حين لا يكفي الحياد - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين لا يكفي الحياد - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 04:11 صباحاً

يقف الإعلام الخليجي اليوم أمام مسؤولية مهنية وسياسية؛ فالقضايا التي تمسّ أمن الخليج وسيادة دوله واستقرار مجتمعاته لا تحتمل لغة متردّدة أو تغطية تساوي بين المعتدي والمتضرر. المهنية مطلوبة، والدقة واجبة، والتحقق أساس العمل الصحافي، غير أن ذلك كله لا يبرر ترك الحقائق من دون تسمية واضحة.

 

في القضايا المصيرية، يتحول الحياد المربك إلى مشكلة. فهو يمنح الشائعة وقتاً أطول، ويترك الرأي العام أمام روايات متضاربة، ويفتح المجال لمن يريد تبرير الاعتداء أو تخفيف وقعه. الإعلام المسؤول لا يحتاج إلى انفعال أو تعبئة، ويحتاج قبل ذلك إلى وضوح. فعندما تتعرض دول خليجية لاعتداءات إرهابية إيرانية، يصبح التوصيف جزءاً من المسؤولية المهنية. فالاعتداء يسمّى اعتداءً، والميليشيا تسمى ميليشيا، والتدخل في شؤون الدول لا يجوز تغليفه بمفردات ناعمة.

 

من الخليج إلى اليمن ولبنان والعراق، دفعت المنطقة ثمناً كبيراً لتوسّع النفوذ الإيراني خارج الحدود. لذلك تصبح المراجعة الإقليمية ضرورة، على قاعدة احترام السيادة، وحسن الجوار، ووقف التدخل في شؤون الدول. هذه القواعد هي الحد الأدنى لأيّ استقرار حقيقي، وينبغي أن تكون حاضرة في الخطاب السياسي والإعلامي عند قراءة ما يجري في المنطقة.

 

آلية خليجية مشتركة

 

 

وعند التعامل مع الاعتداءات الإيرانية الإرهابية على  الكويت والبحرين، يصبح دور الإعلام الخليجي جزءاً من حماية الأمن الجماعي. فالمسألة لا تخص دولة واحدة وحدها. أمن الخليج مترابط، وأي محاولة للتعامل مع الاعتداءات كأحداث منفصلة تضعف المعنى السياسي للموقف الخليجي. الإعلام لا يصنع القرار، لكنه يساعد في تثبيت معنى الموقف في الوعي العام، ويمنع تمرير العدوان الإيراني ضمن التغطية اليومية من دون إبراز خطورته.

 

ويتطلب ذلك آلية خليجية مشتركة لرصد الشائعات والسرديات المضللة، ضمن تنسيق إعلامي أوسع وقت الأزمات. فالتضليل لم يعد يصدر من حسابات مجهولة وحدها، فقد أصبح يأتي أيضاً من شبكات ومنصات وخطابات منظمة تحاول التأثير في الرأي العام وإرباك الموقف الخليجي. هذه الآلية لا تكفي إذا بقيت الرسائل الإعلامية مشتتة. مواجهة التضليل تحتاج إلى تحقق سريع، ومعلومة دقيقة، وتنسيق مهني، وقراءة سياسية تعرف حساسية القضايا التي تمسّ السيادة والاستقرار.

 

والتنسيق الخليجي في هذا المجال لا يعني توحيد كل خطاب أو إلغاء خصوصية كل دولة في إدارة سياستها الإعلامية. المقصود أن تكون هناك سرعة في كشف الروايات المضللة، ومبادرة في تقديم المعلومة، وقدرة على شرح السياق قبل أن يملأ التضليل المنظم الفراغ. ففي الأزمات، لا تنتظر الشائعة اكتمال الصورة، ولا يمنح الخصوم وقتاً طويلاً للبيانات المتأخرة. وكلما تأخر الإعلام المهني في قول الحقيقة، تقدمت الرواية الموجهة خطوة على حساب الثقة العامة.

 

المشكلة أن بعض الخطاب الإعلامي يخلط بين الموضوعية والحياد الرمادي. الموضوعية تعني أن تكون المعلومة صحيحة، وأن يكون التوصيف منضبطاً، وأن لا يتحوّل الخبر إلى انفعال. أما الحياد الرمادي فيظهر حين يُذكر المعتدى عليه بوضوح، ويُترك المعتدي في منطقة غامضة بذريعة التوازن. هذا النوع من التغطية يربك الصورة العامة، ويمنح الطرف المعتدي فرصة إضافية لتسويق روايته.

 

الرسالة الإعلامية مسؤولية

 

الخليج لا يحتاج إلى إعلام صدامي، ولا إلى خطاب يندفع خلف كل توتر. ما يحتاج إليه هو إعلام واثق، يعرف أن خفض التصعيد لا يعني التهاون، وأن الحوار لا يستقيم تحت التهديد، وأن الحكمة السياسية تحتاج إلى رسالة واضحة. القوة ليست في حدّة اللغة، بل في دقة التوصيف وثبات الموقف.

 

الوضوح المهني هنا جزء من حماية الاستقرار الخليجي. فالإعلام الذي يضع الاعتداءات الإيرانية الإرهابية في سياقها الصحيح، ويكشف الروايات المضللة، ويحافظ على دقة التوصيف، لا يخرج من مهنيته. وحين لا يكفي الحياد، تصبح الرسالة الإعلامية مسؤولية تجاه استقرار الخليج، وواجباً في تسمية الاعتداءات كما هي.

 

 * كاتب إماراتي

 

  
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق