نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"إسمي فوزي" لفوزي ذبيان... طفل يرسم دائرة حول الموت - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 أكتوبر 2026 03:10 مساءً
لا يبدأ الموت في رواية فوزي ذبيان "إسمي فوزي... وعمري أربعة عشر عاماً" (منشورات الجمل) بوصفه فكرة يمكن فهمها، بل كلمة يتداولها الكبار فيما يعجز طفل عن مطابقة معناها مع ما يراه. نبيل كان موجوداً، ثم مات. لكن ماذا يعني أن يموت شخص؟ أين يذهب؟ وكيف يستطيع الغائب أن يملأ البيت أكثر مما كان يفعل في حياته؟ من هذه الهوة بين بساطة الكلمة واستحالة معناها، يكتب ذبيان رواية تبدو في ظاهرها استعادة لسنوات المراهقة، فيما هي في عمقها محاولة متأخرة للاقتراب من السؤال الذي لم يعرف الكبار كيف يجيبون عنه.
حين تقول الأم قبل وفاة نبيل: "سلّمتك لله يا بني"، لا يفهم فوزي العبارة. وبعد الموت يسألها ماذا كانت تقصد، فتمسح رأسه وتجيبه: "لما تكبر وتتزوج وتجيب ولاد، بتعرف معناها". لا تمنحه الأم تفسيراً، بل تؤجل المعرفة إلى زمن الرشد، كأن الكبر سيحمل معه الجواب. غير أن الرواية كلها تقوّض هذا الوعد، فالكبار لا يعرفون أكثر من الطفل، وإنما يمتلكون عبارات جاهزة يخفون داخلها عجزهم. الأب والأم والطبيب ورجل الدين يقفون أمام الموت كما يقف فوزي، وإن اختلفت لغتهم وطريقة تستّرهم على الخوف.
صخرة ضخمة من الحزن
بهذا المعنى، ليست "إسمي فوزي" رواية عن موت نبيل بقدر ما هي رواية عن سقوط اليقين الأول: اكتشاف الطفل أن العالم لا تحرسه معرفة سرية في حوزة الكبار. فالأم التي بدت له قادرة على كل شيء تتحول بعد الفاجعة إلى "صخرة ضخمة من الحزن"، والأب الذي كان يرفع إصبعه الأوسط في وجه الآخرين ويملأ الحي بصوته، يستقبل المعزّين بظهر منحني لم يألفه ابنه، ثم تتسلل الهزيمة إلى سلوكه. يلتقط أعقاب السجائر من الأرصفة ويدخنها سراً، ويطيل شعره كأنه يعثر في مظهره الجديد على لغة بديلة من الكلام.
غير أن ذبيان لا يحمّل الطفل وعياً أكبر من عمره، ولا يجعله يراقب انهيار الأسرة ببلاغة الراشد. ففي أكثر المشاهد قسوة، تظل عين الصبي معلقة بتفصيل جسدي صغير. كان شعر نبيل قد تساقط بفعل العلاج الكيميائي، وكان الجميع يواسيه بأن شعره "حيرجع يطلع". ثم يسجل الراوي المفارقة في جملة خاطفة: "وبالفعل عاد شعر نبيل فنبت بقوة فوق رأسه ثم مات". تستعيد الحياة علامتها الخارجية في اللحظة التي ينهزم فيها الجسد. ولا تحتاج الرواية بعد هذه الجملة إلى استعارة كبيرة، إذ يكفي أن ينمو الشعر ويموت صاحبه كي تنكشف وحشية الأمل حين يصل متأخراً.
طفل مثالي صنعته الفاجعة
يقاوم النص تحويل فوزي إلى طفل مثالي صنعته الفاجعة من البراءة الخالصة. إنه يسرق ويكذب ويدخن ويتلصص، ويختبر سلطته على الأشياء الصغيرة بعدما اكتشف أن الأشياء الكبرى تُنتزع منه من دون استئذان. يسرق سيارة لعبة من متجر أبي غسان، ثم يحزن لأنها لا تنطلق كما تخيل. ويسرق الكتب من مكتبة أستاذه، لا حباً بالمعرفة وحدها، بل مدفوعاً أيضاً بلذة الممنوع والخوف من انكشافه. تبدو السرقة هنا أكثر من طيش مراهق. إنها محاولة طفولية لاستعادة حق الأخذ في عالم مارس عليه فعل الأخذ أولاً، حين انتزع منه أخاه وبدّل وجه أبويه.
