لماذا لا نرى "روبرت دي نيرو" عربياً يقود أفلام الإثارة النفسية؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لماذا لا نرى "روبرت دي نيرو" عربياً يقود أفلام الإثارة النفسية؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 27 سبتمبر 2026 04:22 مساءً

في مشهد خانق من فيلم الإثارة النفسي The Whisper Man، يجلس المحقق المتقاعد بيتر ويليس في غرفة مظلمة، يلقي ظهره المنحني بظلال ثقيلة على السرير. الكاميرا لا تحاول إخفاء تجاعيده، بل تستثمر فيها، فهذا الوجه الذي يحمل 83 عاماً من العمر، يعود للنجم الأسطوري روبرت دي نيرو، الذي يتصدر هنا بطولة مطلقة لفيلم بلغت ميزانيته 50 مليون دولار. في تلك اللحظة السينمائية، لا يرى المشاهد رجلاً مسناً يستدر العطف، بل يرى ثقلاً درامياً، وتاريخاً من الندم، وعجلات تفكير لا تتوقف في عقل محقق يطارد قاتلاً متسلسلاً.

هذا المشهد تحديداً، يضعنا أمام مفارقة قاسية حين نُدير الكاميرا نحو العالم العربي. ففي الوقت الذي تحتفي فيه هوليوود بنجومها المخضرمين، وتُفصّل لهم نصوصاً معقدة تقود منصات البث العالمية مثل "نتفليكس"، يواجه الممثل المتقدم في السن في صناعة الدراما العربية مصيراً تراجيدياً، يتأرجح بين الإقصاء التام والوضع على "الرف"، أو الانحسار في أدوار ثانوية نمطية، كـ "الأب المريض" أو "ضيف الشرف"، في تجاهل تام لتراكمه المعرفي وتاريخه الإبداعي.

 

 

بوستر The Whisper Man (نتفليكس)

بوستر The Whisper Man (نتفليكس)


The Whisper Man: البطولة للتعقيد النفسي لا لـ"العضلات"

لم يكن خروج The Whisper Man ثمرة شراكة بين استوديوات (AGBO) ونتفليكس مجرد رهان تجاري، بل هو نموذج في كيفية استغلال رأس المال البشري الفني. الفيلم، المقتبس عن رواية أليكس نورث، يدور في بلدة "غاريتون" الكئيبة، في بيئة سردية تتقاطع بشدة مع أجواء التحقيقات السيكولوجية وأدب الجريمة في البلدات الصغيرة. في هذا النوع من السرد، لا مجال للأكشن المجاني والبطولات الجسدية المفتعلة، بل يرتكز التوتر كله على لغة الجسد، نظرة العين، والتلاعب النفسي.

لهذا، جاء اختيار دي نيرو صاحب الأداء الطازج، في مواجهة مايكل كيتون العائد بدور القاتل السادي فرانك كارتر، ليخلق "مباراة تنس" درامية عالية الطراز. اعتمد دي نيرو على "التمثيل الداخلي"، بينما استخدم كيتون لغة جسد اقتحامية لتعزيز تلاعبه النفسي. هوليوود هنا لم تبحث عن نجوم شباب بوجوه ملساء لجذب المراهقين، بل أدركت أن قصة تدور حول "إرث الصدمات عبر الأجيال" وعلاقة الآباء بالأبناء، تتطلب حكمة سينمائية لا يمتلكها سوى رواد تجاوزوا السبعين والثمانين.

 

 

 

مايكل كيتون (نتفليكس)

مايكل كيتون (نتفليكس)

 


مورفولوجيا الإقصاء العربي: صرخة الرواد في وجه "الترند"

على النقيض تماماً، تبدو البنية الدرامية العربية، خصوصاً في مسلسلات الـ Pan-Arab التي تستحوذ على المشهد، كأنها مصابة بمتلازمة "الشباب الدائم". بمجرد أن يتخطى الممثل العربي عتبة الخمسين، تُغلق أمامه أبواب الأدوار المركبة، خصوصاً أن الدراما "المشتركة" و"المعربة" "تنام" في مساحات ضيقة: الميلودراما الاجتماعية، مسلسلات الأكشن السريع، أو الرومانسية الموجهة للمراهقين...

لا يمكن نسيان الصرخة المدوية التي أطلقها الفنان القدير الراحل عبد الرحمن أبو زهرة، حين عبّر بمرارة عن تهميش المخرجين لجيله، قائلاً بوجع: "أنا لو ما اشتغلتش هاموت". إنها دلالة قاطعة على الأثر النفسي المدمر للإقصاء. ولا يقتصر الأمر على الرجال، بل تعاني الممثلات من "قولبة" قاتلة، بحيث انتقدت أسماء بارزة مثل كارمن لبس وتقلا شمعون حصر ذوات الخمسين عاماً وما فوق في أدوار "الأم المضحية" الباكية أو المريضة، في تجاهل تام لقضايا المرأة الناضجة وطموحاتها وصراعاتها الوجودية.

 

 

عبد الرحمن أبو زهرة (سوشيال ميديا)

عبد الرحمن أبو زهرة (سوشيال ميديا)


ديكتاتورية الإعلان و"ورش الكتابة"

هذا التباين الصارخ بين نموذج "دي نيرو" ونموذج "أبو زهرة" ليس مجرد مصادفة خاضعة لمزاج المخرجين، بل هو محصلة عجلة إنتاجية تتحكم بتوجيه بوصلة الدراما، مع شركات إعلانية تستهدف القوة الشرائية الشابة. النتيجة هي تضخم فلكي في أجور النجوم الشباب (الذين يستحوذون أحياناً على 70% من ميزانية العمل)، واستخسار دفع أجور عادلة للكبار، مما يدفعهم إما الى القبول بالفتات كديكور مساند، وإما الى البقاء في المنازل.

ومن الأسباب المؤثرة أيضاً، "ورش الكتابة"، التي غالباً ما تتألف من كُتّاب شباب لا يمتلكون التراكم العمري أو النضج النفسي الكافي لسبر أغوار شخصية في السبعين من عمرها. النتيجة هي نصوص تُفصّل على مقاس الشباب وتدور حول أزماتهم المباشرة، بينما تُكتب شخصيات الكبار بقوالب جاهزة ومسطحة: الأب المريض، الأم الباكية، أو الجد الحكيم الذي يلقي موعظة في مشهدين ثم يختفي.

 

 

 

يحيى الفخراني (سوشيال ميديا)

يحيى الفخراني (سوشيال ميديا)

 


التكنولوجيا وسردية العمر: من يمتلك الحكاية؟


إلى جانب الحماية النقابية وحق الأداء العلني، تُسخّر هوليوود التكنولوجيا المعقدة للحفاظ على استمرارية مبدعيها. في The Irishman (2019)، أنفقت الصناعة ملايين الدولارات على تقنية "تقليص العمر" الرقمي (De-aging) ليتمكن سكورسيزي من إبقاء دي نيرو وآل باتشينو وجو بيشي في أدوار البطولة لمراحل عمرية مختلفة، رافضاً التفريط بـ"الروح الإبداعية" للكبار لمصلحة بدلاء شباب.

عربياً، الاستثناءات العظيمة التي رأيناها مع عادل إمام أو يحيى الفخراني أو نور الشريف، لم تكن للأسف نتاج استراتيجية صناعية تُنصف كبار السن، بل كانت خضوعاً لقوة "الاسم التجاري" الجبار لهؤلاء النجوم تحديداً وقدرتهم التسويقية الشخصية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق