نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كما لو أنك لا تغيب - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 10 يونيو 2026 06:00 صباحاً
كنا نسميه "المعلّم" على غرار التلامذة والمسيح. وفي حقيقته ما كان إلا متقدما الجميع بمسافات. في كل شيء: أفق ورؤية وجرأة وصلابة وخلق كريم.
كل منصب تولاه كان أصغر منه: كبرت "النهار" حتى صارت جريدة العرب وصحيفة لبنان، وظلت أصغر منه. دخل الوزارة وهو أكبر منها وخرج وهي أصغر منه. ورث "النهار" جريدة بيروتية يتداولها وجهاء المدينة، وحوّلها إلى ثورة صناعية رفعت العمل الصحافي إلى مراتب الرواد والخلّاقين والسباقين والمتقدمين في كل شيء.
قلب المعلّم كل شيء من حوله. بدأ بمستوى المعيشة في الصحافة، فجعل رواتب المحررين عزّا مهنيا، بدل الكتابة على ورق النايلون. وجعل من الجريدة البيروتية صحيفة يقرأها زعماء العرب قبل النوم. في مكتبه في الطبقة التاسعة، كان يتجمع كل لبنان: كميل شمعون وريمون إده وكل من أراد رأيا في أحوال لبنان.
أفق. كان رجل آفاق ورؤية وسعة صدر وحرية، ليبيرالياً مستقيم الرأي، رائع الثقافات. وكانت عظمته الكبرى ليست في كونه المعلّم، بل في أنه التلميذ الأبدي، يتعلم كل يوم، من كل شيء، من كل الناس. شغف يومي لا نهائي، عملاق ينحني في كل حقل ويقطف زهرة أو زنبقة يطويها في كتاب.
كان تواضعه مخجلاً. كل شيء فيه كان كمن حمل درسا من أثينا. والدرس الأخير من سقراط. كان محاطا بالموت وهو من أدرك معاني الحياة. أحيط بالفقدان وأرسلت عليه جلجلة تمتحن خشيته كل يوم.
تأمّل العالم في صمت وكبر. عندما قُتل جبران تويني قال: "لم يتركوا لنا فيه حتى جبينا نطبع عليه قبلة الوداع".
حمل نفسه الحزينة حتى الموت ليعلن فوق نعش جبران، أن الوقت وقت سماح وغفران لا ضغينة وحقد. كان ذلك شيئا من تكوينه: قدريّة سقراط ودرس الألم الذي أعطاه يسوع وهو يترك العالم أمام المشهد المؤلم: يهوذا ينفذ في نفسه الحكم المستحق: معلقا جثة للجوارح.









0 تعليق