نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اعترافات "سنيّة" التي أُجبرَت على الزّواج... في تونس أسئلة تتجاوز القانون - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026 06:26 صباحاً
رغم أن التشريع التونسي حدد سن الزواج بـ 18 عاماً، وأخضع زواج من هم دون هذه السن لإذن قضائي، لا يزال الزواج المبكر حاضراً في تونس، وإن كان محدوداً مقارنة بعدد من دول المنطقة.
وخلف القوانين والإحصائيات حالات لفتيات وجدن أنفسهن أمام مسؤوليات الزواج والأمومة في وقت كان يفترض أن يكنّ فيه على مقاعد الدراسة.
من بين هؤلاء سنيّة، وهي اليوم في أواخر الثلاثينيات من عمرها، وتعيش في أحد الأحياء الشعبية بضواحي العاصمة تونس، وتعمل في تنظيف المنازل، كما تقضي ساعات طويلة في محل لبيع المواد الغذائية لتأمين دخلها.
خافت العائلة من كلام الناس
تعود قصتها إلى أكثر من عشرين عاماً، عندما كانت في السادسة عشرة من عمرها، وقررت عائلتها تزويجها من رجل يكبرها بأكثر من عشرين عاماً.
كانت سنية قد غادرت المدرسة في الثالثة عشرة، بعد فشلها في الحصول على الشهادة الابتدائية. وعاشت مع أسرة متواضعة تضم ثمانية أبناء، بينهم أربع فتيات، في منطقة ريفية. وبعد مغادرة المدرسة، لم تكن أمامها فرص كثيرة لتعلم حرفة، فاتجهت إلى العمل في الحقول، كأغلب نساء قريتها.
هناك تعرفت إلى شاب في أواخر الثلاثينيات من عمره، وأعجبت به وبدأت تلتقيه سراً.
لكن الأمر لم يبق سراً طويلاً، فقد وصلت أخبار العلاقة إلى إخوتها، فقررت العائلة تزويجها منه بسرعة، خوفاً، كما تقول، من حديث الناس ومن تأثير ذلك على فرص شقيقاتها في الزواج مستقبلاً.
توجهت العائلة إلى القضاء وحصلت على إذن بالزواج. لكن العروس الصغيرة تؤكد أنها لم تكن موافقة على القرار، تقول: "لم أكن أرغب في الزواج... كنت أشعر أنني ما زلت طفلةً أعيش مراهقتي، لكنني كنت أخشى رد فعل إخوتي... كنت أعلم أن الأمر قد يصل إلى تعنيفي وتقييدي داخل غرفة مغلقة، كما حدث مع إحدى صديقاتي التي تجرأت على رفض الزواج من ابن عمها".
طفلة خائفة
في السادسة عشرة، انتقلت سنية إلى منزل زوجها الذي لم يكن يملك عملاً أو منزلاً مستقلاً، لتعيش معه في غرفة داخل منزل عائلته. تقول إن حياتها تغيرت منذ ذلك اليوم، وإنها واجهت العنف والإهانة من زوجها وأفراد من عائلته، بينما كانت تتحمل أعمال المنزل رغم صغر سنها.
بعد أشهر، أنجبت طفلها الأول. كانت المرة الأولى التي تجد فيها نفسها مسؤولة عن رضيع، بينما كانت لا تزال تشعر بأنها طفلة. تقول: "كنت خائفة ولا أعرف ماذا أفعل معه أو كيف أعتني به".
وتستحضر يوم ولادتها، متذكرة الخوف والذعر اللذين انتاباها وهي تضع طفلها، بينما كان جسدها النحيل يواجه آلام الولادة.
استمر العنف، بحسب روايتها، وكان زوجها يعود أحياناً في حالة سكر. ومع عدم وجود مصدر دخل ثابت، عادت إلى العمل في المزارع، لكنها هذه المرة لم تكن وحيدة، إذ اصطحبت طفلها معها بعدما رفضت حماتها الاعتناء به أثناء غيابها.
تقول سنية إنها فكرت في الانتحار خلال تلك الفترة، إذ لم تكن ترى الطلاق خياراً متاحاً، خشية رد فعل إخوتها إذا عادت إلى منزل عائلتها ومعها طفلها. "كان الطلاق عاراً كبيراً بالنسبة لسكان قريتنا"، تقول.
لاحقاً وبسبب الظروف الاجتماعية الصعبة، قررت سنية المغادرة إلى العاصمة، حيث بدأت حياة جديدة في أحد الأحياء الشعبية.
هناك أنجبت طفلة ثانية، لكنها هذه المرة كانت سيدةً أكثر وعياً ونضجاً، وتقول إن أكثر ما يمنحها شعوراً بالفخر اليوم هو أنها قررت الاكتفاء بإنجاب طفلين وأن ابنتها دخلت الجامعة وحققت ما لم تتمكن هي من تحقيقه.
ورغم مرور السنوات، لم تنس المتحدثة ما عاشته. وتقول إنها لا تزال تحمل آثار تلك التجربة، وإنها تحرص على نصح ابنتها بتأجيل الزواج إلى حين إنهاء دراستها والعثور على عمل.
وتضيف: "حُرمت من طفولتي ومراهقتي، وما زال شعور الخوف يلاحقني إلى اليوم".
ورغم ما تعانيه من أمراض في سن مبكرة نسبياً، تقضي سنية اليوم ساعات طويلة في العمل لتأمين حياة عائلتها، خصوصاً أن زوجها لا يعمل وقد تقدم به العمر. وتقول إنه، رغم ذلك، لم يتوقف عن تعنيفها معنوياً وإهانتها.
(تصميم النهار)
ظاهرة لم تختف رغم تراجع الأرقام
قصة سنية ليست حالة معزولة، لكنها أيضاً لا تعكس انتشاراً واسعاً للزواج المبكر في تونس.
وتُظهر أرقام المعهد الوطني للإحصاء، وهو مؤسسة حكومية، اتجاهاً تنازلياً واضحاً في عدد زيجات الفتيات في الفئة العمرية بين 15 و19 سنة خلال الفترة الممتدة من 2015 إلى 2023.
بلغ عدد الزيجات المسجلة لفتيات بين 15 و19 سنة 6,873 حالة في 2015، قبل أن يتراجع إلى 5,539 في 2016، و5,001 في 2017، ثم إلى 4,712 في 2018، و3,826 في 2019.
وفي عام 2020، انخفض العدد إلى 3,132 حالة، قبل أن يسجل ارتفاعاً طفيفاً في 2021 إلى 3,154 حالة، ثم يتراجع مجدداً إلى 2,979 في 2022 و2,712 حالة في 2023.
وتشير أرقام أوردتها صحف محلية إلى تقديم أكثر من ثلاثة آلاف طلب للحصول على إذن قضائي بالزواج خلال عامي 2013 و2014.
ووفق عدد من الخبراء، فقد شهدت الظاهرة زخماً واضحاً مع عودة الإسلاميين للحكم بعد أحداث 2011 حين تنامى الخطاب المحافظ مقابل تراجعها بعد عام 2017.
وتنقل تقارير لليونيسف أن نسبة زواج القاصرات في تونس لا تتجاوز 2%، وهي نسبة أقل من المعدلات المسجلة في عدد من دول المنطقة، بينها اليمن والسودان.
الفقر والانقطاع عن الدراسة
تربط الاختصاصية الاجتماعية والناشطة الحقوقية نجاة العرعاري الزواج المبكر، في عدد من الحالات، بالبيئة الاجتماعية والاقتصادية.
وتقول إن الظاهرة تظهر خصوصاً في المناطق الريفية، حيث يمكن لطبيعة الاقتصاد الزراعي أن تدفع بعض الأسر إلى تأسيس الأسرة في سن مبكرة. كما يرتبط الزواج، وفق تفسيرها، بوضع الفتاة داخل الأسرة بعد انقطاعها عن الدراسة.
وفي الأسر المحدودة الدخل، قد يتحول تزويج الفتاة، بحسب الناشطة الحقوقية، إلى خيار تراه العائلة أقل كلفةً وأكثر ضماناً لمستقبلها.
كما قد يكون الزواج خياراً للحفاظ على الثروة في الأسر الغنية، وفق المتحدثة.
لكن العرعاري تشير في الوقت نفسه إلى تراجع الظاهرة خلال السنوات الأخيرة، وتربط ذلك بارتفاع كلفة الزواج حتى في المناطق الداخلية، وارتفاع نسبة تمدرس الفتيات، وتزايد أهمية التعليم بالنسبة إليهن.
استثناء قانوني
ينص القانون التونسي على أن السن القانونية للزواج هي 18 عاماً. أما من هم دون هذه السن، فيمكن تزويجهم بإذن قضائي وفي حالات استثنائية.
ويشرح القاضي عمر الوسلاتي أن الطلب يُقدم من وليّ الفتاة، ثم تنظر المحكمة في الحالة وتستمع إلى الفتاة قبل اتخاذ القرار، استناداً إلى ما يعرف بـ"مصلحة الطفل الفضلى".
ويشير إلى أن القاضي يمكن أن يرفض الطلب، ومن بين الحالات التي قد تؤثر في القرار وجود فارق كبير في السن بين الفتاة والرجل، أو عدم قدرة الرجل على تأسيس أسرة والإنفاق عليها. كما يؤكد أن منح الإذن يعود حصراً إلى القضاء.
ويستحضر حالات تصل فيها الفتاة إلى المحكمة وقد وضعت الحناء على يديها، فيما يحمل وليها دعوات حفل الزفاف والمرطبات، في محاولة لجعل الزواج أمراً واقعاً قبل صدور القرار.
من زواج القاصر من مغتصبها إلى تجريم الفعل
تقول رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية راضية الجريبي إن الزواج المبكر يرتبط عادة بالأوساط الاجتماعية الفقيرة، لكنها ترى أن تونس حسمت هذا الملف تشريعياً في وقت مبكر، وإن لم تختف الظاهرة بالكامل.
وتلفت إلى تحوّل قانوني مهم يتعلق بزواج القاصر التي تتعرض لاعتداء جنسي.
فحتى عام 2017، كان القانون يسمح، في حالات محددة، بزواج القاصر من مغتصبها، بما كان يترتب عليه وقف التتبعات الجزائية ضد المعتدي وفق الشروط القانونية المعمول بها آنذاك.
وجاء قانون مكافحة العنف ضد المرأة الصادر عام 2017 ليضع حداً لهذا المسار، مانعاً تزويج الفتاة المغتصبة من المعتدي عليها، وبالتالي إغلاق أحد الأبواب التي كانت تسمح بالإفلات من الملاحقة.
كما ينص القانون على اعتبار إقامة علاقة جنسية مع فتاة دون السادسة عشرة جريمة، حتى في حال ادعاء رضاها.
وكانت قضية أثارت جدلاً واسعاً عام 2016، قد ساهمت في إعادة فتح النقاش بشأن هذه الأحكام، بعدما قضت محكمة بزواج فتاة دون الثالثة عشرة من الشخص الذي اغتصبها، وكانت حاملاً منه.
وأدى الجدل الذي أثارته القضية إلى تعديل الإطار القانوني، بحيث لم تعد المواقعة سبباً للزواج، ولم يعد الزواج وسيلة لجبر الضرر.
ظاهرة لا تختفي بالقانون وحده
تقول نجاة العرعاري إن الإخفاق التعليمي والتسرب المدرسي يجعلان الفتيات أكثر عرضة لسطوة العقلية الذكورية التي ترى في الفتاة المنقطعة عن التعليم شخصاً بلا مردودية اقتصادية، وتسعى إلى التخلص من أعبائها بتزويجها.
وتعبر الناشطة الحقوقية عن مخاوفها من عودة انتشار الظاهرة بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها البلد، والتي قد تدفع بعض العائلات الفقيرة إلى تزويج بناتها في سن مبكرة، مستفيدة من وجود الاستثناءات القانونية.
وترى أن الإطار القانوني وحده لا يقضي على الظاهرة عندما تتقاطع عوامل الفقر والانقطاع عن الدراسة مع الضغط العائلي وقرار الزواج.
بالنسبة إلى سنية التي تحاول أن تضمن لابنتها مساراً مختلفاً، كان توافر ظروف اجتماعية أفضل وقانون أكثر صرامة كفيلاً بحمايتها من تجربة قاسية، لا تزال تستيقظ أحياناً من نومها على وقع مشاهد منها.








0 تعليق