غلاف الرواية
لذلك لا تسير الذاكرة في الرواية وفق تراتب الأحداث الكبرى. موت نبيل هو مركزها الخفي، لكنها تدور حوله عبر السيارات البلاستيكية والمخللات والقطط والسجائر والكتب المسروقة والبيوت المهجورة وحكايات الجن. لا تفصل الذاكرة بين المأساوي والعابر، ولا تحترم ما يفترض الراشدون أنه "مقام الحزن". قد يستدعي مذاق أو رائحة أو شجرة ما عجزت عن استعادته الحكاية المباشرة. هكذا يرفض ذبيان أن يحوّل الماضي إلى ملف مرتب، ويتركه يعود بالطريقة التي تعمل بها الذاكرة فعلاً: متقطعاً، حسياً، ساخراً أحياناً، ومن دون استئذان.
يلتقي موت المرض بموت الحرب
أما الحرب، فعلى حضورها في خلفية الطفولة وفي الأجساد والبيوت، لا تستأثر بحق تفسير الألم. قبل موته، يتحدث نبيل عن فريال، الفتاة التي قتلتها قذيفة، ويقول إنه "سينتقل بالسلام" إليها. في مخيلة الطفل، يلتقي موت المرض بموت الحرب في مكان واحد يسكنه الغائبون. لكن الكارثة التي تعيد تشكيل الأسرة ليست قذيفة جديدة، وإنما سرطان يدخل البيت بصمت. وتلك واحدة من حركات الرواية الأكثر دلالة: تحرير الذاكرة اللبنانية من إلزامها الدائم بأن تجعل الحرب سبباً وحيداً لكل جرح.
الحدود الصارمة
في مقابل فوضى العالم، يحاول فوزي أن يمنح الكلمات حدوداً. يكتب في دفتر الرياضيات ويضع كلامه داخل مربعات ومثلثات ودوائر، كأن الشكل الهندسي قادر على ضبط ما لا يستطيع العقل ضبطه. غير أن الكلمات تتكاثر وتتزاحم حتى تضيق بها الأشكال. وفي الصفحات الأخيرة، بعد أن "احتشدت المربعات والمثلثات والمستطيلات"، يرسم بإصبعه دائرة ضخمة في الهواء ويكدّس الكلمات داخلها. تتسع الدائرة حتى تبدو قادرة على احتواء الأرض والسماء، وعلى إلغاء "الحدود الصارمة بين موتنا على الأرض وحياتنا الأبدية في السماء".
لكن الكلمات نفسها تتمرد على الدائرة. تتناثر، ولا يبقى منها سوى ما يشبه خيوطاً متدلية من أعلى السماء. عندئذ يستطيع الراوي أن يقول أخيراً: "نبيل مات، حقاً مات". ليس الاعتراف انتصاراً على الموت ولا شفاءً منه، بل قبول باستحالة إحكام الدائرة حول الغياب. فالكتابة لا تعيد نبيل، لكنها تمنع موته من أن يصبح صمتاً كاملاً.
هنا يكتسب العنوان دلالته. "إسمي فوزي" ليست مجرد جملة تعريفية، بل إعلان وجود يأتي بعد العبور في موت الآخر. والاسم، بما يحمله من صدى الفوز، لا يعني أن صاحبه غلب الفاجعة أو فك لغزها. كل ما بلغه، بعد سنوات من الكلمات والدوائر، هو تلك العبارة المترددة التي تختتم الرواية: "ما زلت ربما على قيد الحياة". وبين "نبيل مات" و"ما زلت" تنشأ المسافة التي تسكنها الكتابة: ليست قيامة للميت، وإنما طريقة الناجي في التأكد، ولو على نحو غير يقيني، من أنه لم يمت معه.










0 تعليق