويجد من يصدّقه من دون مطالبة بأعذار إضافية. فالاطمئنان إلى الآخر يتّسع لانشغاله، ولصمته العابر، ولوقت يقضيه بعيداً عنّا. نريد أن تصل رسائلنا إلى من نحبّ، وأن يبقى لهم، بعد وصولها، وقت يخصّهم.













0 تعليق