حين تتحول مواد الهوية الوطنية إلى عائق - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين تتحول مواد الهوية الوطنية إلى عائق - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 04:38 مساءً

أسرة مصرية أعرفها بشكل شخصي تواجه أزمة تعليمية تستحق أن يتوقف أمامها المسؤولون عن التعليم، وأن يعيدوا النظر في كيفية تطبيق مواد الهوية الوطنية على الطلاب العائدين من الخارج.

 

القصة تبدأ بطبيب مصري وُلد في جنوب أفريقيا، حيث كان والده يعمل طبيبًا منذ سنوات طويلة نشأ هناك، وتعلّم وعاش وتزوج وأنجب أبناءه، الذين التحقوا بمدارس جنوب أفريقيا لسنوات، حتى أصبحت الإنجليزية لغتهم الأساسية، ولم تكن العربية بالنسبة إليهم سوى كلمات محدودة، ورغم نشأته وحياته خارج مصر، لم يتخلَّ الأب عن جنسيته المصرية، وأصبح يحمل الجنسيتين المصرية والجنوب أفريقية.

 

وقبل نحو عام، اتخذ هذا الأب قرارًا بالعودة إلى مصر، بدافع حبه لوطنه ورغبته في أن يرتبط أبناؤه ببلدهم الأم، ويتعرفوا إلى أهلهم وجذورهم، ويعيشوا في وطنهم بدلًا من البقاء بعيدًا عنه.

 

لكن ما واجهه الأبناء بعد العودة لم يكن كما تمنّى، فمع تطبيق مواد الهوية الوطنية باللغة العربية على الطلاب المعنيين بالقرار، وجدوا أنفسهم مطالبين بدراسة مواد لا يفهمون لغة تدريسها، وحضور حصص لا يستطيعون استيعاب محتواها، ما تسبب لهم في ضغوط دراسية ونفسية، رغم أن المشكلة ليست في قدراتهم، وإنما في عدم تأهلهم لغويًا.

 

وهنا تبرز عدة نقاط تستحق المراجعة:

أولًا: المساواة لا تعني تجاهل اختلاف الظروف، من حق الدولة أن تحافظ على الهوية الوطنية، ومن حقها أن تضمن معرفة أبنائها بتاريخ مصر وثقافتها ولغتها، لكن هل يصح التعامل بالطريقة نفسها مع طالب نشأ وتعلّم في مصر، وآخر وُلد وعاش سنوات عمره في دولة غير ناطقة بالعربية؟.. إن توحيد المتطلبات دون مراعاة الفروق اللغوية والتعليمية قد يحوّل الهدف النبيل إلى عبء يصعب تحقيقه، ويضع طلابًا لم تتح لهم فرصة تعلم العربية في موقف غير عادل.

 

ثانيًا: أين برامج التأهيل اللغوي؟.. الأبناء ليسوا رافضين لهويتهم، بل إن والدهم عاد بهم إلى مصر رغبةً في تعزيز انتمائهم إليها، وما يحتاجون إليه هو برنامج علمي لتعليم اللغة العربية تدريجيًا، يتناسب مع مستواهم، ويساعدهم على فهم مواد الهوية الوطنية بدلًا من الاكتفاء بحضور حصص لا يستوعبون مضمونها.

 

إن تعلم اللغة هدف مشروع، لكنه يحتاج إلى وقت ومناهج مناسبة وتدرّج في التعليم، وليس إلى مطالبة الطالب بإتقان ما لم تتح له فرصة تعلمه ، كما يمكن تحويل منهج التاريخ للغة التي يجيدونها كي يستفيدوا من تعلم تاريخ وطنهم  .

 

ثالثًا: نحتاج إلى آليات تنفيذ تراعي الحالات الخاصة، فمن الضروري وضع مسارات تعليمية انتقالية للطلاب المصريين العائدين من دول غير ناطقة بالعربية، تتضمن برامج تأسيسية في اللغة ومناهج مناسبة لمستوياتهم، مع الحفاظ على أهداف مواد الهوية الوطنية، كما ينبغي توضيح البدائل المتاحة للأسر، والضوابط المتعلقة باستكمال الدراسة والالتحاق بالجامعات المصرية، حتى لا تجد هذه الأسر نفسها أمام قرارات مصيرية دون خيارات تعليمية واضحة وعملية.

 

رابعًا: هل نحقق الانتماء أم ندفع أبناءنا بعيدًا؟.. هذا الأب عاد إلى مصر بإرادته، ولم يكن مضطرًا إلى ذلك، لكنه يجد نفسه الآن أمام معضلة حقيقية: إما أن يعيد أبناءه إلى البلد الذي غادره، متخليًا عن حلمه في ربطهم بوطنهم، أو أن يتخلى الأبناء عن جنسيتهم المصرية ليعاملوا معاملة الأجانب في بلدهم، لا سيما في ظل غياب أي خيار يتيح للطالب الإقرار صراحةً بعدم رغبته في الالتحاق بالجامعات المصرية الخاضعة لهذه القرارات .

 

وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل يؤدي التطبيق الجامد للقرار في مثل هذه الحالات إلى تعزيز الهوية الوطنية، أم قد يدفع بعض الأسر إلى التراجع عن قرار العودة، ويضعف ارتباط أبنائها بمصر؟

 

إن الهوية الوطنية لا تُبنى بالعقبات، بل بالمعرفة والانتماء والشعور بأن الوطن يتسع لأبنائه.

 

المطلوب ليس إعفاء هؤلاء الأبناء من هويتهم، وإنما تمكينهم من فهمها والتواصل معها..وليس المطلوب التراجع عن تدريس مواد الهوية الوطنية، بل تطبيقها بروح القانون، من خلال آليات واقعية وعادلة تراعي اختلاف ظروف الطلاب، فإذا كنا نريد لأبناء المصريين في الخارج أن يعودوا إلى وطنهم، فعلينا أن نجعل العودة بداية لارتباط أعمق به، لا سببًا يدفع أسرهم إلى التفكير مجددًا في الرحيل عنه وفقدانهم إلى الأبد.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق