موجودون… لكن بلا هوية: رحلة مكتومي القيد في لبنان (فيديو) - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
موجودون… لكن بلا هوية: رحلة مكتومي القيد في لبنان (فيديو) - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 10:28 صباحاً

لم تكن جويس مطران تعرف شيئاً عن الحياة خارج أسوار دار الأيتام التي نشأت فيها منذ أن فتحت عينيها على الحياة. يوميات بسيطة ومسؤوليات كبيرة، بقيت محصورة داخل تلك الجدران، إلى أن قررت الخروج بحثاً عن حياة جديدة، أكثر عدالة وفرحاً.

 

لم تكن تعرف شيئاً عن الأوراق الثبوتية أو الهوية. كانت تظن أنها، مثل سائر الأطفال، إلى أن جاء السؤال الذي قلب حياتها: "وين هويتك؟". 

 

كان السؤال على لسان مدير المدرسة، لكن وقعه كان أكبر من مجرد استفسار عن ورقة. "معقول حدا ما عندو هوية في الحياة؟"، سألها، لتكتشف جويس للمرة الأولى أن هناك من يعيشون خارج السجلات، وأنها واحدة منهم.

 

 

 

 

 

وُلِدت جويس من أم لبنانية كانت مسجونة وتوفيت لاحقاً، وأب مجهول. ومع غياب التسجيل، وجدت نفسها منذ طفولتها أمام واقع لم تختره، فهي موجودة في الحياة، لكن من دون أوراق ثبوتية تثبت هذا الوجود.

 

"حلمي مرتبط بهوية. لا يمكنني أن أحلم بشيء قبل الحصول على هوية"، تقول جويس لـ"النهار". الدراسة، العمل، المعاملات، وحتى التخطيط للمستقبل، كلها اصطدمت بحقيقة واحدة  "امتلاك هوية". 21 عاماً وجويس محرومة من هويتها وأوارقها الثبوتية وكأنها كائن يعيش من دون شيء ملموس يثبت حقها في الحياة. 

 

جويس (مطران) تتحدث عن حياتها وحلمها في الحصول على هوية (تصوير: جايسن صفير- النهار)

جويس (مطران) تتحدث عن حياتها وحلمها في الحصول على هوية (تصوير: جايسن صفير- النهار)

 

انتهت رحلة "اللانا" بعد أن وجدت جويس عائلة احتضنتها وأحبتها وقررت أن تتبناها وتمنحها اسم عائلة. هذا الحلم الذي طال انتظاره بدأ يتحقق ببطء نتيجة المسار الطويل الذي تستغرقه قضية الاستحصال على الهوية في لبنان.

 

منذ ثلاث سنوات، تخوض جويس مساراً قضائياً للحصول على هويتها. الوصول إلى النهاية ليس سريعاً كما كانت تظن. دفعت نحو 10 آلاف دولار تقريباً لمتابعة الدعوى، واجتازت، كما تقول، نصف الطريق. 

 

تؤكد أن "المسار طويل ويحتاج إلى دعم ومتابعة من الجهات المعنية. لقد اقتربت من تحقيق حلمي في الحصول على هويتي ولكن هناك آلاف الأطفال المحرومين اليوم من تحقيق أي حلم لأنهم ببساطة من دون هوية".

 

بالنسبة إلى جويس لن تكون الهوية مجرد بطاقة، بل بداية شيء لم تتمكن من امتلاكه طوال حياتها: القدرة على الحلم. تعترف "لن يكون مجرد شعور، وإنما حلم. سأتمكن من الحلم لأول مرة والبدء بتحقيق طموحاتي، لأنه حتى الساعة أنا غير قادرة على الحلم".

 

 

من إجراء بسيط إلى قضية أمام القضاء

قصة جويس ليست، في نظر أليس كيروز سليمان، رئيسة اللجنة الوطنية لمعالجة أوضاع الأطفال اللبنانيين مكتومي القيد، ملفاً فردياً معزولاً. فمنذ نحو 13 عاماً، تعمل اللجنة على متابعة حالات أشخاص "موجودين في الواقع، لكن لا وجود لهم قانونياً" في سجلات الدولة.

 

غير أن أول ما يصطدم به أي بحث في هذا الملف هو غياب الرقم. لا تملك الدولة اللبنانية، حتى اليوم، إحصاءً وطنياً شاملاً يحسم عدد مكتومي القيد في لبنان.

 

وهنا يأتي السؤال الأهم كيف يمكن للدولة أن تضع حلاً لمشكلة لا تعرف حتى عدد المتضررين منها؟ فالحالات تظهر في الشمال والقرى النائية كما في بيروت، فيما تتعدد أسبابها بين عدم تسجيل الولادات، والجهل بالإجراءات، والفقر، وبُعد مراكز الإدارات، وتفكك الأسر وعدم تسجيل الزواج.

 

ولهذا بدأت اللجنة العمل مع لجنة الإحصاء الوطنية في محاولة للوصول إلى أرقام أكثر دقة، بالتوازي مع السعي إلى إشراك نقابات الأطباء والمحامين والقابلات والمستشفيات الخاصة في معالجة المشكلة، باعتبار أن رحلة الطفل نحو الاعتراف القانوني تبدأ عملياً من لحظة ولادته والوثيقة التي تثبتها.

 

تشير  سليمان إلى أن عدم تسجيل الولادة هو من أكثر الأسباب شيوعاً، رغم أن التسجيل يفترض أن يتم فور الولادة.

 

فخلال السنة الأولى، يمكن إنجاز التسجيل إدارياً، لكن بعد تجاوزها يدخل الطفل  في مسار قضائي يحتاج إلى دعوى، ما يحوّل ما كان يفترض أن يكون إجراءً بسيطاً إلى رحلة أطول وأكثر تعقيداً.

 

لذلك تركز اللجنة على التوعية وحث الأهل على عدم تأخير تسجيل الولادات أو الزواج، وأعدّت نماذج لاجراءات الدعاوى ومراحلها لمساعدة العائلات على الوصول إلى العدالة.

 

في الحالات التي يكون فيها الأب لبنانياً، يمكن معالجة وضع الطفل قضائياً إذا توافرت شروط أساسية، أبرزها إثبات لبنانية الأب ووجود وثيقة زواج ووثيقة ولادة والمستندات المطلوبة. عندها يخضع الملف للتحقيق أمام قاضي المنفرد المدني الناظر في قضايا الأحوال الشخصية، الذي يقرر قبول الطلب أو رفضه وفق المعطيات والشروط القانونية. 

 

وقد ساعدت اللجنة حتى الآن ثلاث حالات على الوصول إلى الهوية، رغم أن الملفات استغرقت وقتاً وجهداً كبيرين. في المقابل، لا تملك اللجنة إحصاء شاملاً لعدد الدعاوى التي قُدّمت خلال السنوات الثلاث أو الخمس الأخيرة، أو لعدد الأشخاص الذين تمكنوا من الحصول على الهوية نتيجة هذه الدعاوى.

 

مبنى قصر العدل في بيروت - أرشيف

مبنى قصر العدل في بيروت - أرشيف

 

 

لكن التعقيدات تزداد في الحالات التي يكون فيها الأب غائباً أو مجهولاً، فيما تبقى قدرة الأم اللبنانية على نقل جنسيتها إلى أولادها محدودة ضمن الإطار القانوني الحالي.

 

وفي بعض الحالات المرتبطة بالأولاد المولودين خارج إطار الزواج، يمكن أن تتوافر مسارات قانونية خاصة، بحسب ظروف كل ملف والشروط المطلوبة.

من "مكتوم القيد" إلى "قيد الدرس"

تتداول تقديرات متفاوتة حول عدد مكتومي القيد في لبنان و تراوح بين 50 و80 ألفاً، فيما تبقى الأرقام غير محسومة في ظل غياب إحصاء رسمي شامل لهذه الفئات. لكن خلف كل رقم قصة شخص لا يملك اسماً في سجلات الدولة، أو شخص وُلد على أرضها لكنه لا يستطيع إثبات وجوده القانوني فيها.

 

يوضح المحامي مصطفى نوح أن مصطلح "مكتوم القيد" يُستخدم في لبنان لوصف الشخص غير المسجل في دوائر الأحوال الشخصية، أي الذي لا يملك قيداً رسمياً في السجلات اللبنانية، رغم أن بعض هذه الحالات تعود إلى أشخاص يملكون أصولاً لبنانية. أما "عديم الجنسية"، بالمفهوم الدولي، فهو الشخص الذي لا تعترف به أي دولة كمواطن لديها.

 

غير أن وضع هذه الفئات في لبنان أكثر تعقيداً من تعريف واحد. فهناك، وفق نوح، "مكتومو القيد الإداريون"، وهم أشخاص وُلدوا من أب لبناني أو ينحدرون من عائلة لبنانية مسجلة في سجلات الأحوال الشخصية، لكنهم لم يُسجلوا لأسباب مختلفة، قد يكون بينها إهمال الأهل أو عدم تسجيل الزواج أو التأخر في تسجيل الولادة.

 

وهؤلاء، في الأصل، يملكون حقاً قانونياً في التسجيل، لكن الوقت قد يحوّل الإجراء الإداري إلى قضية قضائية. فإذا لم يُسجّل الطفل ضمن المهلة القانونية (وفق قانون الأحوال الشخصية المادة 12 التي تنص على تسجيل الطفل ضمن مهلة السنة)، يصبح تسجيله مرتبطاً بدعوى أمام القضاء، في مسار قد يطول بحسب المحكمة والملف والإجراءات المطلوبة ومنها فحص الحمض النووي لإثبات رابط العائلة.

 

إلى جانبهم، توجد فئة أخرى أكثر تعقيداً، يصفها نوح بأنها "عديمة الجنسية تاريخياً". وهي تضم عائلات لم تدخل في إحصاء عام 1932، الذي شكّل محطة أساسية في تحديد الجنسية اللبنانية.

 

تختلف أسباب عدم تسجيل هؤلاء؛ فمنهم من لم يدخل الإحصاء لأسباب سياسية، ومنهم من كان غائباً في يوم التسجيل، لكن النتيجة بقيت واحدة: أفراد من عائلة واحدة قد يحمل بعضهم الجنسية اللبنانية، فيما يبقى آخرون وأبناؤهم خارجها.

 

وفي عام 1962، أنشأت الدولة ما عُرف بـ"سجل قيد الدرس" لتسجيل بعض الأشخاص الذين لم يدخلوا في الإحصاء، تمهيداً لدرس أوضاعهم وتحديد مدى أحقيتهم بالجنسية. إلا أن المشكلة، بحسب نوح، أن كثيرين دخلوا هذا السجل وبقي وضعهم معلقاً لعقود، وانتقلت هذه البطاقة أو صفة "قيد الدرس" متوارثة من جيل إلى آخر، وبالتالي لم يصدر أي قرار حاسم بشأنهم رغم مرور 61 عاماً. 

 

وزارة الداخلية الجهة التي تتابع ملف مكتومي القيد في لبنان (تصوير حسام شبارو - النهار)

وزارة الداخلية الجهة التي تتابع ملف مكتومي القيد في لبنان (تصوير حسام شبارو - النهار)

 

وهنا تختلف الدعوى باختلاف الحالة. فدعوى تثبيت القيد لشخص تتوافر لديه عناصر قانونية واضحة ليست كدعوى إثبات الجنسية لشخص لا يستند إلى قيد لبناني ثابت. والفارق لا يتعلق فقط بالإجراءات، بل بالسنوات والكلفة.

 

في دعاوى القيد، قد يستغرق المسار، في الظروف الطبيعية ومن دون عوائق، بين ستة أشهر وسنة ونصف تقريباً، وفق الملف والإجراءات. أما دعاوى الجنسية المرتبطة بحالات أكثر تعقيداً، فقد تمتد لسنوات طويلة. ويشير نوح إلى أن بعض هذه الدعاوى قد يصل إلى نحو عشر سنوات، وتتراوح الكلفة بين 2000 و7000 دولار في الشمال، في حين قد تترواح الكفلة في بيروت بين 10 آلاف و30 ألف دولار، بحسب الحالة.

 

ولا تتوقف الكلفة عند أتعاب المحاماة. فقد تفرض بعض الملفات فحوص الحمض النووي عند الحاجة لإثبات صلة القرابة، وتتراوح كلفة الفحص  بين نحو 125 دولاراً في الشمال و150 دولاراً في بيروت، إضافة إلى المستندات وسائر النفقات الأخرى.

 

وفي بلد يعاني فيه كثير من الأسر من ضغوط اقتصادية، يصبح إثبات حق قانوني مسألة قدرة مالية أيضاً.

 

حتى الحكم القضائي لا يعني دائماً أن الرحلة انتهت. فبعد صدوره، قد تبدأ مرحلة أخرى في الإدارات الرسمية لتنفيذه واستكمال المستندات المطلوبة.

 

أما الأطفال الذين يعيشون خارج السجلات، فتتجاوز آثار وضعهم الورقة الرسمية نفسها. يشير نوح إلى أن غياب المستندات قد يخلق عراقيل أمام العمل الرسمي والرعاية الصحية والتنقل وإنجاز المعاملات، فيما يمكن أن تواجه بعض الحالات صعوبات في الوصول إلى التعليم أو الاستمرار فيه، رغم أن القانون لا يحظر التعليم على مكتومي القيد.

 

ملفات مكتومي القيد على مكتب المحامي مصطفى نوح (الصورة من المحامي مصطفى نوح)

ملفات مكتومي القيد على مكتب المحامي مصطفى نوح (الصورة من المحامي مصطفى نوح)

 

 

عائلة كاملة من دون هوية

لم يعرف مازن (اسم مستعار) في طفولته أنه كان يعيش خارج سجلات الدولة. لم يكن يعرف حتى ماذا تعني كلمة "هوية". كل ما عرفه أنه وُلد في الجرود، وكبر هناك بين الماعز والتنقل الموسمي، من دون مدرسة، ومن دون دفتر صحي، ومن دون ورقة تثبت أنه موجود.

 

"نحنا كلنا ما تسجلنا"  يقول مازن عن عائلته خلال حديثه لـ"النهار". سبعة إخوة وأخوات كبروا بالطريقة نفسها، فيما بقي اثنان من إخوته حتى اليوم في المسار ذاته، بلا هوية. والسبب الفقر والجهل والاهمال.

 

وُلد ماهر وإخوته في الجرود، حيث كانت العائلة تمضي أشهر الصيف، ثم تنزل في الشتاء إلى منطقة أيطو. كانت حياتهم بعيدة عن المؤسسات الرسمية كما كانت بعيدة عن التعليم.  يؤكد مازن "ولا شي تعلمنا، كنا نرعى الماعز، فيما اخوتي الصغار بقوا في المنزل".

 

مرت السنوات من دون أن يسأل أحد عن ورقة الولادة أو دفتر صحي أو هوية. بالنسبة إلى العائلة، لم تكن هذه الأوراق جزءاً من الحياة التي يعرفونها. حتى بلغ مازن نحو الثلاثين. يروي أن أحد الأشخاص سأله يوماً: "إنتو شو ما معكم هوية لبنانية؟". لم يفهم السؤال. "سألته شو هي الهوية؟ قال لي بطاقة هوية".

 

كانت تلك لحظة اكتشاف متأخرة لحقيقة عاشها منذ ولادته فهو موجود لكنه غير مثبت في الدولة. كانت العائلة تعيش في عالمها، فيما كان العالم الآخر  يسير  بإتجاه مختلف. لكن عندما أصبح لديه طفلة، تغيّر كل شيء. 

 

بدأ مازن قبل نحو خمس سنوات بمحاولة معالجة وضعه ووضع اشقائه، واستمر المسار سنوات طويلة بين المعاملات والمحاكم والمحامين ولم يكن ذلك ليحصل لولا مساعدة ابن عمه الذي يعمل خارج لبنان.

 

اليوم، بدأ أخيراً مسار الحصول على هويته. بالنسبة إليه يريد الاستحصال على الهوية حتى يتمكن لاحقاً من إصدار هوية لابنته حتى يكون لها فرصة لدخول المدرسة والتعلّم " بيهمني إنو بنتي ما تطلع بلا شي".

 

بخلاف مازن، تملك ابنته بعض المستندات التي تثبت ولادتها فيما كان بفتقر هو حتى لورقة ولادة أو دفتر صحي.

 

اليوم، بينما يخوض مازن معركته الأخيرة للحصول على هويته، يفكر بشقيقتيه اللتين لا تزالان بلا هوية، وإحداهما متزوجة ولديها خمسة أطفال لم يحصلوا هم أيضاً على هوياتهم. 

اقتراحات قوانين تنتظر الإقرار

تحاول اللجنة الوطنية لمعالجة أوضاع الأطفال اللبنانيين مكتومي القيد نقل المعالجة إلى الوقاية قبل وصولها إلى المحاكم. لذلك تعمل على توعية الأهالي بضرورة تسجيل الولادات والزواج وعدم ترك الملفات حتى تتحول إلى دعاوى قضائية.

 

كذلك أعدت دليلاً قانونياً ودليلاً آخر يتضمن نماذج للدعاوى ومراحل السير فيها، لتسهيل فهم الإجراءات أمام العائلات.

 

وفي مواجهة الكلفة التي قد تفرضها الدعاوى على العائلات، لجأت اللجنة إلى المعونة القضائية التابعة لوزارة العدل، كما عملت على استقطاب نحو 100 محامٍ للمساعدة في هذه الملفات. 

 

لكن سليمان ترى أن معالجة الحالات القائمة لا تكفي من دون تغيير في الإطار القانوني. وانطلاقاً من هذا الواقع قدمت اللجنة، بالتعاون مع لجنة المرأة والطفل النيابية، ثلاثة اقتراحات قوانين: الأول يوسّع الجهات التي يمكنها طلب تسجيل الطفل بإضافة قاضي الأحداث، والثاني يعتبر الطفل مكتوم القيد من الأطفال المعرضين للخطر بما يتيح إخضاعه لحماية قاضي الأحداث، والثالث يشدد على مسؤولية تسجيل الولادات فور حدوثها وما يترتب على عدم التسجيل من مسؤولية قانونية. 

 

وبما أن هذه الاقتراحات لم تصل بعد إلى مرحلة الإقرار، بقيت ملفات مكتومي القيد معلقة وسط تعقيدات تشريعية وإدارية وقضائية. لذلك تعود اللجنة إلى التوعية بوصفها خط الدفاع الأول، وتخطط لحملة في مختلف المناطق اللبنانية للوصول إلى العائلات التي لديها أطفال غير مسجلين، وإلى الأشخاص الذين يعيشون من دون قيد، وكذلك إلى الأزواج الذين لم يسجلوا زواجهم، لحثهم على تثبيت الزواج واستكمال تسجيل أطفالهم. فالقضية، كما تؤكد سليمان، لا تتعلق بورقة مفقودة فحسب، بل بحق طفل في أن يكون مرئياً في الدولة التي يعيش على أرضها.

 

أما جويس، فلا تنتظر إصلاحاً تشريعياً مجرداً. هي تنتظر ورقة تحمل اسمها.

 

بعد 21 عاماً من الحياة من دون هوية، لا تقيس جويس ما تبقى من الدعوى بالأشهر أو الأوراق، بل بما يمكن أن تفعله حين تصبح، للمرة الأولى، قادرة على إثبات وجودها.

 

لقد اختبرت، كما تقول "البهدلة والازدراء والروحي وتعي" خلال أشهر من مراجعة المحاكم والدوائر الرسمية. وكل ما تطلبه اليوم هو أن يُنظر إلى قضيتها وقضايا آلاف غيرها باعتبارها أكثر من ملفات إدارية متأخرة.

 

وفي انتظار اقرار التشريعات، يعيش الأطفال مكتومي القيد خارج كثير من الحقوق الأساسية. "هم بالنسبة إلى الدولة اللبنانية غير موجودين"، يقول نوح، في إشارة إلى الصعوبات التي تواجههم في العمل الرسمي والرعاية الصحية والتنقل والمعاملات اليومية.

 

ورغم أن القانون لا يمنع مكتومي القيد من التعليم، فإن غياب الأوراق القانونية أو الجهل بالإجراءات قد يؤدي إلى رفض بعض المؤسسات تسجيلهم أو إلى تسربهم من المدارس.

 

ويختصر نوح القضية بأنها أبعد من مجرد ملفات فردية أمام القضاء. فهؤلاء، برأيه، "ضحايا الأهل وسياسة الدولة" في آن واحد، ويحتاج ملفهم إلى معالجة وطنية شاملة، لا إلى أن يبقى كل شخص وعائلته عالقين سنوات طويلة بين المحاكم والإدارات، في محاولة لإثبات حق يبدو بديهياً: أن يكون للإنسان اسم وهوية ومكان معترف به في الدولة التي وُلد وعاش فيها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق