نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بين "أبو يعرب" و"أبو عمر"… الوصاية المتجذّرة في ذهنية السياسيين اللبنانيين - تواصل نيوز, اليوم الخميس 8 يناير 2026 10:03 صباحاً
محمد عبدالله
بعد نحو 83 عاماً على نيل لبنان استقلاله، لا يزال اللبنانيون يرزحون تحت أشكال متعددة من الوصاية، توزّعت تاريخياً بين محلية وإقليمية ودولية، حتى باتت جزءاً بنيوياً من الحياة السياسية.
فبعد قرون من حكم السلطنة العثمانية – تلك الدولة الإسلامية الكبرى التي تأسست عام 1299، وامتد حكمها لأكثر من ستة قرون قبل أن تتفكك عقب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، لتنتهي رسمياً عام 1922 مع إلغائها ثم إعلان الجمهورية التركية عام 1923، وإلغاء الخلافة عام 1924 – خرج لبنان من قبضة إمبراطورية حكمت أجزاء واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين.
لكن الخروج من وصاية لم يكن مدخلاً للاستقلال الكامل، إذ حلّ الانتداب الفرنسي والبريطاني صيغة جديدة من الوصاية الدولية، تلاه زمن الوصايات الإقليمية، بدءاً بالوصاية الفلسطينية في عهد ياسر عرفات "أبو عمار"، مروراً بالوصايتين الإسرائيلية والسورية، اللتين حكمتا لبنان فعلياً منذ 1982 مروراً باتفاق الطائف عام 1990 حتى عام 2005.
وفي تلك المرحلة، برزت وصاية غازي كنعان "أبو يعرب" ومن بعده رستم غزالي "أبو عبدو"، بحيث تحوّل القرار اللبناني إلى ملحق أمني – سياسي. ويروي أحد الباحثين حادثة دالّة من تلك الحقبة، حين كان سياسيون يسألون عن "وسائل نيل الرضى السوري"، فأُشيع أن "أبو يعرب" يهوى اللوحات الأثرية النادرة. فاندفع سياسيون ورجال أعمال لشرائها من تاجر معروف وتقديمها "قرابين"، بينما كان التاجر نفسه يعاود شراء اللوحات من كنعان أسبوعياً… في دورة فساد مكتملة الأركان.

لاحقاً، دخل لبنان مرحلة الوصاية الدولية غير المباشرة، وسط تجاذب محاور كبرى: إيران، الولايات المتحدة، وإسرائيل، قبل أن تتكرّس الوصاية الإيرانية "عبر حزب الله"، كأمر واقع سياسي وأمني.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى ما يُعرف بـ"خبريات الوصاية" بصفتها وقائع عابرة أو فضائح ظرفية، بل كجزء بنيوي من المشهد السياسي اللبناني. فهي تختصر صراعات تاريخية وحديثة حول السيادة والاستقلال، حيث تتشابك المصالح الخارجية مع التحالفات الداخلية، ويتحوّل شعار التحرر من التبعية إلى غطاء لإنتاج أشكال جديدة منها.
وهذا لابد من الاشارة الى "خبريات" إسكندر رياشي (1890-1961) الذي يعتبر مرجعاً فريداً لتاريخ لبنان الاجتماعي والسياسي في حقبة الانتداب الفرنسي، والذي عُرف بأسلوبه الجريء والساخر الذي يكشف خفايا السلطة والفساد والمجتمع.
وأبرز ما تضمنته كتاباته عن حقبة "الوصاية" أو الانتداب:
"-فساد السلطة والرشوة
شراء الأصوات: ذكر رياشي في مذكراته دوره الشخصي في استخدام الأموال الفرنسية "لإقناع" سكان البقاع بالتصويت لصالح الانتداب الفرنسي أثناء استطلاع رأي لجنة "كينج-كرين".
دروس في الارتشاء: يشير رياشي بتهكم إلى أن اللبنانيين برعوا في فنون الرشوة لدرجة أنهم "ألقوا دروساً" على الأتراك ومن بعدهم الفرنسيين في كيفية استثمار المناصب".
بهذا المعنى، لم تختفِ الوصاية يوماً، بل بدّلت أدواتها وأسماءها، وانتقلت من السيطرة المباشرة إلى النفوذ المقنّع، ومن القرار المفروض بالقوة إلى وصاية تُدار عبر الوسطاء والفراغات.
ومن رحم هذا الواقع، وفي ظل الفراغ الذي أصاب الساحة السنية بعد غياب زعامات تاريخية كرفيق الحريري، ورشيد وعمر كرامي، ورياض الصلح، والمفتي الشهيد حسن خالد، ظهر ما بات يُعرف بـ"الأمير الوهمي أبو عمر"، كمحاولة لفرض وصاية جديدة بلبوس عربي سعودي. وصاية استندت إلى الوهم أكثر مما استندت إلى الشرعية، لكنها وجدت تربة خصبة في غياب المرجعيات، فمارست الخُوّات السياسية والمالية، عبر مطبخ متداخل من رجال دين وسياسيين ورجال أعمال، وبنهج يكاد أن يطابق أسلوب "أبو يعرب" في التعاطي مع النواب والنافذين.
ويبدو أن تداعيات هذه الظاهرة لن تتوقف عند أسماء محددة، بل قد تُسقط رؤوساً سياسية واقتصادية كبيرة وقعت ضحية الوهم… أو تورطت فيه.







0 تعليق