نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
وجيه نحلة: عبقريةُ الرَسم بالضَوْء - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 09:07 صباحاً
هو صاحبُ جُرأَتَيْن: أَن يَرسمَ أَمام الجمهور لوحةً مكتملةً متكاملةً من أَلِفِها إِلى الأَلِفِ التالية، وأَن يُنهيها في فترةٍ قياسيةٍ قد يحتاج سواه أَضعافَها لإِنجازها في المحترف على مهلٍ وفي تَرَوِّي بُرهات التأْليف.
معاينة وسرعة ريشة
لو لم يكن لي أَن أُعاينه - في احتفالات السوى، أَو في أُخرى من تنظيمي (في ضهور الشوير ودوما، وفي الجامعة اللبنانية الأَميركية LAU) - لَما كنتُ أُصدِّقُ أَن يرسم في جلسة كاملة (أَحيانًا لا تتعدَّى الساعة الواحدة)، يبدأُ من قماشة كبيرة بيضاء، ويروح "يؤَلِّف" لوحته تباعًا أَمام الجمهور، فيما على المسرح، أَو إِلى المنبر، ندوة أَدبية أَو قراءات شعرية ونثرية. فلا تنتهي الندوة إِلَّا وهو يضع لمسته الأَخيرة على اللوحة اكتملَت بتوقيعه الشهير.
هذا هو وجيه نحلة (1932-2017) المبدع التشكيلي اللبناني الذي جمعَ نغميَّة الأَلوان إِلى جماليا الحروفية إِلى سُطوع الأَشكال، وفي سرعة تأْليف مُذْهلة، جعلَت سعيد عقل يسمّيه "الفنان العاصفة". فهو، عدا مئاتٍ من لوحاته الرائعة تحفل بها متاحف وغالريات عربية وعالَمية، وتزدهي بها قصورٌ وحارات، ترك عند وفاته عشرات اللوحات في محترفه، كبيرة الحجم ومتوسطه وصغيره.
بسْم الله الرحمن الرحيم
قدموسُ أَبجديةٍ جديدة
كأَنه لا يَرسم بالريشة يغطُّها في مَلْوَنِهِ أَو يخلُطها معًا من الأَنابيب. بل كأَنه يرسم بِما يتخطَّى الريشات والأَنابيب والـمَلْوَن، ليرسم بمادة هيولانية لا علاقة لها بِما نأْلفه ونعاينه ونتابعه ونشاهده في الزيتيات والمائيات والإِسلاميات.
بمادة ضوئية؟
ربما هي الكلمة الأَقرب إِلى أُعجوبياته.
فعلًا هو يرسمُ بالضوء. تستحيل الريشةُ بين أَنامله منارةً تنقُل اللون، في سحر الإِبداع، من مخيِّلةٍ لديه وِسْعَ الأُفُق، إِلى مساحةٍ على القماشة البيضاء، تَضيق بها المساحةُ، فتكسر الأُفُق المحدود إِلى ضوءٍ لا يتَّسع له مدًى، ولا يحصُره إِطار. كأَنما لوحته حين تنتهي على القماشة البيضاء بحدودها المشدودة، تَبدأُ في مخيِّلة المتلقي إِلى أُفُق بلا حدود.
وجيه نحلة في آخر حوار معه (2016)
من أَين تبدأُ لوحته؟
أَين تـنـتـهي؟
تلك أَبجديته التشكيلية التي لم يفكَّ أَسرارَها أَحدٌ بعد، والأَرجحُ لن.
