رحيل "حافظ المتنبي" مصطفى سبيتي... آخر البيوت كانت اللغة - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
رحيل "حافظ المتنبي" مصطفى سبيتي... آخر البيوت كانت اللغة - تواصل نيوز, اليوم الأحد 20 سبتمبر 2026 06:49 مساءً

حين دمّرت غارة إسرائيلية منزل عائلة الشاعر الجنوبي مصطفى سبيتي في الضاحية الجنوبية لبيروت، بقي له البيت الذي لم تستطع الحرب هدمه: اللغة. فيها أقام حتى رحيله عن 74 عاماً، بعد صراع مع المرض، تاركاً قصائد وكتباً وذاكرة تؤكد أن ما تبنيه الكلمات قد يكون أبقى من الحجر.

 

نعته ابنته، الشاعرة والإعلامية لوركا سبيتي، بكلمات اختصرت حيرة الفقد ودهشته: "الناس عم يقولوا مات… وأنا مبارح كنت عنده، وما قال لي: بكرا بدي موت". ثم وجدت لغيابه تفسيراً لا يقدّمه سوى الشعر: "يمكن بس ملّ من الحكي، ولما صار الحكي سكوت… فتح باب خيالو، وفات".

 

الشاعر سبيتي محاطاً بأفراد عائلته وأحفاده

الشاعر سبيتي محاطاً بأفراد عائلته وأحفاده

 

هكذا بدا رحيل مصطفى سبيتي امتداداً لقصيدته: انتقالاً من الكلام إلى الصمت، ومن الجسد إلى التراب الذي عاد إليه ابن كفرصير، البلدة الجنوبية التي بقيت حاضرة في وجدانه وفي صور شعره.

 

عاش في بيت القصيدة

 

 

ترك سبيتي عدداً من المؤلفات والمجموعات الشعرية، من بينها "براعم على حطب الخليل"، و"سَبَل القوافي"، و"أرَج الروي"، إلى جانب كتابيه "شرح ديوان أبي الطيب المتنبي" و"جذور المكيافيلية في كليلة ودمنة".

ولم تكن علاقته بالمتنبي صلة قارئ بشاعر قديم فحسب. كان يحفظ شعره ويقيم في لغته، حتى إن بعض محبيه أطلقوا عليه، بشيء من المبالغة المحببة، لقب "خليفة المتنبي". كما ارتبط بألفية ابن مالك وبالتراث اللغوي العربي، وظل وفياً للقصيدة العمودية وأوزانها وقوافيها.

لكن هذا الوفاء لم يحوّله إلى حارس جامد للماضي. كان يتعامل مع العربية باعتبارها كائناً حياً، ويبحث في صرامة الوزن عن مساحة للصور والمجازات والانفعال الإنساني. فجاءت قصيدته مشغولة بعناية، واضحة الإيقاع، قريبة من السمع، ومتصلة بتراث لم يكن بالنسبة إليه مخزناً للألفاظ، بل بيتاً فكرياً وجمالياً.

 

بيروت في هيئة سفينة

 

 

في قصيدته "لبيروت الثكلى"، رأى المدينة سفينة تحمل النازح واللاجئ، وتمضي في بحر مضطرب بعدما أرخى ربّانها جفونه:

"للبحرِ يا شريدةَ الشواطئ
أغنيةٌ حزينةْ
تُشجى بها الأمواجُ والموانئْ
تحكي أسى سفينةٍ، مدينةْ".

في هذه الصورة شيء من سيرة لبنان نفسه، ومن سيرة الشاعر الذي عاش تحولات البلاد وخساراتها، وحاول أن يحفظ في القصيدة ما كانت الأيام تبدّده. كانت المدينة عنده أكثر من جغرافيا، كما كان الجنوب أكثر من مكان، كلاهما ذاكرة وصوت ووجوه وحنين.

 

حين احترق المكان وبقيت الذاكرة

 

في سنواته الأخيرة، واجهت عائلة سبيتي واحدة من أقسى الخسارات، بعدما دمّرت غارة إسرائيلية منزل العائلة في الضاحية الجنوبية، وضاعت مكتبة بما احتوته من كتب وهوامش وذكريات ومسودات تراكمت على امتداد العمر. ولم تكن الخسارة جدراناً وأثاثاً فحسب، بل فضاءً حفظ جانباً من السيرة الأدبية والشخصية.

مكتبة الشاعر ليست مجموعة رفوف يمكن تعويضها بشراء نسخ جديدة. إنها خريطة حياته السرية: كتاب عثر عليه في شبابه، وآخر وضع خطاً تحت جملة فيه، وصفحة تحمل تاريخاً أو ملاحظة، وديوان عاد إليه كلما ضاقت العبارة. حين تضيع المكتبة، يشعر صاحبها بأن جزءاً من ذاكرته أصبح بلا عنوان.

ومع ذلك، بقيت اللغة آخر بيت لم يستطع الخراب انتزاعه منه. فالكتب التي قرأها طويلاً كانت قد انتقلت إلى ذاكرته، والقصائد التي حفظها أصبحت جزءاً من صوته. خسر المكان المادي، لكنه ظل يسكن ذلك البيت الأوسع الذي بناه من الأوزان والصور والكلمات.

 

مرثية الابن والأب

 

كتب ابنه الشاعر فيديل سبيتي إلى روحه نصاً تتقاطع فيه الأبوة بالصداقة، والفقد بالسؤال: "يا أبي، يا صاحبي… من مات منّا قبل صاحبه، أنا أم صاحبي؟". وهي عبارة تكشف ما يتركه رحيل الأب حين يكون أيضاً معلماً ورفيق لغة: لا يغيب شخص واحد، بل تنقطع محادثة كاملة كان يمكن أن تستمر.

أما المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، الذي عدّه سبيتي بيته الثاني، فنعاه بوصفه واحداً ممن "عاشوا حياتهم شعراً ولم يغادروا بيت القصيدة". وقد عرفته منابر الشعر والأدب في لبنان، وسبق للمجلس أن كرّمه قبل رحيله، كأن الثقافة أرادت أن تقول له، وهو حاضر، إن أثره أصبح جزءاً من ذاكرتها.


رحل مصطفى سبيتي بعدما أثقلت السنوات جسده، وبعدما رأى جنوبه يتآكل. لكنه ترك ما يصعب هدمه: قصائد وكتباً وأبناء يحملون الشعر، وذكراً في الجنوب الذي أحبه.

عاد الشاعر إلى التراب، كما كتبت ابنته، لكن صوته لم يعد معه. بقي هنا، بين قافية وأخرى، وفي كتاب نجا، وقصيدة يعيد قارئ مجهول فتحها، ليمنح صاحبها حياة جديدة كلما بدأ القراءة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق