نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كباش الأذرع الأميركي-الإيراني: من يصرخ "أنكل" أولاً؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 4 أكتوبر 2026 06:26 صباحاً
دخل كباش الأذرع بين الإدارة الأميركية والقيادات الإيرانية ووكلائها مرحلة تختبر صدقية التحالفات بقدر ما تختبر القدرة على الردع.
المعضلة أن التفاهم التكتيكي مع ذراع إيرانية قد يقوّيها على حساب حليف استراتيجي، مثلما قد يضعف الانسحاب الأميركي الدولة التي يفترض أنه يمكّنها. واشنطن أمام اختبار عزمها على توظيف تفوقها العسكري في واقع ميداني، فيما تستخدم طهران أذرعها لاستدراج حرب أوسع تحشد للنظام مؤازرة شعبية وتصرف الأنظار عن الانهيار الاقتصادي وتداعياته الاجتماعية داخل إيران.
المملكة العربية السعودية تقع اليوم في صميم هذا الكباش، مطوّقة من الجنوب عبر الحوثيين في اليمن ومن الشمال عبر الفصائل العراقية المرتبطة بإيران. العراق في عين الخطر وهو يخرج من حماية الوجود العسكري الأميركي فيما سلاح الفصائل باقٍ، باستهداف متعمّد للسيادة وإصرار على تطبيق نموذج الحكم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية عليه. الحرس الثوري الحاكم في طهران يستخدم الفرصة لإعادة صياغة «محور المقاومة الإسلامية» وتموضعه في العراق بعد خسارته سوريا، بمساهمة محورية من الميليشيات الحوثية التي باتت ذخيرة رئيسية لطهران بعد انحسار قيادة حزب الله للأذرع الإيرانية.
التفاهمات الأخيرة بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وبين الحوثي الذي تصنّفه واشنطن إرهابياً أساءت للسمعة الأميركية الملوثة بتهمة سرعة خيانة الحلفاء. برغم محدوديتها البراغماتية لتجنب توسيع الحرب مع إيران واحتواء الطموح الحوثي في باب المندب، قرأ الحوثي فيها ضعفاً أميركياً وحاجة إليه، وتصرّف بثقة الحماية كأنه شبه شريك، يمنحه عدم استهداف الأميركيين مساحة لتعميق العدوان على حلفائهم. تقليص المخاطر على الولايات المتحدة قد ينقلها إلى شريكها الاستراتيجي؛ وهذا انطباع مؤذٍ للمصالح الأميركية كما للحلفاء، يستدعي تصحيحاً عاجلاً.
التفاهم مع الحوثي تكتيكي، والتحالف مع السعودية ودول الخليج استراتيجي. هذا الترتيب يجب أن يظهر في السياسة الأميركية، لا في بيانات الطمأنة وحدها. تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو التزام واشنطن تعهداتها الدفاعية تجاه السعودية مهم، لكن الامتحان في منع الحوثي من تحويل التفاهم إلى حصانة. تفعيل طهران للجبهات الحوثية والعراقية يلتقي عند القرار الأميركي المؤجل في شأن إيران.
مؤخراً، أصبح الخيار العسكري الأميركي الموسع ضد إيران جدياً، وإن كان لا يزال قراراً أولياً للرئيس الأميركي ولم يتحول إلى قرار نهائي بموعد تنفيذي. دوافعه الأساسية تكمن في عدم تمكن حكام الجمهورية الإسلامية الإيرانية من تلبية المطالب الأميركية المتعلقة بالبرنامج النووي الذي هو في صلب عقيدة النظام. اعتداءات الأذرع، بما فيها تطويق السعودية، لا تتجاوز الملف النووي أهمية أو أولوية. لكن ما يترتب عليها خطير، لاختبارها صدقية الولايات المتحدة، ولكشفها رعونة الحرس الثوري ووكلائه وجرأتهم على التطاول الاستراتيجي، ظناً منهم أن ترامب مقيّد بالانتخابات النصفية، وأنه رجل لن يجرؤ.
الفارق كبير بين إعداد خيارات يستطيع ترامب استخدامها للضغط، وبين انتقاله إلى الاقتناع بأن مواصلة التأجيل تزيد كلفة المواجهة المقبلة. لذلك لا تجوز الاستهانة بالتحضيرات العسكرية، مثلما لا يجوز الرهان على التفاهمات البراغماتية العابرة، ومثلما لا يجوز قصر النظر الاستراتيجي في هذه المرحلة المفصلية.
الحرس الثوري قد يكون ساذجاً في رهانه على الانتخابات النصفية بوصفها حصانة مؤقتة. حسابه أن ترامب لا يريد حرباً ترفع أسعار الطاقة وتربك الناخب الأميركي وتضعف الجمهوريين. لكنه يفترض أن الرئيس سيتصرف وفق مسار واحد مهما تبدلت الظروف. احتمال خسارة الجمهوريين الكونغرس، أو أحد مجلسيه، قد يدفع ترامب إلى تسريع قراره العسكري قبل أن يقيّد كونغرس ديموقراطي قدرته على تنفيذه. الخسارة لا تقيّده في اليوم التالي؛ ثمة فترة قبل تسلم الكونغرس الجديد مهامه، وصلاحيات رئاسية لا تلغيها النتيجة الانتخابية. الاطمئنان الإيراني إلى الروزنامة الأميركية مغامرة.
استخدام الحوثيين والفصائل العراقية لرفع كلفة التردد الأميركي قد يقنع ترامب بأن تأديب الأذرع وحده ليس كافياً، وأن الوقت حان لإجراءات مباشرة ضد راعي الوكلاء وعقلهم المدبّر، الحرس الثوري الراديكالي العقائدي الحاكم في طهران. هذا لا يجعل الحرب حتمية، لكنه يجعل الاستفزاز مغامرة.
تعزيز الدفاعات الأميركية في الخليج يكتسب معناه هنا. إرسال بطاريتي باتريوت إضافيتين لحماية منشآت للطاقة في السعودية وقطر يقلص انكشاف الشركاء أمام الرد الإيراني، ويوسع هامش القرار الأميركي. الحماية لا تعني موافقة خليجية على الحرب أو استعداداً لدفع ثمنها، لكنها تؤكد أن أمن المنشآت النفطية والغازية جزء من حسابات أي عملية موسعة، وليس تفصيلاً يلي اتخاذ القرار.
الحوثيون يختبرون بدورهم حدود المعادلة. إعلان القوات الحكومية اليمنية تنفيذ عشرين غارة على أهداف حوثية في تعز خلال ثلاث ساعات يضيف كلفة ميدانية إلى الحساب الحوثي. لا تكفي الغارات للحكم بأن معركة الحسم بدأت، لكنها تؤكد أن تهديد الجوار لا يعفي أصحابه من كلفة داخلية.
هذا كله لا يعني أن السياسات الأميركية ناضجة أمام السياسات الحوثية والإيرانية الساذجة. ما بين النضج والسذاجة مسافات كبرى، والعراق يكشف إحداها. توم براك، أحد أبرز مهندسي سياسة الإدارة نحو المشرق، يرى في الانسحاب فرصة لتمكين الحكومات وسحب ذريعة مقاومة الوجود الأميركي من القوى المسلحة. تحدث عن انتقال الولايات المتحدة إلى دور الصديق والشريك، وعن فرصة أمام رئيس الوزراء علي الزيدي لتوحيد القوات العراقية. المشكلة أن سقوط الذريعة لا يسقط المشروع الذي استخدمها، ولا يحوّل تلقائياً موازين القوة لمصلحة الحكومة.
