عقد من المواجهة.. كيف أسقطت الدولة المصرية الإرهاب وبنَت الإنسان؟ - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عقد من المواجهة.. كيف أسقطت الدولة المصرية الإرهاب وبنَت الإنسان؟ - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 04:38 مساءً

على مدى أكثر من عقد كامل، خاضت الدولة المصرية واحدة من أشدّ معاركها المصيرية ضد الإرهاب والتطرف، فلم تكن المواجهة مجرد ردّ أمني على حادث أو تنظيم، بل تحوّلت إلى استراتيجية شاملة ترتكز على أضلاع متكاملة: ضربة استباقية تُجهض المخطط قبل وقوعه، وتشريع يحاصر البنية القانونية للجماعات، وجفاف لموارد التمويل، وإعادة بناء للوعي وتحقيق تنمية تُغلق أبواب الفراغ الذي تنمو فيه الأفكار الظلامية، ورعاية كريمة لأسر الشهداء والمصابين.

 

وقد كانت قيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي هي العمود الفقري لهذه المعركة؛ إذ ربطت بشكل غير مسبوق بين الأمن والتنمية والوعي، مؤكدة أن مواجهة الإرهاب لا تكتمل بالرصاص وحده، بل تحتاج إلى بناء الإنسان وتحصين عقله وتوسيع أفق انتمائه.

 

ويلخّص هذا الملف الخاص أهم محاور التجربة المصرية الفريدة والناجحة في مواجهة الارهاب والتطرف، ويضعها في سياقها الكامل: أمنيًا وتربويًا وتشريعيًا ودينيًا وثقافيًا.


المحور الأول: الاستراتيجية الشاملة.. كيف قضت الدولة على الإرهاب والتطرف؟
 

رؤية لا تقتصر على المواجهة الأمنية

 

وانطلقت الاستراتيجية المصرية من مبدأ أن الإرهاب ظاهرة متعددة الأوجه، لا يمكن اقتلاعها بوسائل قمعية فقط، وإنما بمنظومة متكاملة تجمع بين المواجهة الأمنية والمكافحة الفكرية والوقاية التنموية.

 

وعلى هذا الأساس تم إنشاء المجلس القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف بموجب قرار جمهوري رقم 355 لسنة 2017 برئاسة السيد رئيس الجمهورية، ليكون أداة تنسيق عليا تجمع كافة أجهزة الدولة والمجتمع في مواجهة الظاهرة.

 

وقد نجحت الدولة في تحقيق طفرة أمنية لافتة، انعكست في انحسار العمليات الإرهابية الكبرى، وارتفاع مستوى الاستقرار في سيناء ومحافظات الجمهورية، بما تعكسه إشادات التقارير الدولية والتقييمات الاقتصادية التي رصدت تحسّن مؤشرات الأمان وتأثيره الإيجابي على الاقتصاد الوطني.

 

التنمية.. سلاح الدولة الأكثر فتكًا بالإرهاب

 

ولم تكتف مصر بإسقاط الإرهاب ميدانيًا، بل قررت تجفيف البيئة التي يولد منها، فكانت التنمية رأس الرمح، فمنذ نحو تسع سنوات تعمل الدولة على تنفيذ استراتيجية التنمية الشاملة لسيناء ومدن القناة، وهي استراتيجية ممتدة تستهدف عام 2030، وتقوم على ثلاثة محاور رئيسة: التنمية الاقتصادية عبر الاستثمار في المشروعات الإنتاجية، والتنمية العمرانية وبناء مدن وتجمعات جديدة، والتنمية البشرية والاجتماعية لتحسين جودة حياة الأهالي.

 

ومن أبرز ما تحقّق في هذا الإطار: تنفيذ 18 تجمعًا تنمويًا بالمرحلة الأولى بتكلفة بلغت نحو 1.9 مليار جنيه، تضم ما يقارب 1145 منزلًا بدويًا، ضمن المشروع القومي لتنمية سيناء الذي غيّر ملامح الحياة في الحرب والسلام معًا.

 

كما شملت جهود الدولة ربط التجمعات بشبكات طرق ومياه وكهرباء وخدمات تعليمية وصحية، لتتحول سيناء من ساحة مواجهة إلى مساحة تنمية.


المحور الثاني: خطة تنموية تحصّن الشباب من الأفكار المتطرفة
 

التنمية والوعي.. وجهان لعملة واحدة

 

وأدرك الرئيس السيسي مبكرًا أن الفراغ هو الحاضنة الأولى للإرهاب، فوجّه بضرورة أن تسير مشروعات التنمية الكبرى جنبًا إلى جنب مع مسار تنويري يبني وعي الشباب، ويشعره بقيمته ودوره ومسؤوليته داخل أسرته ومجتمعه ووطنه، فالتنمية ليست مجرد طرق ووسائل نقل ومواصلات ومصانع، بل هي أيضًا منح الإنسان سببًا حقيقيًا للانتماء والأمل.

 

مبادرة "حياة كريمة".. مشروع لبناء الإنسان قبل البنيان

 

وكان على رأس أولويات الدولة، تدشين المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" الهادفة إلى التنمية الشاملة في محافظات الصعيد والقرى والنجوع، مع مواكبتها بمسار ثقافي وتوعوي متكامل.

 

وتمتد أنشطة المبادرة عبر محاور متنوعة تشمل الرعاية الطبية، والتدخلات الإنسانية، والتمكين الاجتماعي والاقتصادي، والأمن الغذائي، والريادة وريادة الأعمال، مع توسّع في المرحلة الثانية بمخصصات مالية متزايدة لبدء تنفيذ مشروعاتها في مزيد من القرى، وقد دخلت "حياة كريمة" مناطق حساسة مثل الشيخ زويد؛ ليصبح للتنمية وجود ملموس يغيّر حياة الأهالي.

 

المؤتمر الوطني للشباب.. منصة الحوار والحصانة

 

وشكّل المؤتمر الوطني للشباب، الذي انطلق برعاية الرئيس السيسي، منصة دورية للحوار المباشر بين الشباب ومؤسسات الدولة، فتحول إلى قناة لتصريف الطاقات والاستماع إلى الأسئلة والشبهات في مهدها.

 

ومن خلال هذه اللقاءات، جرى التعامل مع قضايا الشباب بلغة الحوار لا الوصاية، وهو ما ساهم في بناء جدار وقائي فكري ضد محاولات الاستقطاب.


المحور الثالث: الضربات الأمنية الاستباقية وتجفيف منابع التمويل
 

العمليات الشاملة.. عندما تتحول المبادرة إلى يد الدولة

 

واعتمدت الاستراتيجية الأمنية على مبدأ الضربات الاستباقية، أي استهداف العناصر الارهابية والتكفيرية وأدواتهم اللوجيستية، قبل قدرتها على التنفيذ، وهو ما تجلّى بوضوح في العملية الشاملة "سيناء 2018" التي قادتها القوات المسلحة والشرطة المدنية ببيانات متتالية من القيادة العامة، وقد تركزت على تمشيط مناطق النشاط الإرهابي، وتدمير البؤر والعربات والدراجات المستخدمة، وضبط أعداد كبيرة من العناصر والمشتبه بهم، ومن بينهم عناصر شديدة الخطورة، إلى جانب تحييد القيادات الميدانية، كما سبقتها عملية "حق الشهيد" التي جاءت على مراحل متتالية لملاحقة العناصر التكفيرية في سيناء.

 

وقد واصلت أجهزة الأمن عملياتها النوعية حتى بعد انحسار الموجة الكبرى، فعملت على "الضربة الاستباقية" التي تُسقط المخطط قبل وقوعه، وتفكّك الخلايا "العنقودية" التي تحاول إعادة تنظيم صفوفها.

 

تجفيف منابع التمويل.. القتل البطيء للإرهاب

 

وبالتوازي مع الضربات الميدانية، أولت الدولة أولوية قصوى لقطع شريان التمويل، فأنشأت الدولة أطرًا قانونية ومؤسسية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وربطت بين الملاحقة الجنائية للعناصر والإجراءات المالية التي تستهدف تجميد الأموال والأصول والممتلكات الشخصية والجماعية.

 

فبدون تمويل لا تستطيع الجماعات الإرهابية شراء الأسلحة أو الإمدادات أو تجنيد العناصر، نظراً لأنهم جميعاً لا يسعون إلا وراء الأموال فقط، ومن هنا جاء التركيز على القضاء على مصادر الدعم المحلية والخارجية.


المحور الرابع: جهود وزارة الداخلية.. وأكبر القضايا المضبوطة
 

مواجهة تنظيم الإخوان وأذرعه الإرهابية

 

وتضطلع وزارة الداخلية بدور محوري في الملاحقة اليومية للعناصر الإرهابية، وقد استهدفت جهودها بشكل أساسي تنظيم الإخوان الإرهابي وأذرعه المتشعبة، وفي مقدمتها حركة "حسم" التي أثبتت التحقيقات والأدلة تبعيتها للتنظيم، وتورطها في وقائع إجرامية كبرى، من بينها ما شهدته البلاد من تفجيرات وهجمات استهدفت مؤسسات الدولة والمواطنين.

 

وقد أعلنت الوزارة في بيانات متتالية نجاحها في ضبط قيادات بارزة في حركة "حسم"، وتفكيك خلايا كانت تخطط لتنفيذ مخططات عنيفة واسعة النطاق، تستهدف مقدرات الدولة والمنشآت الحيوية، مع عرض اعترافات العناصر المضبوطة التي كشفت عن بنية التنظيم وشبكة اتصالاته.

 

القضاء على "أجناد مصر" والخلايا العنقودية

 

وبالتوازي، أعلنت الوزارة القضاء على تنظيم "أجناد مصر" وقياداته، في قضايا كبرى أمام دوائر الإرهاب، كما ضربت بيد من حديد محاولات الأجنحة الجديدة لإعادة تشكيل خلايا "عنقودية" تستهدف رجال الشرطة والقوات المسلحة.

 

وهكذا لم يقتصر الجهد على تصفية القيادات، بل امتد إلى تفكيك البنى التحتية والقضاء على قدرة التنظيم على إعادة التجمع لأحياء نفسه مرة أخرى.


المحور الخامس: الجانب التشريعي و"العدالة الناجزة"
 

إطار قانوني رادع ومحكم

 

ولم تقتصر مواجهة الدولة المصرية لموجات الإرهاب المسلح الشرسة على الجهود الأمنية والتضحيات الجسام التي قدمها رجال الشرطة والقوات المسلحة فحسب؛ بل امتدت لتشمل ملحمة وطنية كبرى سطرها القضاء المصري الشامخ بأحرف من نور في أحكامه العادلة.

 

لقد وقف القضاء المصري حصنا منيعا وسد حائلا أمام محاولات إسقاط الدولة، مساهما بأحكامه العادلة والرادعة في التصدي لتلك الموجة العاتية من الإرهاب، التي دبرتها ونفذتها تنظيمات العنف والتطرف، وفي القلب منها جماعة الإخوان الإرهابية وما تفرع عنها من جماعات ارتبطت بها ارتباطا عضويا وفكريا.

 

ولم تكن المواجهة الميدانية فحسب، بل ازدانت بإطار تشريعي متكامل، فصدر قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، الذي رسم تعريفًا دقيقًا للجريمة الإرهابية ووسّع دائرة المسؤولية والعقوبات لتشمل التنظيمات والجماعات والأشخاص الاعتباريين، مع تشديد العقوبات على من ينضم إلى جماعة إرهابية أو يموّلها أو يروّج لأفكارها.

 

كما صدر قانون تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين رقم 8 لسنة 2015 ومعه تعديلاته المتتالية، والذي منح السلطات القدرة على حظر الكيانات ووقف أنشطتها، وغلق أماكنها وحظر اجتماعاتها، وتجميد أموالها وأصولها وممتلكاتها، وحظر تمويلها أو جمع الأموال لصالحها.

 

وقد عزّزت الدولة هذه المنظومة بترسانة مواجهة تمويل الإرهاب وغسل الأموال، بما يجعل الملاحقة القانونية شاملة للعنصر والفكرة والتمويل.