من زمانٍ وهو يعاين السرَّ الذي ينغلق، فلا يفكُّ الرصدَ إِلَّاه. من يوم ترك التعبيرية الانطباعية (وهو، على صعوبتها، أَجاد بها سيّدَ امتشاقِ ريشةٍ عاليةِ التعبير الصعب، على طريقه معلِّمه: الكبير مصطفى فرُّوخ) )، نحا صوبَ الحروفية، فلم تعد الحروفيةُ معه تخطيطًا مسطَّحًا، بل اختطاطًا عُـمْـقِـيًّا يتوسل النبع عَبًّا من الجذور، لينشب إِلى الفَوق، صوب الكلمة، صوب المدى الأَرحب، صوب الله. ومع حروفياته، أَخذتْ ترقصُ الحروفُ على عزف الروح في أَلوان الفرح، فلم تعد اللوحة حروفًا راكدة، بل زاغت عرسًا من الأَحرف الراقصة المتمايلة المتحركة، حتى ليتعب الإِطار ولا تـتعب اللوحة.
عبقرية الحروف التي تغنِّي
وللدراويش تراويح ملوَّنة
من الحروفية إِلى الدراويش، آهاتُ جمالٍ تـتـحـرَّك على القماشة البـيـضاء. تستحيل القماشةُ أُغنيةً من ميلوديا ألوانٍ تـتهافت عليها الخطوط فلا تستَلْحِق، لأَن اللونَ أَسرعُ من الخط، والخطَّ أَسرعُ من الحرف، والحرفَ لم يعُد مجرَّدَ جُزء من كلمة، بل يتباهى أَحيانًا بأَنه صار هو الكلمة كلها.
ويتوغل أَكثر في الذات، في الداخل، في النفْس الجَـوانية الأَمّارةِ بالجمال، فتخرج من أَشكاله أَشكالٌ لا هي بالهندسية الجامدة، ولا بالتخطيطية الزُخرفية، ولا بالـتَـزَوِّي المأْلوف. إِنها أَشكالٌ تَـعـبُـرُ المقايـيس الهندسية إِلى مقايـيس أُخرى تـتـشـظّـى هنا فكرةً، هناك عَـنْـدَلَـةً، هنالك بوحًا، حتى لتغدو اللوحة مهرجانًا من الأَبجديات الهندسية لا يُؤْتى لها قرار.
عبقرية الرسم بالضوء
ويتوغل بعد، فيرسم بالضوء.
هل مَـن يرسم بالضوء؟ نعم: هو.
ضاقَت به الريشةُ على التعبير. ضاق به اللونُ عن الصراخ. ضاقت به القماشةُ البـيـضاء عن المدى. فكسرَ كلَّ مأْلوف، وقرَّر أَنْ يـجـرُؤ: أَخذ يرسم بالضوء... بالضوء الذي لا يُـلْـمَس، بالضوء الذي لا يُـرَكَّـب، بالضوء الذي يأْتي من لا مكان ومن كل مكان، ليذهب لا إِلى مكانٍ وإِلى كل مكان.
كيف يَـحصرُ الضوء؟
كيف يَـلُـمُّـهُ شعاعاتٍ شعاعات، ويكسرُها فـتـنـحـنـي له مطواعةً على ريشته، مـلـوَّنـةً بـبـراعته في نغمات الإِيقاع؟
هي هذه عبقريتُـه. هي هذه لعبتُـه الكبرى.
هو هذا سرُّه الكـبـيـر: أَنه رَسَمَ بالضَوء.
يرسم مباشرةً أَمام الجمهور
ميلوديا الخطوط والأَلوان
هل مَـن قبلَهُ جَرُؤَ أَن يجعل الضوءَ مادةً لريشته؟ هو جَــرُؤ. وسكبَ على حياتـنا التشكيلية ميلوديا ملوّنةً من عرس الجمال.
ميلوديا يوقِّعها بنوطاتٍ من الغزَل الشفَّاف، والبوح الشفيف، والحُـب الأَشَـفّ، في لوحة يـباهي لبنانُ بها معارضَ العالم، بابـنٍ له تجاوزَ الريشةَ والـمَـلْـوَنَ والقماشةَ البـيـضاء والأَلوان، ليرسم بالضوء، بوحدِهِ الضوء، ما هي أَبجديةٌ تشكيلية جديدة.
أَبجديةٌ... قدموسُـهـا المعاصر: وجيه نحلة.













0 تعليق