نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لبنان يراهن على التحول الرقمي كمدخل للإصلاح والتعافي - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 5 يناير 2026 08:33 صباحاً
* رودي شوشاني
رغم الأزمات الاقتصادية والسياسية المتراكمة، شكّل عام 2025 محطة مفصلية في مسار التحول الرقمي في لبنان، حيث برزت التكنولوجيا كخيار إصلاحي لا ترف إداري، ورافعة أساسية لاستعادة الثقة بالقطاع العام وفتح آفاق التعافي الاقتصادي. ففي ظل تعثر الحلول التقليدية، اتجهت الدولة إلى بناء أسس "الجمهورية الرقمية" كمسار طويل الأمد لإصلاح الإدارة وتعزيز الشفافية.
الصحة الرقمية في صدارة الأولويات
أحد أبرز إنجازات العام تمثّل في إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي في القطاع الصحي للأعوام 2025–2030، بالتعاون بين وزارة الصحة العامة ومنظمة اليونيسف. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تحسين جودة الرعاية الصحية وتسهيل الوصول إليها عبر رقمنة الأنظمة اللوجستية والتراخيص، واعتماد السجلات الصحية الإلكترونية، وإنشاء منظومة ابتكار تربط بين الدولة والجامعات والقطاع الخاص، ما يمهّد لقطاع صحي أكثر كفاءة وشفافية.
هوية رقمية ومدفوعات إلكترونية
في موازاة ذلك، انخرطت وزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تعميق البنية التحتية الرقمية العامة في لبنان كجزء من جهود التحول الرقمي الوطنية. وامتد ذلك إلى العمل على تنقية وتوسيع قواعد البيانات الوطنية تمهيداً لإنشاء هوية رقمية موحدة تعتمد التعريف البيومتري وتوقيع إلكتروني يمكن الاعتماد عليه في التحقق من هوية المواطنين وتقديم الخدمات الرقمية الحكومية بشكل موثوق، مع تركيز على حماية البيانات الشخصية وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين.
في الوقت نفسه، شهدت البلاد إطلاق بوابة وطنية للمدفوعات الإلكترونية بإشراف وزارة المالية بالتعاون مع وزارة العمل ووزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، حيث جاء الإعلان عنها خلال مؤتمر صحفي مشترك بهدف تحديث الخدمات الحكومية وتمكين المواطنين من دفع الرسوم والضرائب والرسوم الحكومية عبر الإنترنت دون الحاجة للزيارة الشخصية. وقد ربط هذا النظام عدداً من الوزارات والجهات الحكومية إلكترونياً لتسهيل المعاملات ومتابعة الطلبات والدفعات عبر منصات موحدة، ما يعزز الكفاءة ويحدّ من البيروقراطية ويُسهم في توسيع الشمول المالي.
ولم يقتصر دور الوزارة على البنية التقنية، بل أطلقت في كانون الأول 2025 مسودة الإطار الوطني للذكاء الاصطناعي، مع خطط لاستثمار عشرات ملايين الدولارات في أدوات ذكية لتحديث الخدمات العامة، وسط طموح لرفع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى نحو 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.
القضاء والخدمات العامة على طريق المكننة
في قطاع العدالة والخدمات العامة، أُحرز تقدم ملحوظ في مكننة المحاكم والسجل التجاري، مع الإعلان عن مشروع الخدمات القضائية الإلكترونية الذي يهدف إلى تسريع الإجراءات القضائية والتجارية والحد من البيروقراطية. كما شهدت وزارة الاقتصاد والتجارة خطوات عملية في رقمنة حقوق الملكية الفكرية، في إطار تحديث الإدارة وتحسين بيئة الأعمال.
رقمنة القطاع الاجتماعي
التحول الرقمي شمل أيضاً القطاع الاجتماعي، حيث وُقّعت مذكرة تفاهم بين وزارتي الشؤون الاجتماعية والتكنولوجيا لوضع استراتيجية رقمية للفترة 2025–2027. وتركّز هذه المبادرة على رقمنة آليات الاستهداف والتوزيع في برامج الحماية الاجتماعية، وتحديث مراكز الخدمات الإنمائية بما يضمن وصولاً أكثر عدالة وكفاءة للفئات الأكثر هشاشة.
دور محوري للتنمية الإدارية
لعب مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية دوراً محورياً في حوكمة هذا المسار، عبر مشروع تسريع التحول الرقمي الذي يسعى إلى تأمين تمويل دولي كبير لتحديث الإدارة العامة. كما نُظّمت ورش عمل وطنية لتقييم الجاهزية الرقمية ورسم خريطة الخدمات في الوزارات، إلى جانب التركيز على الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد، مع اعتبار الرقمنة أداة مركزية في هذا المسار.
شراكات مع القطاع الخاص والجامعات
وأكدت تجربة 2025 أن الشراكة مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية لم تعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة في ظل محدودية الموارد. فقد جرى توقيع اتفاقيات تعاون مع شركات تكنولوجية عالمية مثل مايكروسوفت وأوراكل لدعم الشركات الناشئة وبناء القدرات الرقمية في القطاع العام. كما برز دور الجامعات اللبنانية في إعداد جيل جديد من الخبراء في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، بالتعاون مع الجهات الرسمية.
تحديات ودروس للمستقبل
على الرغم من هذه الإنجازات، لا يزال التحول الرقمي يواجه تحديات جدية، أبرزها هشاشة البنية التحتية للكهرباء والإنترنت، والحاجة إلى إصلاحات إدارية وتشريعية موازية لضمان الاستدامة. إلا أن دروس العام الماضي كانت واضحة، وفي مقدمتها أن الهوية الرقمية تشكل الأساس لأي خدمة إلكترونية، وأن الشراكة بين القطاعين العام والخاص هي الآلية الأكثر فاعلية للتمويل والتنفيذ، وأن رقمنة الخدمات تمثل إحدى أقوى أدوات مكافحة الفساد واستعادة ثقة المواطنين.
نقطة تحوّل نحو لبنان الرقمي
يخلص المشهد العام إلى أن عام 2025 شكّل نقطة تحوّل حقيقية في مسار التحول الرقمي في لبنان. فعلى الرغم من الأزمات، نجحت الدولة في إطلاق مبادرات بنيوية في الصحة والعدل والخدمات العامة والقطاع الاجتماعي، مدعومة بشراكات محلية ودولية. ويبقى التحدي في السنوات المقبلة الحفاظ على هذا الزخم، والتركيز على بناء الأساسيات، وفي طليعتها الهوية الرقمية، من أجل المضي قدماً نحو تحقيق رؤية لبنان الرقمي 2030.
*خبير في التحول الرقمي













0 تعليق