نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من الرياض إلى باب المندب واليمن.. الأمن العربي لا يقبل التجزئة - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 04:38 مساءً
لم تعد التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، والاعتداءات التي استهدفت المملكة العربية السعودية، تسمح بالتعامل مع الأمن القومي العربي باعتباره مجموعة من الملفات المنفصلة، أو النظر إلى كل أزمة باعتبارها شأنًا يخص الدولة التي تتعرض للتهديد وحدها. فما يحدث اليوم يكشف بوضوح أن أمن الدول العربية أصبح مترابطًا، وأن التحدي الحقيقي لم يعد في إدانة الاعتداءات فحسب، وإنما في امتلاك القدرة على منع تكرارها واحتواء تداعياتها.
فاستهداف المطارات والمنشآت المدنية السعودية ليس مجرد تطور أمني عابر، بل رسالة خطيرة بشأن طبيعة التهديدات التي تواجه المنطقة، ومدى ارتباطها بالصراعات الإقليمية الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر، وصولًا إلى باب المندب والسواحل اليمنية. وقد كشفت الهجمات الأخيرة على مطار الملك خالد الدولي في الرياض عن حجم المخاطر التي يمكن أن تترتب على اتساع دائرة المواجهة، وما قد تفرضه من تهديدات لحركة الطيران والتجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي.
وفي مواجهة هذه التطورات، تبدو الحقيقة الأهم أن الأمن القومي العربي لا يقبل التجزئة، فأمن السعودية يرتبط بأمن الخليج، وأمن الخليج يتصل باستقرار البحر الأحمر، وأمن البحر الأحمر يرتبط بصورة مباشرة بما يجري في اليمن، الذي تحول موقعه الجغرافي إلى أحد أهم محددات الأمن الإقليمي وحركة التجارة الدولية.
وهنا أستدعى ما أكده الدكتور بدر عبد العاطى، وزير الخارجية والتعاون الدولى والمصريين بالخارج، لنظيره الإيرانى عباس عراقجي، الثلاثاء الماضى، بضرورة الوقف الفورى لكافة الهجمات التى تستهدف أراضى المملكة العربية السعودية الشقيقة، وأنه لا يوجد مبرر لهذه الاعتداءات ولا يمكن القبول بها، مع التشديد على أهمية خفض التصعيد واحتواء التوترات الإقليمية في ضوء انعكاساتها السلبية على أمن واستقرار كافة دول المنطقة والعالم، فهذا التأكيد هو تعبير عن الموقف المصرى، الذى يدعم تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، والعودة إلى مسار التفاوض والحوار بين إيران والولايات المتحدة باعتباره السبيل الوحيد لتسوية الخلافات القائمة، وتجنيب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار.
والموقف المصرى هنا يقوم على مبدأ واضح، وهو أن أمن دول الخليج العربي يمثل جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن مصر تولي أهمية قصوى لأمن واستقرار الدول الخليجية الشقيقة، انطلاقاً من الروابط التاريخية الأخوية التي تجمع الجانبين.
ولقد كانت مصر من الدول التي حذرت مبكرًا من مخاطر اتساع دائرة التهديدات الإقليمية، وطالبت بتعزيز العمل العربي المشترك وتطوير آليات التنسيق والتشاور، وصولًا إلى بناء مظلة عربية قادرة على حماية المصالح المشتركة والتصدي لأي أطماع أو تحركات تستهدف زعزعة استقرار الدول العربية أو فرض واقع إقليمي جديد على حساب أمنها وسيادتها.
فالحرب بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن العرب من أشعلوا نيرانها، لكنهم باتوا يدفعون أثمانًا متزايدة لتداعياتها، سواء من خلال التهديدات الأمنية أو اضطراب حركة التجارة والطاقة أو تعريض الممرات البحرية الحيوية لمخاطر متصاعدة. وهو ما يفرض ضرورة تحرك عربي أكثر فاعلية لحماية الدول العربية من أن تتحول إلى أطراف متضررة من صراعات لا تخدم مصالح شعوبها.
وفي هذا الإطار، تكتسب الدعوة المصرية إلى تعزيز منظومة الأمن الجماعي العربي أهمية خاصة. فقد أكدت القاهرة مرارًا أن الأمن القومي المصري لا ينفصل عن الأمن القومي العربي، وأن التحديات التي تواجه المنطقة تستلزم تطوير آليات العمل المشترك، بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوع الأزمات.
وإذا كانت الاعتداءات على السعودية قد أعادت طرح سؤال الأمن العربي بقوة، فإن اليمن يجب أن يكون في قلب أي إجابة استراتيجية عن هذا السؤال، لا على هامشها. فاليمن ليس مجرد ساحة صراع داخلية، ولا أزمة إنسانية وسياسية ممتدة، وإنما دولة تقع عند نقطة بالغة الحساسية من الجغرافيا العربية، وتشرف على مضيق باب المندب الذي يمثل أحد الممرات الحيوية للتجارة العالمية وحركة الطاقة.
والتطورات الأخيرة في اليمن، بما فيها اتساع المواجهة حول المناطق الساحلية والممرات البحرية، تكشف كيف يمكن أن تتحول أزمة داخلية إلى تهديد مباشر لأمن دول الجوار، وأن تنتقل تداعياتها من الميدان اليمني إلى المطارات والمنشآت الحيوية وخطوط الملاحة في المنطقة، لذلك فإن التعامل مع اليمن يجب ألا يقتصر على احتواء التصعيد العسكري، بل ينبغي أن ينطلق من استراتيجية عربية متكاملة تستهدف استعادة مؤسسات الدولة، ودعم الحكومة اليمنية الشرعية، والحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها، وتهيئة الظروف لتسوية سياسية تنهي الصراع وتمنع استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد دول الجوار.
كما يتطلب ذلك دعمًا اقتصاديًا وإنسانيًا يخفف معاناة اليمنيين، ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على أداء وظائفها، ويحد من الظروف التي تستفيد منها الجماعات المسلحة وتستغلها القوى الخارجية. فالأمن لا يتحقق بالقوة وحدها، كما أن التسويات السياسية لا تصمد دون مؤسسات قادرة على فرض القانون وحماية المواطنين، لإن ترك اليمن غارقًا في الانقسام والصراع لا يهدد شعبه وحده، بل يضاعف المخاطر على المنطقة بأسرها. ولذلك، فإن إنقاذ اليمن من دوامة الأزمات يمثل مصلحة عربية مشتركة، تستحق أن تتقدم أولويات العمل السياسي والدبلوماسي والأمني.
ويظل دعم الشرعية اليمنية، ومساندة مؤسسات الدولة، والعمل على بسط الأمن والاستقرار في مختلف أنحاء البلاد، من المتطلبات الأساسية لوقف التهديدات ومنع استغلال الأراضي اليمنية في صراعات إقليمية.
وهنا أعيد الإشارة إلى الرؤية المصرية للأمن القومي العربي، التي تعد مدخلًا مهمًا لإعادة ترتيب الأولويات، من خلال الجمع بين احترام سيادة الدول، ورفض التدخلات الخارجية، ودعم الحلول السياسية، وتطوير قدرات عربية مشتركة قادرة على حماية الاستقرار، فالرؤية المصرية تقوم على أساس أن الأمن القومي العربي واحدًا، مهما اختلفت الأفكار والتوجهات وتباينت الحسابات السياسية، لأن الخطر الذي يهدد دولة عربية يمكن أن يمتد إلى دول أخرى، ولأن التساهل مع الاعتداءات أو التعامل معها باعتبارها أحداثًا منفصلة يفتح الباب أمام مزيد من الخروقات والتهديدات التي قد تطال المنطقة بأكملها.
في المجمل، فإن الموقف العربى الأن في حاجة إلى أعادة ترتيب للأولويات، وتكون البداية بالاتفاق على مظلة أمنية واحدة لحماية الأمن العربى ضد أي تدخلات أو خروقات خارجية، وهذا لن يحدث الا باتفاق عربى واضح حول أهمية تحديد المخاطر، وآليات المواجهة، وهو ما يتطلب حواراً عربياً صريحاً، لوضع النقاط فوق الحروف.

















0 تعليق