ماركو روبيو يبدو أكثر إدراكاً للخطر حين يحذر من «بلقنة العراق» إن لم يُنزع سلاح الميليشيات. لكن الانسحاب جرى وفق جدوله، فيما حصرية السلاح رُحّلت إلى حزيران المقبل. البنتاغون يحمّل بغداد المسؤولية الأساسية عن مواجهة بقايا داعش والميليشيات المتحالفة مع إيران. هذا يحدد المسؤولية، ولا يخلق القدرة. دعم الزيدي سياسياً لا يمنحه أدوات إخضاع الفصائل التي أسهمت في إنتاج معادلة الحكم. كيف يتحول خروج القوات إلى تمكين للدولة إن كانت القوى التي تنازعها السيادة تحتفظ بقدرتها العسكرية وتكتسب وقتاً إضافياً لترسيخ مواقعها؟
إيران تستفيد من تخفيف الضغط المباشر على حلفائها، فيما تحتفظ الفصائل بأدوات التأثير في قرارات بغداد. الأخطر تثبيت قوة موازية للجيش على غرار موقع الحرس الثوري في إيران، بغطاء مؤسساتي وتمويل عراقي وقرار مستقل عن الحكومة. إدراج المقاتلين في مؤسسة رسمية لا يكفي إذا بقيت سلسلة الأوامر والولاء والقرار العسكري خارج سلطة الدولة. عندئذ يصبح الدمج وسيلة لحماية الازدواجية. المطلوب يتجاوز إدارة العلاقة مع الحشد الشعبي إلى إنهاء استقلال القرار العسكري والمالي والتنظيمي للفصائل.
هذا النموذج يحمل مخاطر تمزيق العراق. الهيمنة المسلحة باسم مكوّن واحد تدفع المكوّنات الأخرى إلى البحث عن حمايات مضادة. ليس الحشد الشعبي تنظيماً واحداً، ولا يجوز اختزال جميع المنتسبين إليه في قرار إيراني، لكن الفصائل المرتبطة بطهران تستفيد من الالتباس بين المؤسسة والفصيل. البلقنة قد تبدأ من الانفصال بين الشكل الدستوري للدولة ومراكز القوة الفعلية داخلها، قبل أن تظهر على الخريطة.
الخطر على السعودية ناتج من قابلية تشغيل الجبهتين العراقية والحوثية معاً خارج قرار الحكومات. لا يكفي التزام فصيل التهدئة في ساحته إذا استطاعت شبكة الأذرع نقل الضغط إلى ساحة أخرى. لا يمكن مطالبة الرياض بالاطمئنان إلى تعهدات الحكومات إن كانت الجماعات المسلحة تستطيع تجاوزها، أو الاكتفاء بتعزيز الدفاعات من دون معالجة القدرة على تكرار الاعتداء.
الصين تُختبر هنا في دورها راعية لاتفاق بكين السعودي الإيراني، وفي الضمانة السياسية التي يفترض أن تمنحها تلك الرعاية. على السعودية أن تسألها مباشرة: أين أنتِ كضامن، وأين اتفاق بكين؟ الاتفاق قام على احترام السيادة وعدم التدخل، ولا يمكن فصل صدقيته عن أمن المملكة حين تهدده أذرع مدعومة من إيران. المطلوب من بكين استخدام نفوذها لدى طهران، لا الاكتفاء بدعوات إلى ضبط النفس تساوي بين المعتدي والمستهدف. حماية رصيدها الديبلوماسي تتطلب حماية مضمون الاتفاق بموقف ونتائج، لا باستحضار صورة توقيعه.
لبنان جزء من الاختبار أيضاً. تراجع قوة حزب الله لا يلغي مصلحة الحرس الثوري في إنعاشه، ولا يبرر إعادة الملف اللبناني إلى سلة المساومة الأميركية الإيرانية. النجاح الأميركي هناك يُقاس باستعادة الدولة قرارها، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح، لا بمنح طهران حق التفاوض على سيادة بلد آخر. تمكين الحكومة اللبنانية، مثل العراقية، يحتاج إلى أدوات فعلية، ومعالجة مصادر قوة الجماعات التي تنازعها السلطة.
كباش الأذرع يكشف خللاً في رهانات الطرفين. واشنطن قد تضعف تحالفاتها حين تفصل تفاهماتها التكتيكية عن التزاماتها الاستراتيجية، وطهران قد تحوّل أذرع حماية النظام إلى أسباب لاستهدافه. على أراضي السعودية والعراق واليمن ولبنان يتقرر إن كان تأجيل القرار يمنع الحرب أم يهيئ لحرب أوسع. من يصرخ «أنكل» أولاً لن تحدده شدة التهديد وحدها، بل قدرة كل طرف على تحمّل نتائج رهاناته.











0 تعليق