نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لبنان... من طوفان الموت إلى طوفان الحبّ - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 10:26 صباحاً
مفيد خطّار
ماذا لو لم يكن السؤال عمّا حدث بين حماس وإسرائيل، بل عمّا ينبغي للبنان أن يتعلّمه ممّا حدث؟
ليس لبنان طرفاً في كل حرب تدور حوله، لكنه كثيراً ما يجد نفسه في قلب تداعياتها. وكأن تاريخه لا يكتفي بما عاشه من حروب، بل يعيده إلى السؤال نفسه: هل نتعلّم من المآسي، أم ننتظر مأساة جديدة كي نكتشف أن الحياة أغلى من كلّ الشعارات؟
لبنان ليس مجرّد مساحة جغرافية، بل وطن يحمل رسالة تتجاوز حدوده. يحمل شعبه جناحين يطير بهما شرقاً وغرباً، وأينما حلّ حمل لبنان معه. غير أن هذا الوطن، الذي عرف كيف ينهض من انكساراته، لم يتعلّم دائماً كيف يحمي نفسه من تكرارها.
في تاريخه، رافق لبنان منطقان متناقضان: المغامرة والمقامرة. فالمغامرة قد تفتح أبواب المستقبل حين تسندها الحكمة، أمّا المقامرة فتضع مصير الوطن على طاولة المخاطر، وتراهن بحياة أبنائه وأمانهم ومستقبلهم.
لكن السؤال ليس أيّهما أكثر جرأة، بل أيّهما يبني لبنان وأيّهما يهدمه. فهل تكفي الشجاعة لصناعة المستقبل، أم أنّها، حين تنفصل عن الحكمة، قد تتحوّل إلى مخاطرة بمصير وطن؟
ليست المقاومة كلمة تُدان أو تُمجَّد بمعزل عن ظروفها ونتائجها، كما أنّ المغامرة ليست بطولة لمجرّد أنّها تنطوي على المخاطر. المعيار هو الإنسان: هل تحمي الخيارات حياته وكرامته، وتصون قدرة الوطن على الاستمرار، أم تضعه أمام أثمان لا يملك وحده تقريرها؟
ليس المطلوب من لبنان أن يتخلّى عن حقّه في الدفاع عن نفسه، ولا أن يقبل بأن يقرّر الآخرون مصيره، بل المطلوب أن يستعيد حقّه في القرار، وأن تكون الحرب والسلم من مسؤولية الدولة، وأن تصبح حماية اللبنانيين أولوية لا بنداً مؤجّلاً في حسابات الآخرين.
فالوطن ليس ساحة لإثبات القوة، ولا شعبه وقوداً لقضايا مهما علت شعاراتها. ولا تُقاس الكرامة بعدد الحروب التي نخوضها، بل بقدرتنا على صون الحرية وحماية الإنسان، ومنع الحرب حين يصبح ثمنها تدمير ما نريد الدفاع عنه.
ومع ذلك، لا تكمن مأساة لبنان في الحروب وحدها. فالحرب قد تهدم البيوت، لكن الحقد يهدم ما يبقى قائماً في النفوس. وقد نعيد بناء الحجر، فيما نعجز عن ترميم الثقة بين اللبنانيين، ونظلّ أسرى انقسامات تجعل كل جماعة تخشى الأخرى، وكل فريق يرى في امتلاك القوة ضمانته الوحيدة.
من هنا، لا تكفي المغامرة والمقاومة لحمل لبنان نحو المستقبل، بل يحتاج أيضاً إلى المحبة والشراكة. بالمحبة نستعيد إنسانيتنا، وبالشراكة نعترف بأن الوطن لا يكتمل بمكون واحد من مكوّناته، ولا يستطيع أيّ مكوّن أن يستمرّ على حساب الآخرين.
المحبة ليست ضعفاً، والشراكة ليست تنازلاً عن الحقوق، والغفران لا يعني نسيان الحقيقة أو إسقاط المسؤولية. إنّها خيارات شجاعة ترفض تحويل الألم إلى انتقام، والخلاف إلى عداوة دائمة، والقوة إلى وسيلة لإخضاع الآخر.
لعلّ لبنان، الذي اختبر طوفان الموت مراراً، مدعوّ اليوم إلى اختبار طوفان آخر: طوفان الحبّ؛ لا حبّاً عاطفياً يعفينا من مواجهة الحقيقة، بل محبة تجعل الحقيقة طريقاً إلى المصالحة، والعدالة أساساً للسلام، والإنسان غاية السياسة والمقاومة والدولة.
وإذا كان لبنان أكثر من وطن، وفق ما تقول العبارة التي طالما ردّدناها، فإنّ رسالته لا تثبتها الشعارات، بل قدرته على تحويل اختلاف أبنائه من مصدر خوف إلى مصدر غنى، وبناء دولة تحمي الجميع، فلا يحتاج أحد إلى الخوف من شريكه أو الاحتماء بقوة خارج سلطة الدولة.
ليس على لبنان أن يثبت أنّه قادر على الموت من أجل قضاياه؛ فقد أثبت ذلك مراراً. ما يحتاج إلى إثباته اليوم هو أنّه قادر على الحياة، وأنّ أبناءه يستطيعون اختيار مستقبل لا تكون فيه الحرب موعداً مؤجّلاً، ولا الخراب قدراً متجدّداً.
لبنان الذي عرف طوفان الموت، يستحقّ أن يصنع طوفان الحبّ.
فالحياة لا تنتصر بموت الآخر، بل حين نكفّ عن جعل موت الإنسان ثمناً لحياة الوطن، وندرك أنّ أقوى مقاومة هي التي تحمي الحياة، وأنّ أعظم انتصار هو أن نترك لأبنائنا وطناً لا يضطرّون إلى خوض حروبنا كي يرثوا حقّهم فيه.
عندها فقط، لا يكون لبنان مجرّد وطن ننجو به من الموت، بل وطناً نتعلّم فيه كيف نحيا معاً.









0 تعليق