نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اللواء أركان حرب طيار محمد صلاح عارف لـ«صوت الأمة»: أكتوبر نقطة تحول كبيرة.. والحرب أعادت الثقة في قدرة المصريين وقواتهم المسلحة - تواصل نيوز, اليوم السبت 17 أكتوبر 2026 08:09 مساءً
شاركت في مهام الإبرار الجوي خلف خطوط العدو.. والمفاجأة بدأت من سرية الإعداد
التدريب جعلنا قادرين على التعامل مع المواقف الحقيقية.. وصوت «الله أكبر» من الجنود أثناء العبور ما زال في أذني
تحقيق السيطرة الجوية أتاح الفرصة للقوات البرية لتنفيذ مهامها دون تدخل جوي معادٍ فعال
الحرب في العصر الحديث ليست فقط مواجهة عسكرية مباشرة وإنما حروب نفسية واقتصادية تستهدف معنويات الشعوب
المصري عندما يؤمن بقضيته يستطيع تحمل الصعاب.. والأهم أن نحافظ على وعي الشعب وتماسكه
عندما نستعيد تفاصيل حرب أكتوبر المجيدة، فإن الصورة لا تكتمل فقط عند الحديث عن الخطط الكبرى والعمليات العسكرية الحاسمة، وإنما تكتسب أبعادها الحقيقية من شهادات الضباط والجنود الذين عاشوا المعركة من داخلها، ونفذوا المهام التي كانت جزءًا من خطة العبور واستعادة الأرض.
ومن بين هذه الشهادات تأتي شهادة اللواء أركان حرب طيار متقاعد محمد صلاح عارف، أحد أبطال طياري الهليكوبتر بالقوات الجوية المصرية، والذي شارك في تنفيذ مهام الإبرار الجوي خلف خطوط العدو، ونقل القوات إلى مناطق كانت تحت سيطرة العدو لتنفيذ مهام بالغة الأهمية في عمقه، وتؤكد شهادات منشورة عنه أنه شارك في إبرار قوات الاستطلاع والصاعقة في عمق سيناء خلال حرب أكتوبر.
وفي حواره لـ«صوت الأمة»، يستعيد اللواء أركان حرب طيار متقاعد محمد صلاح عارف تفاصيل الأيام والسنوات التي سبقت الحرب، وكيف تحول التدريب المستمر قبل حرب أكتوبر والإعداد الحقيقي لمعركة استعادة الأرض.. وإلى نص الحوار..
في البداية.. كيف كانت مشاركتك في حرب أكتوبر، وما طبيعة الدور الذي قمت به خلال المعركة؟
شاركت بالفعل في حرب أكتوبر، وكان دوري مرتبطًا بالطيران العمودي وتنفيذ مهام الإبرار الجوي خلف خطوط العدو. كنا ننقل القوات من الأراضي التي تسيطر عليها مصر إلى الأراضي التي يسيطر عليها العدو، لتنفيذ مهام محددة في مناطق خلف خطوطه، وكانت هذه القوات لها أهمية كبيرة، لأنها كانت تقوم بمهام استطلاع والحصول على معلومات عن تحركات وانتشار العدو، كما كانت هناك مهام أخرى للإبرار الجوي تستهدف الفصل بين المستوى الأول والمستوى الثاني من قوات العدو، وهو ما كان مهمًا حتى تتمكن القوات الرئيسية من عبور قناة السويس بالقوارب دون أن يكون هناك تدخل فعال من قوات العدو بالشكل الذي يمكن أن يعطل عملية العبور. وبالتالي، فإن مهمتنا لم تكن مجرد نقل أفراد بطائرات الهليكوبتر، وإنما كانت جزءًا من منظومة عسكرية متكاملة، وكل طلعة كانت لها مهمة وهدف محدد داخل الخطة العامة للمعركة.
عندما نتحدث عن حرب أكتوبر بعد أكثر من خمسة عقود.. هل كانت هناك أسرار عسكرية وقتها أسهمت في تحقيق المفاجأة؟
حرب أكتوبر اليوم لم تعد بها أسرار بالمعنى الذي كان موجودًا وقتها، لكن أثناء الحرب كانت المفاجأة هي العنصر الأهم. والمفاجأة لم تكن مجرد قرار مفاجئ بالهجوم، وإنما كانت نتيجة سنوات من الإعداد والتخطيط والتدريب والعمل في سرية كاملة، هذه السرية كان لها أثر بالغ في تحقيق النصر، لأن كل شخص لم يكن يعرف بالضرورة الصورة الكاملة أو موعد بدء الحرب، كانت القيادة الاستراتيجية تضع الخطط، ثم يتم تحويلها إلى مهام على المستويات العملياتية والتكتيكية، وفي النهاية يصل إلى المنفذ الجزء الذي يحتاج إلى معرفته فقط لتنفيذ مهمته.
وهل كنت تعرف أن الحرب ستبدأ في السادس من أكتوبر؟
لا.. وأنا شخصيًا لم أكن أعرف أن الحرب ستبدأ في الساعة الثانية ظهرًا، وأستطيع أن أقول إن نحو 90% من المنفذين على المستوى التكتيكي لم يكونوا يعرفون أن الحرب ستبدأ في هذا التوقيت، كنا نتعامل مع الأمر باعتباره مشروعًا أو تدريبًا عسكريًا جديدًا، مثل المشروعات التي كنا ننفذها ثم نعود بعدها إلى أماكننا. لم يكن لدينا تصور بأننا أمام حرب حقيقية ستبدأ بعد ساعات، وهذا تحديدًا هو جزء مهم من نجاح عنصر المفاجأة.
ومتى اكتشفت أن ما تقومون به ليس تدريبًا وإنما بداية حرب حقيقية؟
في البداية كنا في منطقة التحميل، وكنا نعتقد أننا سننفذ مشروعًا ونعود، مثلما يحدث في التدريبات. لكن في حوالي الساعة الثانية ظهرًا، ومن خلال أجهزة الاتصال اللاسلكي، بدأنا نعرف أن القوات المصرية بدأت تنفيذ العمليات وأن الحرب بدأت بالفعل. في هذه اللحظة تغير كل شيء. لم يعد هناك مشروع تدريبي أو طلعة عادية، وإنما أصبحنا أمام حرب حقيقية، وأصبح كل فرد يعرف أن عليه أن يؤدي المهمة المكلف بها بأقصى درجة من الدقة.
ماذا تتذكر من اللحظات التي سبقت صدور التكليف بالمهمة؟
كنت في مكان مختلف عن المكان الذي أعمل فيه عادة، وتم استدعائي لتنفيذ طلعة، وفي البداية اعتقدت أنها مهمة عادية. توجهت إلى مركز عمليات اللواء، وهناك وجدت قائد الوحدة محاطًا بالخرائط، وكانت الخرائط أمامه وعلى الأرض وعلى الجدران، وكان واضحًا أن هناك أمرًا استثنائيًا يحدث، قال لي وقتها: «اقعد يا صلاح.. أنت هتطلع طلعة مهمة جدًا». ثم شرح لي خط السير ومكان المهمة ومسار العودة، وعندما سألته عن التوقيت قال لي إن التنفيذ سيكون الساعة الثانية ظهرًا، خرجت من عنده وأنا في حالة من الدهشة، وقلت لزملائي إن هذا لا يمكن أن يكون مشروعًا عاديًا، لأن كل مشروع كنا ننفذه كان ينتهي بالعودة، أما هذه المرة فكان واضحًا أن هناك شيئًا مختلفًا وكبيرًا سيحدث.
وما المشهد الذي لا يزال عالقًا في ذاكرتك من يوم العبور؟
من أكثر المشاهد التي لا يمكن أن أنساها أنني كنت أطير بطائرة هليكوبتر فوق قناة السويس، وشاهدت الجنود المصريين وهم يعبرون القناة في القوارب، كان الجنود يهتفون «الله أكبر»، وصوتهم كان يصل إلينا في الطائرة بشكل واضح، وهذا الصوت تحديدًا ما زال في أذني حتى الآن، رغم مرور 53 عامًا، كان المشهد شديد التأثير؛ ترى الجنود يعبرون، والقوات تتحرك، والجسور يتم مدها، وكل فرد يؤدي دوره في إطار خطة كبيرة. ومن الجو كنت أشاهد صورة كاملة للمعركة، وكأنني أرى بانوراما حرب أمام عيني، واستمر هذا المشهد حتى الليل.
كم عامًا استغرق إعدادكم لهذه اللحظة؟
التدريب بدأ بالنسبة لنا في السادس من يونيو 1967، أي بعد النكسة مباشرة، واستمر نحو ست سنوات حتى حرب أكتوبر. وأستطيع أن أقول إن التدريب في أحيان كثيرة كان أصعب من العمليات نفسها. كان هناك العرق والتعب والإجهاد، وأحيانًا الدم والإصابات، إلى جانب الابتعاد عن الأسرة. كنا نعيش في حالة استعداد مستمرة للحظة التي لم نكن نعرف متى ستأتي.
حتى حياتنا الأسرية تأثرت بهذا الأمر. ابنتي ولدت عام 1971، حضرت ميلادها، لكن طبيعة عملي جعلتني لا أعيش معها تفاصيل سنوات نموها كما يعيش أي أب مع ابنته. كانت زوجاتنا يتحملن مسؤولية تربية الأبناء، بينما كنا نحن نؤدي واجبنا، وكنا نعتبر أننا نترك «البيت الصغير» من أجل «البيت الكبير»، وهو مصر.
هل ساعدكم هذا التدريب الطويل بالفعل في مواجهة المواقف الخطرة أثناء الحرب؟
بالتأكيد، التدريب هو الذي جعلنا قادرين على التعامل مع المواقف الحقيقية. ومن أخطر المواقف التي تعرضت لها أننا أثناء مرورنا فوق أحد مواقع العدو تمكن من اكتشاف الطائرة، وأطلق علينا أربعة صواريخ «لوك»، لكننا كنا قد تدربنا من قبل على كيفية التعامل مع هذه الصواريخ وتفاديها، ولذلك استطعنا تجاوز الموقف. وهذا يؤكد أن سنوات التدريب التي سبقت الحرب لم تكن مجرد تدريبات روتينية، وإنما كانت إعدادًا حقيقيًا للحظة القتال.
من المواقف التي لا تنساها أيضًا نقل أحد الضباط إلى عمق كبير داخل سيناء.. ماذا حدث؟
من المواقف التي لا يمكن أن أنساها أنني نقلت أحد الضباط إلى عمق نحو 220 كيلومترًا داخل سيناء، وكانت المهمة ليلية. وصلنا إلى المكان المحدد في حوالي التاسعة مساءً، وكان عليه أن ينزل ويبقى خلف خطوط العدو لتنفيذ مهمته. وعندما جاء وقت نزوله، طرق على نافذة الطائرة وقال لي: «توصل بالسلامة يا فندم وترجع لأهلك بالسلامة»، ثم نزل الضابط وبقي خلف خطوط العدو، بينما عدنا نحن. هذا المشهد بالنسبة لي يجسد معنى التضحية، لأن الضابط كان يعرف أنه ذاهب إلى منطقة شديدة الخطورة، ومع ذلك كان يؤدي واجبه دون تردد.
وكيف تقيم دور الضربة الجوية في بداية المعركة؟
كانت هناك خطة لتنفيذ ضربتين جويتين مركزتين، لكن بعد تنفيذ الضربة الأولى وتحقيق أهدافها لم تعد هناك ضرورة لتنفيذ الضربة الثانية بالشكل المخطط له. نجاح الضربة الأولى لم يكن يقاس فقط بعدد الأهداف التي تم التعامل معها، وإنما بنوعية الأهداف التي تم تدميرها، تم التعامل مع أجزاء مهمة من منظومة الدفاع الجوي، وتدمير أجزاء كبيرة من التحصينات ومواقع العدو، وكذلك عناصر من المستوى الأول ومخازن الإمداد.
هذه الضربة وجهت للعدو ضربة قوية جعلته يحتاج إلى وقت حتى يستعيد توازنه، وهو ما ساعد في تحقيق السيطرة الجوية وإتاحة الفرصة للقوات البرية لتنفيذ مهامها دون تدخل جوي معادٍ فعال بالشكل المتوقع.
ما الذي يعنيه لك نجاح القوات المصرية في العبور بأقل من الخسائر التي كانت متوقعة؟
كانت هناك تقديرات قبل الحرب بأن الخسائر أثناء العبور يمكن أن تصل إلى 50%، لكن ما حدث خلال اليومين الأولين كان مختلفًا، وكانت الخسائر في حدود نحو 1.5%. وهذا يعكس حجم النجاح في التخطيط والتنفيذ، لأن العبور لم يكن عملية منفردة، وإنما كان نتيجة تعاون وتنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة؛ من الضربة الجوية والدفاع الجوي والمدفعية والمشاة والإبرار الجوي وغيرها.
وماذا عن الجانب الاقتصادي في الإعداد للحرب؟
الحرب لا تقوم بالسلاح فقط، وإنما تحتاج إلى اقتصاد وإمداد ونقل وغذاء. ولذلك كانت هناك أولوية لتوفير احتياجات القوات المسلحة، كل الإمكانات المتاحة كانت توجه وفق متطلبات المعركة، لأن الجيش كان يستعد لتحرير الأرض. النقل والإمدادات والمواد الغذائية وكل الاحتياجات الأساسية كانت جزءًا من الاستعداد، وكان الجميع يعرف أن المعركة تحتاج إلى دولة كاملة تعمل من أجل هدف واحد.
وهل كانت دراسة مسرح العمليات عاملًا مهمًا في نجاح خطة العبور؟
بالتأكيد، قناة السويس وخط بارليف كانا يمثلان تحديًا كبيرًا، وكان هناك اعتقاد بأن عبور الساتر الترابي يحتاج إلى إمكانات ضخمة، لكن التخطيط المصري اعتمد على وسائل مبتكرة، من بينها استخدام خراطيم المياه لفتح الثغرات في الساتر الترابي.
كما تم اختيار توقيت الضربة الجوية بعناية، الساعة الثانية ظهرًا، وكان من الاعتبارات أن تكون الشمس في مواجهة العدو، بما يساعد القوات المصرية في تنفيذ المهمة. كل هذه التفاصيل كانت نتيجة دراسة طويلة لمسرح العمليات وتدريب مستمر على تنفيذ المهام في مختلف الظروف.
هل هناك موقف شعرت فيه أن نجاتكم كانت بفضل حماية إلهية؟
نعم، كانت الطائرة من المفترض أن تطير نحو أربع ساعات بالحمولة والوقود المقرر لها، لكننا استمررنا في الطيران حتى أربع ساعات وعشر دقائق، أي تجاوزنا المدة المفترضة، ثم عدنا وهبطنا وأغلقت الأبواب. في مثل هذه اللحظات يشعر الإنسان أن هناك حماية من الله سبحانه وتعالى. أحيانًا نصل إلى مواقف يصعب تفسيرها بالحسابات وحدها، ولذلك كنت أقول إن هناك «جنودًا من عند ربنا سبحانه وتعالى» كانوا يحفظوننا.
بعد 53 عامًا.. ماذا تمثل حرب أكتوبر بالنسبة لك؟
أكتوبر كانت نقطة تحول كبيرة بالنسبة لمصر. الحرب أعادت الثقة في قدرة المصريين وقواتهم المسلحة، وكانت انتقالًا من حالة إلى حالة أخرى. وأقول دائمًا إن حرب أكتوبر كانت أساسًا لما وصلت إليه مصر بعد ذلك، ولولا ما تحقق فيها ما كنا وصلنا إلى ما نحن عليه الآن. الحرب أثبتت أن التخطيط والتدريب والإرادة قادرة على تغيير المعادلات.
وكيف ترى طبيعة الحروب الحديثة مقارنة بما عايشتموه في أكتوبر؟
الحروب تتطور باستمرار. اليوم أصبحت الطائرات المسيرة عنصرًا مهمًا جدًا، وأصبح من الممكن تنفيذ مهام كانت تحتاج في الماضي إلى طائرات مأهولة أو أعداد كبيرة من الأفراد باستخدام وسائل أكثر تطورًا.
لكن الحرب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المدفعية والطائرات والصواريخ، وإنما أصبحت الحرب الاقتصادية جزءًا مهمًا منها، الضغط الاقتصادي يمكن أن يؤثر في الشعوب والجيوش، وأحيانًا يكون تأثيره النفسي والاجتماعي شديدًا، لأن المواطن يشعر بتأثيره في حياته اليومية، ولهذا يجب أن نفهم أن الحرب في العصر الحديث ليست فقط مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما يمكن أن تكون هناك حرب نفسية واقتصادية تستهدف معنويات الشعوب وتماسكها.
وما رسالتك إلى شباب القوات المسلحة؟
رسالتي لهم أن يحافظوا على التدريب والاستعداد، وأن يدركوا أن طبيعة الحرب تتغير باستمرار، وبالتالي فإن القوات المسلحة مطالبة دائمًا بالتطور ومواكبة كل جديد. أما الشباب المدني، فأقول له إن دوره لا يقل أهمية، لأن بناء الدولة يحتاج إلى العلم والعمل والإنتاج والوعي. ولا يوجد شيء اسمه شعب في جانب وجيش في جانب آخر؛ الشعب والجيش واحد، لكن لكل منهما دوره وأدواته.
ماذا تقول للمصريين في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الصعبة؟
أقول للمصريين إن الظروف الصعبة ليست دائمة، وإن مصر تمر بمرحلة من الضغوط الاقتصادية، لكن علينا أن نتحمل ونعرف أن هذه الضغوط يمكن أن تكون جزءًا من حرب نفسية واقتصادية تستهدف معنويات الناس. وأقول أيضًا إن القيادة الوطنية والقوات المسلحة الوطنية تعملان من أجل الدولة، والجيش ليس ضد الشعب، وإنما هو جزء منه ومعه.
أما رسالتي الأخيرة فهي أن نضاعف جهودنا في العمل والتعلم والتطوير، وأن يكون لدينا وعي بما يحدث حولنا، وأن نحافظ على تماسكنا وحبنا للجيش والوطن.
















0 تعليق