نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من الميدان إلى أروقة العدلية: التهريب في بعلبك - الهرمل بين حبر المذكرات وواقع الميدان - تواصل نيوز, اليوم الأحد 11 أكتوبر 2026 02:16 مساءً
في جرود عرسال وعلى مدى اليومين الماضيين، خاض الجيش اللبناني (فوج الحدود البري الرابع ومكتب رأس بعلبك في مديرية المخابرات) اشتباكاتٍ ميدانيةً أثمرت إحباط عمليات تهريب ضخمة، ضبط خلالها آليات محمّلة بأطنان من المعادن والدخان، إلى جانب أكثر من مئة كيلوغرامٍ من المواد المخدرة وقذائف ومتفجرات.
ويترافق هذا المشهد الملتهب في الجرود مع عمل أمني روتيني وهادئ يخوضه الجيش في مشاريع القاع، حيث تُسجّل توقيفات شبه يومية لمهربين وأشخاص متسللين بطرقٍ غير نظاميةٍ عبر الحدود دون وقوع اشتباكات.
وعلى بُعد كيلومتراتٍ قليلةٍ من هذا الميدان، يجلس قاضٍ في مكتبه يسُطّر المذكرة رقم ألف بحق مهربين معلومي الهوية والنشاط. المشهد ليس جديداً، لكنّه يعيد طرح السؤال نفسه مع كل إنجاز أمني: أين القضاء مما يجري بعد أن تجف أحبار التحقيقات؟ ولماذا تتراكم مذكرات التوقيف في الأدراج؟
البحث عن الإجابة يفرض العودة إلى التفاصيل القانونية والميدانية بعيداً عن الانطباعات العابرة. وفي هذا السياق، يحسم المحامي بالاستئناف والدكتور في القانون صلاح رعد، لـ "النهار" جدلية تداخل الصلاحيات التي غالباً ما تُلقى عليها شماعة العجز. فالقانون اللبناني صريح في رسم الحدود بين المحاكم؛ إذ ينحصر دور القضاء العسكري بالجرائم التي تطال المؤسسة العسكرية أو يكون أحد أطرافها عسكرياً.
أما جرائم التهريب بكافة أشكالها والمساس بالمال العام والأمن الوطني فتختص النيابة العامة المالية بالادعاء فيها فيما يتعلق بالشق المالي، وتُحال إلى القضاء العدلي الذي يصدر الأحكام، فيما تتابع النيابة العامة الاستئنافية مسارها وفق أصول المحاكمات الجزائية في ملاحقة شبكات تهريب الأشخاص والبضائع.
المسار الإجرائي إذن واضح بالنص، والقضية لا تضيع بين التخصصات القضائية كما يُعتقد.
لكن العقدة الحقيقية تبدأ عند صدور الأحكام والمذكرات.
وهنا يشير رعد إلى معضلة "مبدأ الفصل بين السلطات"؛ فالقاضي يملك سلطة الحكم وليس سلطة التنفيذ الميداني. تلقى مسؤولية المداهمات والتوقيف على عاتق السلطة التنفيذية والضابطة العدلية، وحين تعجز الأخيرة عن التحرك لأسباب جغرافية أو أمنية، يقتصر دور القاضي على إعادة التأكيد على قراراته، لتتحول المذكرات مع الوقت إلى مجرد أرشيف ورقي.
ولا تقف الفجوة عند التنفيذ، بل تمتد إلى ملف إخلاء السبيل بالكفالات المالية. يقرّ رعد بوجود تقصير في تقدير الكفالات الخاصة بدعاوى الحق العام، حيث يصدر بعضها بقيم ضئيلة لا تعكس حجم الضرر اللاحق بالخزينة أو بالسلامة العامة جراء شبكات تهريب الأشخاص والسلع. غير أنه يشدد في المقابل على أن المطلوب ليس الذهاب نحو كفالات تعجيزية تزيد من اكتظاظ السجون، بل صياغة معيار عادل يوازن بين حجم الجرم وقيمة المبلغ المالي المطلوب.
على الأرض، تقف القوى العسكرية وفي مقدمها الجيش اللبناني أمام شريط حدودي يمتد لنحو 375 كيلومتراً.
مسالك جبلية وعرة ونقاط فرعية معقدة كما في عرسال والهرمل ومشاريع القاع، تستغلها عصابات منظمة لتهريب الأشخاص والبضائع عبر المعابر غير الشرعية. ومع تشتت المهام العسكرية بين الحدود والداخل والجنوب، تبرز الحاجة إلى تقنيات مراقبة حديثة وزيادة في العديد للسيطرة على هذه المسالك المفتوحة.
ورغم هذه العوائق، يبذل الجيش جهوداً مضنية تجمع بين المواجهات المباشرة وضبط المتسللين يومياً على طول الحدود.
غير أن المعركة الميدانية والقضائية تصطدم ببيئة معقدة؛ فالإضرابات المتكررة أربكت المرفق القضائي وأخرت المتابعات، فيما أدت الأزمة المعيشية والأمنية إلى جعل تجارة التهريب (بضائع وأفراداً) سوقاً سوداء مربحة لشبكات تستغل الفقر والحاجة، مما وفر شبكة أمان اقتصادية واجتماعية لنشاط المهربين.
إن معالجة ملف التهريب في بعلبك - الهرمل لا تتحقق بتوجيه الاتّهامات لجهة دون أخرى. فالمشكلة ليست في غياب النص القانوني ولا في تقاعس القاضي عن تسطير المذكرات، بل في غياب التكافل بين سلطة تحكم وسلطة تملك أدوات التنفيذ الميداني، وسط أزمة اقتصادية تجعل من الحدود المفتوحة خط دفاع أخير للعديد من أبناء المنطقة.












0 تعليق