 

جماعة (الاخوان) الارهابية ومحاولات استهداف القضاء

 

وقد تجلت هذه المحاولات الآثمة في سلسلة من الاعتداءات الممنهجة التي استهدفت القضاء، شكلا ومضمونا ورموزا، بدءا من التعدي الصارخ على استقلال السلطة القضائية بمحاولة عزل النائب العام الأسبق المستشار الدكتور عبد المجيد محمود من منصبه، في خطوة مثلت التفافا وانتهاكا جسيما لأحكام الدستور والقانون واعتداء على حصانة القضاء، ثم تصاعدت وتيرة هذا الاستهداف لتشمل محاصرة مقر المحكمة الدستورية العليا في مشهد عبثي استهدف منع قضاة المحكمة من الانعقاد ومباشرة الدعاوى المتعلقة بصحة البرلمان آنذاك، في محاولة لفرض إرادة فصيل يتخذ من الدين ستارا فوق إرادة الدستور والقانون.

 

ولم تتوقف المخططات الإرهابية عند حد الحصار والعزل غير الدستوري، بل امتدت لتشمل إراقة دماء حماة العدالة، وسجل التاريخ القريب صفحات دامية من محاولات الاغتيال التي طالت خيرة رجال القضاء، وفي مقدمتها محاولة الاغتيال التي استهدفت رئيس نادي قضاة مصر الراحل المستشار أحمد الزند، كرسالة ترهيب لجموع القضاة.

 

وبلغ الإرهاب ذروته بعملية الاغتيال الغادرة التي أسفرت عن استشهاد النائب العام المستشار هشام بركات، ليكون أول نائب عام في تاريخ مصر يُغتال وهو يؤدي واجبه الوطني في حماية المجتمع من براثن الإرهاب.

 

كما امتدت يد الغدر لتطال عددا من القضاة الأجلاء في محافظة شمال سيناء، الذين استشهدوا وهم يؤدون واجبهم الوطني في الإشراف على الانتخابات وإرساء دعائم الديمقراطية.

 

واستمرت سلسلة الاستهدافات بمحاولات اغتيال فاشلة استهدفت قيادات قضائية بارزة، منها محاولة اغتيال النائب العام المساعد "سابقا" المستشار زكريا عبدالعزيز عثمان، ومحاولة اغتيال المستشار الراحل معتز خفاجي رئيس محكمة جنايات الجيزة الذي نظر العديد من قضايا الإرهاب الكبرى، وغيرها من الحوادث التي أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن الإرهاب كان يرى في منصة القضاء عدوه الأول.

 

ورغم هذه الدماء الزكية التي روت أرض الوطن، والتضحيات الكبيرة التي قدمها قضاة مصر، فإن السلطة القضائية لم تتراجع قيد أنملة عن أداء رسالتها، ولم تدفعها هذه الجرائم البشعة إلى الانحراف عن ميزان العدالة، فقد سطر التاريخ أن جميع المحاكمات التي أجريت في قضايا الإرهاب والتفجيرات والاغتيالات وتخريب المنشآت العامة والخاصة، كانت محاكمات علنية تجرى في وضح النهار، وحصل فيها جميع المتهمين على كافة حقوقهم القانونية والدستورية، سواء في مرحلة التحقيقات أمام النيابة العامة أو خلال جلسات المحاكمة أمام محاكم الجنايات.

 

وقد كفلت المحاكم للمتهمين حق الدفاع كاملا، واستمعت إلى مرافعات المحامين لساعات وأيام طويلة، وناقشت شهود الإثبات والنفي، وفحصت الأدلة الفنية والمادية بكل دقة وحيادية، ومن ثبت بحقه، بيقين لا يقبل الشك، ارتكاب الجرائم المسندة إليه، أُدين ونُفذت بشأنه الأحكام القضائية الرادعة، ليقتص المجتمع بقوة القانون من جرائمهم، أما من خلت الأوراق من أدلة يقينية ضده، فقد نال براءته، في تأكيد عملي على أن القضاء المصري لا يعرف الانتقام أو تصفية الحسابات.

 

العدالة الناجزة.. سرعة الفصل في القضايا

 

واستكمالًا لدائرة الردع، اتجهت الدولة إلى تحسين ورفع كفاءة منظومة العدالة، عبر التوسّع في التحول الرقمي داخل المحاكم لتعزيز العدالة الناجزة، وتعديل بعض نصوص قانون الإجراءات الجنائية بما يضمن سرعة الفصل وعدم تعطيل القضايا، لا سيما في الدعاوى المتعلقة بالإرهاب، وهو ما مثل ضمانة إضافية لاستقرار المجتمع وحماية حقوق المواطنين.


المحور السادس: رعاية أسر الشهداء والمصابين.. ورد الجميل
 

صندوق التكريم.. وفاء مؤسسي بالقانون

 

ولم تكن الشهادة مجرد رقم في سجل الوطن، كما لا ينبغي أن يكون أسر الشهداء وحدهم في مواجهة الفقد، فأنشأت الدولة صندوق تكريم شهداء وضحايا ومفقودي ومصابي العمليات الحربية والإرهابية والأمنية وأسرهم بموجب القانون رقم 16 لسنة 2018، ليكون مظلة دائمة للدعم المعنوي والمادي والمؤسسي، ويشمل كل من ضحّى من أبناء الوطن في الجيش والشرطة والقضاء والخارجية منذ عام 1948 وحتى اليوم، وقد جرى تطوير القانون بتعديلات لاحقة، من بينها القانون رقم 4 لسنة 2021.

 

ومن ثمار هذا الصندوق إطلاق مبادرات تخصيصية لأبناء الشهداء، من أبرزها المبادرة الرئاسية "مصر معاكم" التي تستهدف دعم القصر من أبناء شهداء القوات المسلحة والشرطة وأسرهم، فضلًا عن التنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني.

 

كلمة الرئيس السيسي.. "مصر لن تنسى أبناءها"

 

وظلّ الرئيس السيسي دائمًا حريصًا على تأكيد هذا الوفاء في كل مناسبة، مؤكدًا أن مصر "لن تنسى أبدًا أبناءها الأوفياء"، ومشددًا على أن رد الجميل لأسر الشهداء والمصابين مسؤولية جماعية وأمانة وطنية، وأن الدولة ملتزمة برعاية خاصة لأسر الشهداء والمصابين والمفقودين وتوفير مستحقاتهم وضمان تواصلهم الدائم مع جهات الاختصاص، ليكونوا في قلب المشهد الوطني لا على هامشه.


المحور السابع: المؤسسات الدينية.. مواجهة التطرف تبدأ ببناء الوعي
 

الأزهر الشريف.. وقاية فكرية قبل المواجهة

 

وأكد الدكتور محمد الجندي الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، أن مواجهة التطرف تمثل مسؤولية أساسية تضطلع بها المؤسسات الدينية والعلمية، موضحًا أن المجمع يعمل وفق رؤية متكاملة تقوم على الوقاية الفكرية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، ونشر خطاب ديني رشيد يعزز قيم الوسطية والاعتدال.

 

وأضاف أن المجمع يعتمد في مواجهة التطرف على الحضور الميداني والرقمي، من خلال جهود وعاظ الأزهر في مختلف محافظات الجمهورية، والبرامج الدعوية والتوعوية، وتطوير المحتوى الرقمي والاستفادة من أدوات التكنولوجيا في رصد القضايا والأفكار والتفاعل معها بصورة علمية.

 

وأوضح أن مواجهة التطرف لم تعد تقتصر على الرد على الأفكار المنحرفة بعد انتشارها، وإنما تتطلب بناء وعي استباقي وتحصينًا فكريًا، خاصة لدى الشباب، مؤكدًا أن المواجهة الفكرية الحقيقية تبدأ من بناء الإنسان القادر على التفكير والتمييز وعدم الانسياق وراء الشائعات.

 

وشدد على أن حماية المجتمع من التطرف تتطلب تكامل الأدوار بين المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والمجتمعية، وأن الأزهر بقيادة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب يواصل رسالته في نشر صحيح الدين وترسيخ قيم الحوار والتسامح وقبول الآخر.. ويأتي في هذا السياق مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء الشاذة بالأزهر الذي يتصدى للفتاوى المتطرفة ويقدّم الرد العلمي عليها.

 

دار الإفتاء.. تفكيك الأفكار والرد على الشبهات

 

ومن جانبه.. أكد الدكتور خالد عمران أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الدار تضطلع بدور محوري في مواجهة الفكر المتطرف، من خلال تفكيك الأفكار المنحرفة والرد على الشبهات التي تستغلها الجماعات المتطرفة لاستقطاب الشباب، مع تقديم الخطاب الديني الرشيد القائم على العلم.

 

وأوضح أن مواجهة التطرف لا تقتصر على الرد على الأفكار المتشددة، وإنما تمتد إلى بناء وعي ديني وفكري يحصّن أفراد المجتمع، مؤكدًا أهمية توظيف أدوات التواصل الحديثة والمنصات الرقمية للوصول إلى الشباب بلغة واضحة ومستنيرة، عبر مرصد دار الإفتاء للفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة الذي يرصد ويحلّل ويردّ.

 

وزارة الأوقاف.. ثلاثة محاور للحصانة الفكرية

 

وقالت مها رضوان واعظة بوزارة الأوقاف، إن مواجهة الأفكار المتطرفة لم تعد معركة يخوضها الخطاب وحده، وإنما أصبحت مسؤولية تحتاج إلى وعي عميق بطبيعة الإنسان، وفهم دقيق لتحديات الشباب، ومنهج يجمع بين الوقاية الفكرية والبناء النفسي والاجتماعي.

 

وأشارت إلى أن الوزارة تعمل على ثلاثة محاور:

 

- المحور الميداني: حيث يشكّل المسجد والمدرسة والجامعة ومجالس الواعظات ساحات لبناء الوعي، من خلال القوافل الدعوية واللقاءات المباشرة التي تقرّب القائمين على الخطاب من الشباب وتعالج الفكرة في بدايتها قبل أن تتحول إلى قناعة أو سلوك.

 

- المحور التنموي: إذ لا تكتمل حماية الشباب بالخطاب وحده، بل تحتاج إلى بناء الإنسان في مختلف جوانب حياته وإشعاره بقيمته ودوره، عبر الأنشطة والفعاليات الاجتماعية والتوعوية.

 

- المحور الرقمي: مع دخول المنصات الرقمية قلب حياة الشباب، أصبح ضروريًا أن يصل الخطاب الرشيد إلى حيث يوجد الشباب، عبر منصات إلكترونية بمنهجية علمية وتربوية تخاطب العقل وتجمع قوة الدليل.

 

وبدورها.. أكدت عبير أنور واعظة بوزارة الأوقاف، أن جماعات التطرف، سواء ذات التوجهات الدينية أو السياسية، تعمل على نشر أفكارها عبر مسارين: استقطاب الأفراد وجذبهم للانضمام إلى تنظيماتها، ونشر أفكارها على نطاق أوسع بما يدفع البعض إلى تبنّيها دون الانضمام المباشر.

 

وحذّرت من أن خطورة هذا المسار تكمن في أنه مع مرور الوقت قد تتحول الأفكار المتطرفة إلى جزء من الثقافة السائدة، بما يؤثر في وعي الشباب، ومن هنا تصبح حصانة الأجيال القادمة واجبًا وضرورة، لافتة إلى أن الوزارة كثّفت البرامج التدريبية للأئمة والواعظات، وأطلقت مبادرات لتصحيح المفاهيم المغلوطة، مع اهتمام واسع بمواقع التواصل الاجتماعي في إطار التحول الرقمي.


المحور الثامن: الجانب النيابي.. إجماع على استدامة المواجهة
 

رئيس "دينية النواب": تجديد الخطاب الديني ركيزة أساسية

 

وثمّن النائب الدكتور عمرو الورداني رئيس لجنة الشؤون الدينية والأوقاف بمجلس النواب، تبني القيادة السياسية فكرة تجديد الخطاب الديني باعتبارها ركيزة أساسية في مواجهة التطرف، مؤكدًا أن الدولة استطاعت على مدار السنوات العشر الماضية مواجهة التطرف بأساليب متعددة، في مقدمتها تجديد الخطاب.

 

وأشار إلى أن دعوة الرئيس السيسي لتجديد الخطاب الديني وضعت العلماء والمفكرين أمام مسؤوليتهم الدينية والوطنية، وأن الملف دائم ومستمر وليس موسميًا.

 

ولفت إلى أن المتطرفين يتبعون تنظيمات كثيرة وعملية تمويل لا تتوقف، وبالتالي يجب بناء الاستراتيجيات على فكرة الاستدامة لا على أساس مشروع انتهى، مشددًا على أن جماعة الإخوان الإرهابية تواصل محاولاتها عبر الشائعات والتضليل، لكن وعي الشعب المصري أفشل مخططاتها.

 

أمين سر "دينية الشيوخ": المواجهة أمنية وفكرية معًا

 

وأكد النائب أحمد تركي أمين سر لجنة الشؤون الدينية بمجلس الشيوخ، أن الدولة المصرية نجحت في مواجهة الإرهاب أمنيًا وفكريًا، من خلال رؤية شاملة تجمع بين التصدي الأمني للتنظيمات الإرهابية ومواجهة الأفكار المتطرفة وتصحيح المفاهيم الخاطئة ونشر الوعي بين المواطنين، خاصة الشباب.

 

وأوضح أن استمرار جهود التوعية يمثل أحد أهم عوامل الحفاظ على ما تحقّق من استقرار، مشددًا على أن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على الحلول الأمنية، وأن المؤسسات الدينية والتعليمية، وفي مقدمتها الأزهر والأوقاف والجامعات والمدارس، تضطلع بدور مهم في ترسيخ الفهم الصحيح للدين.


المحور التاسع: الثقافة.. درع الوعي وحائط الصد
 

وعلى مدار الأعوام الماضية، وضعت وزارة الثقافة خطة شاملة لمواجهة التطرف بالأفكار والفن، إيمانًا بأن الثقافة هي خط الدفاع الأول وحائط الصد في مواجهة الفكر الظلامي.

 

وقد كان من أهم أولوياتها وصول المنتج الثقافي إلى كل ربوع الوطن، وخاصة المناطق الحدودية والنائية، لإعادة بناء الإنسان وترسيخ قيم المواطنة والانتماء.

 

وضمن هذه الخطة، سيّرت الوزارة قوافل ثقافية ونشرت أنشطة في القرى والنجوع والمناطق النائية، مع تكثيف العمل في سيناء ومطروح وحلايب وشلاتين وأسوان، حيث نظّمت الهيئة العامة لقصور الثقافة ورشًا فنية للرسم والموسيقى، وندوات توعوية بمشاركة علماء ومثقفين لتفكيك الفكر الظلامي.

 

كما أطلقت مشروع "مسرح المواجهة والتجوال" الذي يجوب المحافظات وقرى "حياة كريمة" بالعروض المسرحية ومعارض الكتب، وحقق إقبالًا جماهيريًا غير مسبوق.

 

وقد حرصت الوزارة على التعاون مع وزارات الشباب والتضامن والأوقاف والمجلس القومي للمرأة، إضافة إلى تنظيم مهرجانات الموسيقى والغناء في مواقع أثرية بمختلف المحافظات، بالتعاون مع السياحة والآثار، ومنها مهرجانات دندرة وتل بسطا التي ربطت الشباب بالفنون الراقية، بالإضافة إلى التعاون مع الأوقاف، من خلال إصدار سلسلة "رؤية" وكتاب "فقه الدولة وفقه الجماعة".

 

وفي مجال تنمية المواهب، صدر في عهد الرئيس السيسي قانون جائزة الدولة للمبدع الصغير، الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، لتمنح جوائز للمبدعين من سن 5 إلى 18 عامًا، وهي تقام تحت رعاية قرينة رئيس الجمهورية السيدة انتصار السيسي، إلى جانب التوسع في مراكز تنمية المواهب بالمحافظات.

 

وتُجسّد التجربة المصرية في مواجهة الإرهاب والتطرف، نموذجًا متكاملًا لا يُختزل في عمل أمني واحد، بل هو منظومة تمتد من الضربة الاستباقية إلى رعاية أسر الشهداء، ومن الإطار التشريعي إلى إعادة بناء الوعي.

 

وقد أثبتت السنوات الماضية أن مقاربة الدولة، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، نجحت في القضاء على الإرهاب ميدانيًا وتجفيف منابع تمويله ومحاصرة أيديولوجيته، وأن أهمّ ما تحقّق من استقرار يبقى مشروطًا بالاستدامة: فتحصين الشباب، وتجديد الخطاب الديني، والتنمية، والثقافة، كلها خطوط دفاع لا يجوز أن تنكسر.

 

ويبقى الدرس الأكبر أن أمن الوطن ليس مسؤولية مؤسسة بعينها، وإنما مسؤولية جماعية، تتقاطع فيها جهود الجيش والشرطة والقضاء والأزهر والأوقاف والإفتاء والإعلام والثقافة والأسرة، في مواجهة واحدة عنوانها: بناء الإنسان أولًا، وحماية الوطن دائمًا.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق