"البابا لاوون الرابع عشر: دبلوماسية موجّهة نحو بناء سلام فاعل" - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"البابا لاوون الرابع عشر: دبلوماسية موجّهة نحو بناء سلام فاعل" - تواصل نيوز, اليوم السبت 3 يناير 2026 11:33 صباحاً

الدكتور فادي عساف
سفير لبنان لدى الكرسي الرسولي

 

ترأس قداسة البابا لاوون الرابع عشر في الأوّل من كانون الثاني في بازيليك القديس بطرس، القداس السنوي لمناسبة إحياء اليوم العالمي (التاسع والخمسين) للسلام. وقدّم الحبر الأعظم، في هذه المناسبة، السلام بوصفه مساراً متطلّباً يقوم على العدالة والحوار وكرامة الإنسان، داعياً الكنيسة كما المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بدور فاعل في صناعته.

ومنذ ظهوره العلني الأوّل في الثامن من أيار 2025، حين توجّه إلى المؤمنين بالتحيّة: "السلام عليكم جميعا"، وضع لاوون الرابع عشر حبريّته تحت راية السلام. ومنذ ذلك الحين، لم يفتأ يؤكّد عزمه على إعادة إدراج العمل الدبلوماسي للكرسي الرسولي ضمن منطق السلام الفاعل، باعتباره التزاماً دائماً ومسؤولاً في مواجهة أزمات العالم المعاصر.

وقد تجسّد هذا التوجّه بوضوح خلال زيارته الرسولية إلى لبنان، من 30 تشرين الثاني إلى 2 كانون الأوّل 2025، والتي حملت شعار: "طوبى لصانعي السلام" . ففي سياق إقليمي يتّسم باضطراب بالغ، حيث تعصف النزاعات بالشرق الأوسط وتنعكس مباشرة على لبنان، شدّد البابا مرارا على مركزيّة السلام، جاعلاً منه محور رسالته الراعوية والدبلوماسية.

ويرفض الكرسي الرسولي أي سلام يُفرض بالقوّة أو يُبنى على إذلال أحد الأطراف، وهو مبدأ ثابت في الخطابات والمواقف البابوية. وبالنسبة إلى لاوون الرابع عشر، وفي عالم يتّسم بتصاعد الاستقطاب وتكاثر بؤر النزاع، لا يمكن تحقيق هذه الرؤية إلا من خلال دبلوماسية فاتيكانية يُعاد تركيزها حول السلام الفاعل، والحوار المنظَّم، والدفاع عن كرامة الإنسان.

 

 

البابا في قداس بيروت. (نبيل إسماعيل)

البابا في قداس بيروت. (نبيل إسماعيل)

 

وفي صلب هذا النهج تبرز اولوية الحوار، الذي يُعدّ ركيزة أساسية في الدبلوماسية الفاتيكانية. فـ"دبلوماسية اللقاء" ترى في الحوار فعلًا من أفعال المسؤولية الأخلاقية والسياسية، يقوم على الإصغاء، وضبط الخطاب، ورفض اللغة الهجومية أو الإيديولوجية. ومن هنا، تُولى عناية خاصة لاستخدام الكلمات في العلاقات الدولية، إذ يؤكّد البابا أن تطرّف الخطاب غالبًا ما يسبق تطرّف الأفعال، داعيا إلى لغة دبلوماسية رصينة، محترمة وبنّاءة.

كما تندرج حبريّة لاوون الرابع عشر ضمن دفاع واضح عن التعدّدية الدولية. فالكرسي الرسولي يقدّم نفسه فاعلاً أخلاقياً يشجّع التعاون بين الدول واللجوء إلى المؤسسات الدولية، رغم ما يعتريها من محدوديات، بهدف منع تصعيد التوترات وتعزيز الحلول التفاوضية. وفي هذا الإطار، يسعى الفاتيكان إلى الاضطلاع بدور الوسيط الاخلاقي والمعنوي والميسّر للحوار، لا بدور فاعل جيوسياسي تقليدي.

وتبقى كرامة الانسان المعيار الأسمى للعمل الدبلوماسي للكرسي الرسولي. فمع حفاظه على استمرارية عقائدية واضحة، تتميّز دبلوماسية لاوون الرابع عشر بنبرة من الرصانة، والصبر، والمتطلّبات الأخلاقية العالية. وهي تهدف إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة في بيئة دولية مجزّأة، مؤكّدة الرسالة الخاصة للكرسي الرسولي بوصفه جسرًا بين الشعوب والثقافات.

وتؤكّد هذه الدبلوماسية، في المحصّلة، الدور الفريد للكرسي الرسولي على الساحة الدولية: دبلوماسية خالية من أدوات الإكراه، لكنها قائمة على السلطة الأخلاقية، وقوّة الكلمة، وثبات الموقف، ما يجعلها عامل استقرار وحوار في عالم يبحث عن مرجعيات ومعالجات موثوقة.

وفي لبنان، حيث لاقت زيارته صدىً روحياً وسياسياً وشعبياً عميقاً، دعا قداسة البابا اللبنانيين إلى السير على درب السلام، معبّراً في الوقت نفسه عن شعوره العميق بتوقهم الصادق إلى سلام حقيقي، يقوم على العدالة، والحقيقة، واحترام كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق