مواقف الهجري تربك الدروز: لبنان في مواجهة خطاب الكيانات - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مواقف الهجري تربك الدروز: لبنان في مواجهة خطاب الكيانات - تواصل نيوز, اليوم السبت 17 يناير 2026 12:04 مساءً

لم تعد مواقف الشيخ حكمت الهجري مجرّد شأن سوري داخلي، بل تحوّلت إلى عامل ضغط مباشر على دروز لبنان وموقعهم في المعادلة الوطنية، بعدما فتحت بابا واسعا أمام إعادة طرح سؤال الهوية والانتماء والدور في منطقة شديدة الحساسية. 
حين يتحدث مرجع ديني درزي عن "تقرير مصير" وكيان مستقل بضمان إسرائيلي، فإن ارتدادات هذا الخطاب لا تبقى محصورة في السويداء، بل تمتد تلقائيا إلى كل البيئات الدرزية في المشرق، وفي طليعتها لبنان، حيث تقوم التجربة الدرزية على الاندماج العميق في الدولة والنظام والتوازنات الوطنية.

 

أول تأثير مباشر لهذه المواقف يتمثل في وضع دروز لبنان في موقع دفاعي غير مرغوب فيه. فمجرد صدور هذا النوع من الخطاب باسم الدروز يفرض على القيادات اللبنانية أن تشرح وتبرّر وتؤكد العكس، أي تمسكها بالهوية العربية والصيغة اللبنانية والانتماء الوطني، فيما الجميع في غنى عن هذا النوع من السجالات. وهنا يتحول خطاب الهجري من تعبير عن أزمة سورية إلى عبء سياسي على دروز لبنان، يستخدم أحيانا في الداخل اللبناني لإثارة الشكوك حول نياتهم أو خياراتهم، ولو من باب المزايدة أو التوظيف السياسي.

 

ثاني التأثيرات يتمثل في إعادة إحياء هواجس تاريخية حول موقع الأقليات في المنطقة. فالدروز في لبنان، منذ نشأة الكيان، حرصوا على عدم الظهور كجماعة انعزالية أو وظيفية، بل كجزء مؤسس من الدولة. وأيّ مسار يعيد ربط الدروز بفكرة الحماية الخارجية أو "الكيان الخاص" يهدد بإعادة وضعهم في خانة لم يختاروها، ويصطدم مباشرة بالخط الذي رسمه كمال جنبلاط ثم ثبّته وليد جنبلاط، والقائم على أن حماية الدروز تمرّ عبر الدولة والمجتمع لا عبر الخارج.

 

 

مشايخ من طائفة الموحّدين الدروز (نبيل اسماعيل).

مشايخ من طائفة الموحّدين الدروز (نبيل اسماعيل).

 

في هذا السياق، يكتسب موقف النائب هادي أبو الحسن دلالته الكاملة، ليس فقط بوصفه نقدا مباشرا لمواقف الهجري، بل باعتباره دفاعا صريحا عن النموذج اللبناني الدرزي.

 

فقد حذّر من "الرهانات الخاطئة" ومن محاولات إسرائيل إقامة "حلف أقليات أو كيانات طائفية تؤدي دور الحزام الأمني لها"، معتبرا أن هذا المسار "خطوة انعزالية وانتحارية". هذا التوصيف يعكس خشية حقيقية من أن يدفع دروز لبنان ثمن خيارات لم يشاركوا في صنعها، سواء على مستوى صورتهم داخل لبنان أو على مستوى علاقتهم بمحيطهم العربي.

 

ويكتمل المشهد بموقف واضح للمجلس الدرزي اللبناني، الذي عبّر عن قلق عميق من تداعيات الخطاب التصعيدي، مناشدا أبناء الجبل والوطن "الوعيَ التامّ لمخاطر الانزلاق إلى فتن يراد زرعها"، والدعوة إلى النأي عن انعكاسات ما يحصل في المناطق السورية من صدامات أو في إعلان مواقف مغايرة لمسار "جبل العرب" تاريخيا. كذلك شدّد المجلس على ضرورة تغليب لغة الحوار والتعقّل، والثقة بأجهزة الدولة في معالجة أي ثغرة، محذرا من الانجرار إلى أي صدام أو تصرّف خارج عن القانون. ويعكس هذا الموقف حرصا مؤسساتيا على تحصين الساحة الدرزية اللبنانية ومنع استدراجها إلى توترات لا تخدم سوى مشاريع التفتيت.

 

أما التأثير الثالث، فهو داخلي اجتماعي ونفسي في البيئة الدرزية اللبنانية نفسها. فهذه المواقف تولّد ارتباكا لدى جزء من الشباب الدرزي، وتفتح نقاشا حساسا حول معنى الهوية والحدود والانتماء، في لحظة إقليمية مرتبكة أصلا. وهذا الارتباك، إن لم يُحتوَ بخطاب واضح وحازم، قد يتحول إلى انقسام ناعم داخل الطائفة بين من يرى في خطاب الهجري تعبيرا عن اليأس والغضب في ظل الانهيار السوري، ومن يراه خطرا استراتيجيا يهدد التجربة الدرزية برمتها.

 

من هنا يمكن فهم إشارة أبو الحسن إلى محاولات وليد جنبلاط التواصل مع القيادات الدرزية في سوريا لتنبيه المعنيين إلى خطورة المرحلة، مقابل محدودية التأثير "بفعل الضغوط والإغراءات والتدخلات". فالمسألة لم تعد مجرد اختلاف في التقدير السياسي، بل هي صراع بين منطقين: الأول يعتبر أن خلاص الأقليات يكون عبر الاندماج في الدولة الوطنية مهما ضعفت، والثاني يراهن على الخارج حين تنهار الدولة وتضيق الخيارات.
في الخلاصة، مواقف الهجري لا تهدد فقط توازن السويداء، بل تضغط على التجربة الدرزية اللبنانية نفسها، لأنها تعيد فتح أسئلة ظن الدروز أنهم تجاوزوها منذ زمن: من نحن؟ أين موقعنا؟ وكيف نحمي أنفسنا؟ 

 

وبين خطاب الكيانات وخطاب الدولة، يجد دروز لبنان أنفسهم مرة جديدة في موقع الدفاع عن خيار لم يكن يوما موضع شك، مؤداه أن قوتهم كانت وستبقى في اندماجهم، لا في عزلتهم، وفي شراكتهم الوطنية، لا في خصوصيتهم المغلقة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق