نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الوجوه نفسها كلّ يوم: كيف يُؤثّر تكرار بيئة العمل على صحتك النفسية؟ - تواصل نيوز, اليوم الخميس 8 أكتوبر 2026 06:16 صباحاً
كريستابيل نجم
غالباً ما تُطالعنا الوجوه المجاورة في أيامنا الأولى داخل بيئة العمل بملامح يغلب عليها الجفاف والوجوم، فمنهم من يُبدي انشغالاً صارماً لا يترك مساحةً لابتسامة ومنهم من تحكمه طبيعة حذرة لا تُعطي انطباعاً مريحاً للوهلة الأولى.
مع مرور الأيام وتبدّد رهبة البدايات نبدأ بفكّ شفرات تلك الشخصيات لِنكتشف أنَّ خلف ذلك الجفاف الظاهري قلوباً نبيلة وسلوكيات راقية، بينما نُدرك أنَّ وراء بعض الابتسامات اللّطيفة نفوساً تحمل الكثير من الحسد والأذى.
لكن المفارقة تكمن في ذلك المشهد الثابت الذي نعيشه يومياً: رؤية الأشخاص أنفسهم صباحاً ومساءً.
قد يُراودنا ثقلٌ داخلي وتأفّفٌ من أبسط تصرّفاتهم، فهؤلاء أفرادٌ جمعتنا بهم ظروف المهنة وأصبح حضورُهم المتكرّر معادلة معقّدة، تارةً يمنحنا الأمان وطوراً يُرهق سلامنا الداخلي.
الحفاظ على مساحة وشبكة علاقات مستقلّة (Pexels)
أبعاد الألفة والتكرار اليومي
تستوقفنا في بيئة العمل ظاهرة تتأرجح بين السكينة والإنهاك، رؤية الوجوه نفسها يومياً ومدى انعكاس هذا التكرار على صحتنا النفسية.
يرى الاختصاصي النفسي السريري، ناجي موسى، أنَّ "هذه الألفة تمنحنا الراحة والانتماء، لكنَّها قد تتحوّل مع الوقت إلى مصدر للضغط، تبعًا لجودة العلاقات، مدى احترام الحدود وتوافر فرص التعافي.
لا تقتصر الحاجة إلى الاندماج على مجرّد التواجد في مكان العمل، بل تمتد إلى بناء تفاعلات مستقرّة تمنح الفرد شعوراً بالتقدير والقبول.
ويوضح وفقًا "لنظرية متطلّبات العمل وموارده" أنَّ هذه الروابط قد تُمثّل مصدراً للدعم، تعزيز التعاون أو الضغط نتيجة الخلافات والتدخّلات المستمرّة.
تُظهر أبحاث "تأثير مجرّد التعرّض" أنَّ تكرار اللّقاءات قد يُعزّز الألفة والإعجاب، بشرط أن يبقى التفاعل خالياً من التوتر وألّا يتحوّل تكراره إلى مصدر للإرهاق.
لا تكمن المشكلة في تكرار الوجوه في بيئة العمل، إنّما بالجهد الانفعالي الذي يبذله المرء لإظهار الودّ وإخفاء الانزعاج بما يتوافق مع متطلّبات الوظيفة وهو ما قد يستنزف رفاهه النفسي ويُسرّع الشعور بالتعب.
تفكيك السُّمية والحماية النفسية
لا تعني رغبة الموظّف في الابتعاد عن زملائه بعد الدوام جفاءً أو كراهية بل قد تكون حاجة طبيعية للتعافي بعد يوم من التركيز والجهد العاطفي، كما يُساعد الوقت المنفرد والانفصال النفسي على خفض القلق، تحسين جودة النوم والرفاه.
يُشير موسى إلى أنَّه "من الضروري التمييز بين المساحة الشخصية الصحية التي تُساهم في استعادة النشاط والانسحاب المرضيّ الذي قد يترافق مع الضيق، اضطرابات النوم وتراجع الأداء وهي مؤشّرات إرشادية لا تشخيصية".
يتزايد النفور من زميل إلى آخر نتيجة نقص الراحة لا بسبب الاعتياد على وجوده.
ويُضيف: "وصف بيئة العمل بالسّامة ليس تحليلاً نفسياً والأدقّ هو تحديد السلوكيات المؤذيّة كالتنمّر، تجاوز الحدود وما تُسبّبه من اكتئاب.
الانفصال الذهني حاجة صحية للتّعافي (Pexels)
لذا، تقع على المؤسّسات مسؤولية معالجة المخاطر النفسية والعنف المهني بدل رمي اللّوم على حساسية الموظّف.
فالتكيّف مع الفريق يكون صحياً حين يقترن بالمساندة والاختيار بينما يتحوّل الروتين إلى عبء عند غيابهما".
لِحماية الصحة النفسية، يُنصح بِـ:
- تحديد مصدر العناء
- وضع حدود مبكرة
- اقتطاع وقت للتعافي
-طلب الدعم المهني أو المختصّ عند استمرار الإجهاد
حدود العمل بين الشريكين
يُؤكّد موسى إلى أنَّ "عمل الشريكين في المؤسّسة نفسها قد يكون صحيًا، ما داما يُحافظان على استقلاليّتهما وحياتهما خارج العمل، فيما يُعزّز الانفصال النفسي بعد الدوام على التخفيف من الضغوط".
الحدود بين الشريكين (Pexels)
يتطلّب هذا القرب حدوداً واضحة تشمل:
- احترام أوقات التركيز
- فصل الخلافات الشخصية عن العمل
- الحفاظ على مساحة وعلاقات منفصلة لكلّ طرف
- تخصيص وقت للبعد عن شؤون الوظيفة
إذا استمرّت الخلافات، تُصبح إعادة النظر في هذه الحدود ضرورية لحماية العلاقة والعمل معاً.
يتطلّب الحفاظ على السلام النفسي في العمل توازنًا وحدودًا واضحة وعند مواجهة سلوك مسيء يُمكن اللّجوء إلى الشكوى الرسمية مع ضبط الانفعال، تفادي تهويل الموقف أو أخذ الخلافات المهنية على محمل شخصيّ.
لا يصحّ ترك العمل بسبب وجود أشخاص غير مريحين، كما لا ينبغي التقرّب المفرط منهم، فالعلاقات السليمة وحفظ الخصوصية يُشكّلان درعًا تحدّ من الاستغلال والشائعات، خاصةً في المؤسّسات التي تحكمها الأقدمية أو المحسوبيات.
يبقى التفريق بين الزمالة والصداقة مع إبقاء العواطف الشخصية خارج المكتب، الحفاظ على الودّ وتجنّب النميمة، ركيزة للاستقرار النفسي والاستمرارية المهنية.













0 تعليق