عَطَبٌ وشظايا - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عَطَبٌ وشظايا - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026 09:56 صباحاً

ناريمان الناشف

 

 

في طريقي إلى أول جلسة علاج نفسي، كنت أمشي نحو طبيب لا يعرفني، أحمل إليه امرأةً لم أعد أعرف كيف أعيش معها، وأتدرّب في سري على الاعتراف بأشياء قضيتُ عمري أتظاهر بأنها لم تحدث.
كنت أظنّ أن الاعتراف بالألم يشبه إخراج شوكة من الجسد، ولم يخبرني أحد أن بعض الأشواك، حين نحاول انتزاعها، نكتشف أنها أصبحت جزءاً من عظامنا.
تخيّلت عيادته غرفة واسعة، بجدرانٍ بيضاء ونافذةٍ كبيرةٍ جداً، أستطيع من خلفها أن أرى أضواء المدينة التي تتّسع لملايين الغرباء، ولا تتّسع لامرأةٍ واحدةٍ تتعثّر بروحها.
تخيّلت كرسياً أبيض طويلاً، أستلقي عليه، وأترك رأسي يسقط إلى الخلف، كأنني أضع، للمرة الأولى، شيئاً ثقيلاً حملته لسنوات.
كنت أريد نافذة.
لا لأرى المدينة، بل لأتأكد أن ثمة طريقاً للخروج إن ضاق بي المكان.
وفي الطريق، شممت رائحة ليمون.
توقّفت لثوانٍ، والتفتُّ حولي كمن سمع اسمه يُنادى من قبر.
تمنّيت ألا تكون في عيادة الطبيب شجرة ليمون... كشجرة جدي
أحب تلك الشجرة.
لكني أكره أنها ما زالت تثمر، كأن شيئاً لم يحدث.
أكره أن الأشياء تستطيع أن تكمل حياتها بصورة طبيعية، أن تتفتّح في الربيع، وأن تستقبل الشمس، وأن تمنح ثمارها للغرباء.
كنت قد قررت أن أتحدث عن تلك الشجرة في جلستي الأولى.
لم أكن أعرف من أين سأبدأ، من جذورها أم من أرض جدي، أم من الطفلة التي ما زالت تقف تحتها في مكانٍ ما من ذاكرتي، تنتظر شيئاً لا أعرف إن كان قد حدث، أم أنها ما زالت تخشى حدوثه.
دخلت إلى غرفة الانتظار... كانت فارغة.
جلست عشر دقائق أراقب الساعة، وأحاول أن أقنع أصابعي بالتوقف عن الحركة.
بعد قليل، ظهرت امرأة غريبة، بوجهٍ بدا كأن الحياة مرّت من أمامه دون أن تتوقّف.
قالت إن الدكتور بانتظاري
حملت حقيبتي، ومشيت نحو الباب.
توقّفت... عدت إلى مقعدي، ورميت الحقيبة فوقه.
ثم مشيت مجدداً نحو الغرفة... توقفت مرة أخرى.
نظرت إلى الحقيبة البعيدة، وفكّرت:
ماذا يمكن للإنسان أن يخلع عن نفسه قبل أن يدخل إلى غرفةٍ يُفترض أن يقول فيها الحقيقة؟ معطفه؟ خوفه؟ ذاكرته؟ أم نفسه؟
نعم، نفسي.
كنت أريد أن أرمي نفسي على ذلك الكرسي، كما رميت حقيبتي التي أكرهها.
أن أدخل بلا وجوهٍ تسكن رأسي، بلا تلك المرأة التي تتحدّث نيابةً عني كلما عجزت عن الكلام.
في تلك اللحظة، ضحكت امرأةٌ تعيش داخلي...
كانت تضحك بالطريقة التي كنت أضحك بها قبل أن أصبح حذرةً من الفرح، قبل أن أتعلم أن أخفض صوت سعادتي حتى لا يسمعها أحد فيأتي لانتزاعها.
لم يسمع ضحكتها أحد، سوى سكان عالمي الخيالي.
ذلك العالم الذي بنيته في جوفي، بعدما اكتشفت أن العالم الحقيقي لا يصلح دائماً للسكن.
ابتسمت لها بخجل.
كنت أخجل حتى من نفسي.
فالمرأة التي أصبحتُها لم تكن قد تعلّمت بعد أن الضحك حقٌّ لها، وأنها لا تحتاج إلى إذنٍ كي تكون سعيدة.
طرقت الباب… دخلت.
وسقطت ابتسامتي عن وجهي كشيءٍ لم يكن مثبتاً جيداً.
لم أجد الغرفة التي تخيّلتها.
لا جدران بيضاء واسعة، لا نافذة، لا مدينة مضيئة
لا كرسي طويلاً يليق بانهيار امرأة.
كانت غرفةً صغيرةً جداً، بلا نافذة، فيها طاولة خشبية وكرسيان خشبيان.
وبعد  ثلاث دقائق، اكتشفت أن الغرفة تحتوي أيضاً على رجلٍ خشبي.
جلست أمامه، وضممت ساقيّ إلى بعضهما، وأمسكت يدي اليمنى بأصابع يدي اليسرى.
جلست بالطريقة التي يجلس بها شخص يخشى أن يُتّهم بشيء.
كنت أنتظر كلمةً واحدة... أي كلمة.
كلمة تجعل كتفيّ يهبطان قليلاً، وتجعل جسدي يتوقّف عن الاستعداد للدفاع عن نفسه.
كنت أريد أن يخبرني أنني في مكانٍ آمن... ولم يفعل.
بدأ يسألني أسئلةً عامة، ببرودٍ جعلني أشعر أنني لست امرأة جاءت تحمل ما تبقّى من حياتها، بل ملفٌّ ناقص البيانات.
كنت أجيب، وأراقب الباب.
يقول شيئاً، فأنظر إلى الباب.
يحرّك يده، فأنظر إلى الباب.
يحدّق بي، فأحسب المسافة بين كرسيّي والمَخرج.
لم يكن جسدي يصدّق أن هذا المكان آمن، مهما حاول عقلي إقناعه.
يا لها من مأساة أن يكبر الإنسان، ويصبح قادراً على فتح الأبواب كلّها، ثم يظلّ داخله طفلٌ لا يفكّر إلا في الهرب.
شعرت بالإهانة.
لم أعرف إن كان الطبيب سيئاً حقاً، أم أنني كنت أراه من خلال عيونٍ تعلّمت أن تخاف قبل أن تتعلّم أن تثق.
بدأت أبحث له عن مهنةٍ أخرى… لم أجدها.
صمت الطبيب وصمتت أنا
لم أخبره أنني أرى أشياء كثيرة لا يراها الآخرون.
أرى طفولتي في رائحة وأسمع أصواتاً في صمت الغرف.
كنت أحتاج ان يساعدني على تفكيك ذلك الخوف.
لكنني قضيت الجلسة أحاول ألّا أخاف من الطبيب الذي يفترض أن يساعدني.
في نهاية الجلسة، مدّ يده بورقة.
كان قد كتب عليها اسم دواء.
دواءٌ سيشاركني صباحاتي المقبلة.
تأملت اسمه... وشعرت بنبضٍ غريب
وجدت رفيقاً لصباحي ومسائي.
لن يسألني لماذا أنا حزينة، ولن يطلب مني أن أشرح كيف يمكن لامرأة أن تستيقظ متعبةً قبل أن يبدأ يومها.
وضعت الورقة في حقيبتي، شكرت الطبيب، وشتمته في سرّي.
ثم سمحت لجميع النسخ التي تعيش داخلي أن تشتمه أيضاً.
الطفلة الخائفة، والمراهقة الغاضبة، والمرأة التي تتظاهر بالقوة.
كانت تلك أول مرة نتّفق فيها جميعاً على شيء.
وحين وصلت إلى الباب، التفتُّ إليه وقلت:
"في المرة القادمة، سأجلب لك نبتة صبّار.
ضعها هنا في مكانٍ ما، وسأجلب لك حذاءً رياضياً ولوحةً سأرسمها بنفسي".
لم أشرح له السبب… لكنني كنت أعرفه.
أردت الصبّار لأنني تمنّيت أن يرى أمامه كائناً يعيش بالعطش، ويتسلّح بالأشواك، لا لأنه شرير، بل لأنه تعلّم أن يحمي ما تبقّى فيه من ماء.
وأردت الحذاء الرياضي، لأنني تمنّيت أن يتعلّم الحركة، أن يخرج من جموده الخشبي، أن يقترب خطوةً واحدة من إنسانٍ لا يستطيع الوصول إليه.
أما اللوحة، فكنت أريد أن أرسم فيها نافذة.
نافذة كبيرة جداً.
فربما إذا عجز هذا الطبيب عن أن يمنحني شعوراً بالأمان، فأستطيع على الأقل أن أمنح جدرانه شيئاً يشبه الحرية.
غادرت العيادة، حملت حقيبتي التي أكرهها، وورقة الدواء، وخيبةً جديدة.
وشجرة الليمون التي ظننت أنني تركتها في أرض جدي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق