نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
خيانة بطعم التانغو - تواصل نيوز, اليوم الخميس 15 أكتوبر 2026 09:36 صباحاً
قيس نمر
نحن لا نُشفى من الذاكرة حين نبتعد، بل نتدرّب فقط على حمل جثث حكاياتنا بأناقةٍ بالغة دون أن يلحظ المارّة في الشارع رائحة الموت المنبعثة من جيوب معاطفنا، نرتدي الكبرياء درعاً سميكة في وجه العالم، نزرّرها حتى آخر شهقة عند العنق، ونمضي في مدن المطر كأننا لم ننزف يوماً، بينما الحقيقة البسيطة والموجعة هي أننا نتحاشى المرايا لأننا نخاف أن نلمح في قاع عيوننا ذلك الانكسار القديم الذي أورثنا إياه غيابٌ لم يُغلق بابه تماماً.
ما هو الفراق في جوهره إن لم يكن هدنةً ملغومة بين جسدين تورّطا في القداسة ثم عجزا عن احتمال وطأة المعجزات؟ إنه تلك الرصاصة الرحيمة التي نطلقها بأيدينا المرتجفة على أحلامنا لننقذ ما تبقّى من وقارنا، ثم نقضي بقية العمر ننحني فوق جثتها لنقبّل أثر البارود!
لقد كنتَ تعبر أيامي كعاصفةٍ لا تفاوض، تقلب طاولات قناعاتي، وتُعيد رسم حدود روحي كما تشاء الجيوش المنتصرة أن تعبث بجغرافيا الأوطان المنكوبة، وكنتُ أستسلم لتلك الهزيمة اللذيذة كما يستسلم الليل للهاث الفجر؛ بكامل الدهشة، وبكامل الخوف من ضوءٍ سيكشف عري المشاعر وهشاشتها.
كنتُ أظن، في غمرة ذلك العمى الساحر، أن الحب وطنٌ يُلغي جوازات السفر ويمنح العشاق لجوءاً أبدياً ضد قسوة العالم، لكنني أدركتُ، متأخرا ككل الذين يقرأون نبوءاتهم بعد فوات الأوان، أن بعض العشاق ليسوا أوطاناً، بل محطات قطارٍ عابرة، تُغريك أرصفتها المضاءة بالبقاء، وحين تضع حقائبك وتهمّ بالاستراحة، تُطلق صفارة الرحيل، وتتركك وحيداً في مواجهة الريح ورماد التبغ البارد.
ما أقسى أن تتحوّل المشاعر الكبرى إلى تفاصيل صغيرة تعاند النسيان! فالذاكرة امرأةٌ شريرة، امرأة لعوب، لا تأتينا إلا حين تحسب أننا نجونا؛ لا تكتفي بشنقنا في الساحات العامة، بل تفضّل تعذيبنا البطيء في الغرف المغلقة؛ تأتينا في لمعة فنجان قهوةٍ رُكن في زاويةٍ مهجورة، في مقطع تانغو حزين يعزفه كمانٌ جريح في منتصف ليلةٍ شتائية، في رائحة عطرٍ مألوف يتسلل إلينا من معطف غريب يعبر بجانبنا في زحام الرصيف، أو في كتابٍ نفتحه فتسقط من بين صفحاته تذكرة مسرحٍ ملغاة كأنها شاهد قبرٍ على موعدٍ مات قبل أن يولد.
لماذا نصرّ على تسمية الغائبين "راحلين" بينما هم أكثر الحاضرين إقامةً في مسامنا؟ إنهم يسكنون في المساحات المتروكة بين الكلمات، في فترات الصمت التي تفصل بين جملتين، في التنهيدة التي نبتلعها أمام الغرباء كي لا نثير فضول الشفقة، وفي ذلك الخوف الغامض الذي يجتاحنا كلما أوشكنا على تصديق يدٍ جديدة تمتدّ إلينا بالدفء.
كل حكاية حب عظيمة هي في عمقها جريمة اغتيال مؤجلة؛ إما أن يقتل فيها الكبرياءُ الشوقَ، أو يذبح فيها الشوقُ الكبرياءَ، ونادراً ما يخرج أحدنا من تلك الحلبة دون ندبةٍ تظل تذكّره كلما تغيّر الطقس بأن جرحاً قديماً لا يزال حيّاً تحت الجلد.
كنتُ أكتبك لا لأخلّدك، بل لأتخلّص منك؛ كنتُ أفرغك من دمي نقطةً نقطة، وأسكبك فوق الورق حبراً أسود، موهماً نفسي بأن الكلمات قادرة على تطهير الروح من أدران الشغف، إلا أن الورق كان يتواطأ معك ضدي؛ فكلما كتبتُ كلمة "وداعاً"، قرأتها الروح "تعال"؛ وكلما أعلنتُ براءتي من عينيك، وجدتُ الحروف تنحني كجوقة مصلّين أمام محرابك المفقود.
نحن معشر الذين يحترفون الكتابة نموت ألف مرة لأننا نملك لغةً قادرة على تلوين مآتمنا؛ نرتدي السواد كأنه ثوب سهرة، ونصفّق لانكساراتنا كما يصفّق الجمهور لممثلٍ أتقن دور الميت فوق الخشبة، ثم نعود إلى غرفنا المظلمة لنتلمّس جراحنا الحقيقية التي لا تسعها كل معاجم الأرض.
ومع ذلك، لو سُئلتُ اليوم عن ذلك الرماد الذي ملأ كفّي، لقلتُ إن النار كانت تستحق الاشتعال. إن أعظم ما في هذا العذاب هو أنه علّمنا كيف نكون كاملين في حزننا؛ كيف نقف أمام المرآة من دون استجداء لظلٍّ غاب، وكيف نبتسم لتلك الخسارة الفادحة بابتسامةِ ملوكٍ خسروا تيجانهم في معركةٍ أسطورية لكنهم لم يفقدوا هيبتهم ولا نظرة أعينهم التي لا تنحني.
فالذي لا يعرف كيف يموت واقفاً في الحب، لا يستحق أن يعيش في رحابه يوماً؛ والذي يطالب النسيان بأن يمحو كل شيء، يجهل أن أجمل الحدائق هي تلك التي نمت فوق رفات خيباتنا.
سأمضي إذن في طريقي، كمن يمشي فوق حدّ السيف بثباتٍ لا يتزعزع، تاركاً خلفي أثر خطاي الأنيقة على رصيف عمرك، واثقاً من أنك كلما أغلقتَ عينيك في ليلةٍ مقمرة لتستحضر طيف امرأةٍ عابرة، ستتعثر باسمي، وستدرك حينها، بكامل الندم الذي لا يُصلحه اعتذار، أنك قايضتَ البحر بقطرة ماء، وأن تلك التي تركتها خلفك لم تكن مجرد فصلٍ في كتابك، بل كانت الصفحة البيضاء الوحيدة التي كان يمكن لها أن تغفر لكل خطاياك.













0 تعليق