نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اللواء أركان حرب مشاة متقاعد محمد قشقوش: مصر لا تفرط في حبة رمل مهما كانت بسيطة.. وأرضنا سيادة لا تقبل التجزئة - تواصل نيوز, اليوم السبت 17 أكتوبر 2026 09:08 مساءً
حرب أكتوبر كانت حتمية.. واختيار التوقيت جزء من التخطيط المصري العبقري
حرب الاستنزاف مرحلة انتقالية بين الهزيمة والانتصار استمرت ست سنوات وأربعة أشهر
إعداد حائط الصواريخ أحد أهم مفاتيح الإعداد للحرب لتحييد وهزيمة الطيران الإسرائيلي
قدت 5 عمليات ضد القوات الإسرائيلية داخل سيناء.. والإغارة على نمرة 6 كانت الأصعب
بعد مرور أكثر من نصف قرن على حرب أكتوبر 1973، تظل شهادات أبطال القوات المسلحة الذين عايشوا سنوات الإعداد وشاركوا في حرب الاستنزاف والعبور، واحدة من أهم الشهادات الحية التي تكشف كيف تحولت هزيمة يونيو 1967 إلى دافع لبناء القوة واستعادة الأرض والكرامة، وفي مقدمة هؤلاء اللواء أركان حرب مشاة متقاعد محمد قشقوش، الذي عايش حرب 1967 على الحدود المصرية الإسرائيلية، ثم شارك في حرب الاستنزاف وقاد خمس عمليات داخل سيناء، وصولًا إلى الإغارة على النقطة القوية في نمرة 6، قبل أن يشهد مرحلة الإعداد والتخطيط التي سبقت انتصار السادس من أكتوبر.
وفي حواره لـ«صوت الأمة»، يستعيد اللواء محمد قشقوش تفاصيل رحلة السنوات الست والأربعة أشهر من الهزيمة إلى النصر.. وإلى نص الحوار..
بدايةً.. كيف تنظر إلى حرب أكتوبر 1973، وما الأسباب التي جعلت منها حربًا حتمية بالنسبة لمصر؟
حرب أكتوبر كانت حربًا حتمية فرضتها هزيمة 1967، واحتلال سيناء، وإغلاق قناة السويس. وبالتالي كان يجب أن تقوم هذه الحرب لحسم هذه القضايا الرئيسية؛ أولها تحرير الأرض، وإزالة آثار الهزيمة التي كانت هزيمة بلا حرب، ثم إعادة فتح قناة السويس بما يخدم الاقتصاد المصري.
وأقول «هزيمة 67» لأنني حضرت حرب 1967، وكنت في الكتائب على الحدود المصرية الإسرائيلية. وعندما قامت الحرب صدر أمر بالانسحاب في يومها، وانسحبنا خلال يومين ونصف تقريبًا. ولم نرَ أي قوات إسرائيلية، ولم نرَ سوى الطيران الإسرائيلي ذهابًا وإيابًا، يتحرك بحرية ويدمر المركبات والدبابات وكل ما كان في طريقه.
كان الأمر مؤلمًا للغاية، وظل هذا الشعور موجودًا في الذاكرة خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973. وأصبح هذا الشعور بمثابة وقود ودافع لنا: يجب أن تقوم الحرب، ويجب أن نستعد لها، ويجب أن نحرر الأرض، ويجب أن نمحو عار هذه الحرب التي كانت هزيمة بلا حرب، وهو ما تحقق بفضل الله.
ماذا مثّلت حرب الاستنزاف في رحلة الانتقال من هزيمة 1967 إلى انتصار أكتوبر؟
حرب الاستنزاف استمرت ست سنوات وأربعة أشهر، وكانت بمثابة مرحلة انتقالية بين الهزيمة والانتصار؛ لأنه كان هناك إعداد للحرب بدأ من قرب الصفر تقريبًا، وصولًا إلى الإعداد الكامل.
كان هناك إعداد للقوات، والأسلحة والمعدات، وإعداد لمسرح العمليات، إلى جانب إعداد الدولة سياسيًا واقتصاديًا، أي إعداد شامل استعدادًا لهذه الحرب. وبالتالي لم تكن حرب الاستنزاف مجرد فترة من الاشتباكات أو المواجهات المحدودة، وإنما كانت مرحلة كاملة جرى خلالها بناء عناصر القوة التي احتاجتها مصر في حرب أكتوبر.
ولو نظرنا إلى التاريخ، سنجد أن دولة مثل ألمانيا، التي هُزمت في الحرب العالمية الأولى عام 1918، احتاجت إلى 21 عامًا حتى تخوض الحرب العالمية الثانية وتسعى إلى محو آثار هزيمتها، ورغم أنها هُزمت مرة ثانية، لكن مصر احتاجت فقط إلى ست سنوات وأربعة أشهر لتنتقل من هزيمة بلا حرب إلى انتصار مؤزر من عند الله.
وهنا تظهر أهمية حرب الاستنزاف باعتبارها مرحلة إعداد وانتقال، فلم يكن المطلوب فقط أن نمتلك الرغبة في تحرير الأرض، وإنما كان المطلوب أن تتحول هذه الرغبة إلى قدرة حقيقية على الفعل، وهو ما جرى العمل عليه خلال تلك السنوات.
وما أبرز عناصر الإعداد العسكري التي سبقت حرب أكتوبر؟
الإعداد كان كبيرًا جدًا، ومن أهم عناصره إعداد حائط الصواريخ للدفاع الجوي، بهدف تحييد وهزيمة الطيران الإسرائيلي.
وكان يوم 30 يونيو، الذي يُعتبر يوم قوات الدفاع الجوي، محطة مهمة جدًا في هذا الإعداد. وكان نجاح حائط الصواريخ في إسقاط الطائرات الإسرائيلية أحد الأسباب الرئيسية لقبول إسرائيل وقف إطلاق النار، نتيجة سقوط الطائرات الإسرائيلية بصورة متتالية أمام حائط الصواريخ، وكانت ذروة هذا الدور في 30 يونيو، واستمر الوضع حتى مبادرة روجرز عام 1970.
وأعتبر أن إعداد حائط الصواريخ كان أحد أهم مفاتيح الإعداد للحرب؛ لأنه لو لم يكن هناك دفاع جوي، لظل الطيران الإسرائيلي يتحرك بحرية. أما إذا لم يكن هناك تفوق جوي مصري، فعلى الأقل كان يجب أن يقوم الطيران المصري بواجباته الدفاعية والهجومية المحدودة شرق قناة السويس، بينما كان الدفاع الجوي هو الذي سيقوم بتحييد الطيران الإسرائيلي، وهو ما حدث بالفعل.
ومن هنا يمكن فهم أن الإعداد للحرب لم يكن عنصرًا واحدًا منفردًا، وإنما كان مجموعة من العناصر التي تكاملت مع بعضها، وكان الدفاع الجوي واحدًا من المفاتيح المهمة التي ساعدت في توفير الظروف اللازمة لتنفيذ الحرب.
وكيف تطورت حرب الاستنزاف، وما الدور الذي لعبه الشعب المصري في هذه المرحلة؟
تدرجت حرب الاستنزاف من الأقل إلى الأكبر، ومن التدخل بالسلاح والاشتباكات المحدودة إلى التدخل القوي وتنفيذ العمليات داخل سيناء، وكان من العوامل التي أثرت في المرحلة الأولى أن إسرائيل كانت تضرب مدن القناة، وتم تهجير سكان مدن القناة عام 1968، وكان هذا مجهودًا كبيرًا جدًا وتحملًا عظيمًا من جانب الشعب المصري.
وأنا كتبت عن هذا الموضوع تحت عنوان «دور الشعب المصري في انتصار أكتوبر»، وكان التهجير أحد المقومات المهمة؛ لأن تهجير سكان مدن القناة أتاح حرية أكبر للقيادة المصرية والجيش المصري في الرد على العربدة الإسرائيلية.
قبل التهجير، لو ضربنا طلقة، كانت إسرائيل ترد بضرب الإسماعيلية أو السويس ليلًا، وتهدم مباني بما فيها. لكن بعد التهجير أصبحت هناك مساحة أكبر للحركة العسكرية والرد على الاعتداءات الإسرائيلية.
وطبعًا هذا الموضوع يحتاج إلى مجال آخر للحديث عن دور الشعب المصري، لأن جزءًا من هذا الدور كان تحمل التهجير لمدة ست سنوات، منذ بداية التهجير وحتى عودة السكان ثم إعادة الإعمار، وهذا كله يُحسب للشعب المصري العظيم.
فالشعب لم يكن بعيدًا عن معركة الإعداد، وإنما كان جزءًا من الظروف التي أحاطت بالحرب.
شاركت بنفسك في عمليات داخل سيناء خلال حرب الاستنزاف.. ماذا تتذكر عن هذه المرحلة؟
تدرجت حرب الاستنزاف إلى أن وصلنا إلى مرحلة كنا نعبر فيها قناة السويس ونعاقب القوات الإسرائيلية بالأعمال الفدائية داخل سيناء، وكان لي شرف أن أقود خمس عمليات. كنت أنا القائد، ورغم أنني كنت وقتها ملازم أول، فإنني ما زلت أذكر الرجال زملائي الذين شاركوني هذه العمليات: الملازم أول طارق سمك، والملازم مصطفى رمضان، والملازم محمد عبدين، والملازم سعودي، والرقيب حمزة، والرقيب فهيم حنامي خليل، والعريف طلب.
خضنا معًا خمس عمليات ضد القوات الإسرائيلية، وتدرجت هذه العمليات من الأقل إلى الأكبر ثم إلى الأصعب، وانتهت بالإغارة على النقطة القوية في نمرة 6، جنوب نمرة 6، والتي كانت تحت الإنشاء ولم يكن قد تم استكمال احتلالها، لكنها كانت تضم المهندسين ونقاط الحراسة.
وأثناء مهاجمة النقطة يوم 9 أو 10 يوليو 1969، كان لي شرف مقابلة الرئيس جمال عبد الناصر، الذي تصادف وجوده بعدها بيومين، والقوة مُنحت التكريم، وحصل كل فرد على نوط الشجاعة العسكرية من الطبقة الأولى.
وهذه ورقة، رغم أن لدي أنواطًا أخرى، أحتفظ بها حتى الآن معلقة في مكتبي. وأنا لا علاقة لي بشخص الرئيس جمال عبد الناصر بقدر ما يتعلق الأمر بالظروف التي تمت فيها الواقعة؛ فأنا كنت ملازم أول وقائد مجموعة الفدائيين، وكل هذه الاعتبارات تجعل هذه الورقة لها قيمة كبيرة جدًا عندي، ولذلك أحتفظ بها وأعتز بها.
هذه العمليات كانت جزءًا من التدرج الذي شهدته حرب الاستنزاف، من الاشتباكات الأقل إلى العمليات الأكبر والأصعب، وأظهرت أن القوات المصرية لم تكتفِ بالدفاع، وإنما انتقلت إلى مرحلة المبادأة وتنفيذ عمليات داخل سيناء.
بعد سنوات الإعداد وحرب الاستنزاف، كيف جرى التخطيط لحرب أكتوبر؟
بعد الإعداد الجيد، تم التخطيط الدقيق الذي لم يغفل شاردة ولا واردة. ومن أهم نقاط التخطيط كانت خطة الخداع الاستراتيجي واختيار توقيت الحرب.
لم تكن هناك قضية أو مشكلة إلا وكان التخطيط قد غطاها، بداية من الساتر الترابي وكيفية فتحه، وصولًا إلى بناء الكباري والعبور، وده كان إعجازًا مصريًا نفذته القوات المسلحة.
وأذكر أن هذا كان نتاج الديمقراطية داخل المؤسسة العسكرية. فكرة فتح الساتر الترابي باستخدام المياه كانت فكرة الملازم أول مهندس باقي زكي يوسف، وتبنتها القوات المسلحة وطورتها ونفذتها، فلم يقل أحد: «ده ملازم أول صغير، ما نسمعش كلامه ونروح نجيب ناس كبار يتكلموا». بالعكس، كانت هناك ديمقراطية مفتوحة، والفكرة قُبلت وتم تطويرها وتنفيذها، وده يُحسب للجيش المصري، ويُحسب له أن هناك ديمقراطية في الدراسة واتخاذ القرارات داخل المؤسسة العسكرية.
وتخيل كمية المياه المستخدمة لفتح فتحات الساتر، والتي كان أقلها يصل إلى نحو 15 ألف متر مكعب. لو حسبنا هذه الكمية بالنسبة للوري حمولة خمسة أطنان، سنجد أننا نتحدث عن عدد ضخم جدًا من السيارات.
وهذا يوضح حجم العمل المطلوب لتنفيذ الفكرة، خاصة أن الساتر الترابي كان يمثل عقبة كبيرة أمام عملية العبور، وكان التعامل معه يحتاج إلى فكرة عملية يمكن تنفيذها في ظروف الحرب، وهو ما تحقق بالفعل باستخدام المياه بعد أن تبنت القوات المسلحة الفكرة وطورتها.
ولماذا كان اختيار توقيت حرب أكتوبر بهذه الدقة؟
اختيار التوقيت كان أيضًا جزءًا من التخطيط المصري العبقري، تم اختيار الشهر بحيث لا يكون الجليد قد استقر بعد في الجولان، كما أن درجات الحرارة تكون قد انخفضت، وكانت هناك اعتبارات أخرى مرتبطة بالمناورات الإسرائيلية التي تمت في مايو، وما إذا كان الإسرائيليون سيتوقعون مناورة أخرى أم لا.
كما تم اختيار الشهر العربي بناءً على عدة اعتبارات، منها المد والجزر، لأن إقامة الكباري والعبور كانت تحتاج إلى توقيت مناسب. وكانت هناك اعتبارات أخرى مرتبطة بالعمل ليلًا ونهارًا، وحركة الدبابات والكباري.
فالتوقيت لم يكن مجرد اختيار ليوم مناسب، وإنما ارتبط بمجموعة من الاعتبارات التي كان لابد من وضعها في الحساب، من حالة الجليد ودرجات الحرارة، إلى المناورات الإسرائيلية، ثم الاعتبارات الخاصة بالشهر العربي والمد والجزر، إلى جانب ظروف الحركة والعمل وبناء الكباري والعبور.
كيف تصف تنفيذ القوات المسلحة لخطة الحرب بعد سنوات الإعداد والتخطيط؟
تنفيذ الحرب كان شجاعًا وبطوليًا. كان هناك اقتحام لخط بارليف وتدميره، وأسر من تم أسرهم، كما أن هناك مواقع إسرائيلية استسلمت، ومنها موقع لسان بورتوفيق وموقع القنطرة، بعد خمسة أيام من الحصار.
وبالمناسبة، على الجانب الآخر، كان هناك موقع الكبريت في الضفة الشرقية، وهو موقع مصري لم يستسلم لمدة 104 أيام، وظل يقاتل حتى آخر لحظة، واستمر في الصمود والاشتباك.
وهذه نقطة مهمة جدًا في المقارنة؛ لأننا حينما نتحدث عن تنفيذ الحرب، لابد ان نقول إن القوات المصرية لم تكتفِ بالتخطيط الجيد والإعداد، وإنما عند التنفيذ ظهرت الشجاعة والبطولة الحقيقية، سواء في اقتحام خط بارليف وتدمير تحصيناته، أو في صمود المواقع التي تعرضت للحصار.
وموقع الكبريت تحديدًا يمثل نموذجًا للصمود؛ فقد ظل رجاله يقاتلون ويؤدون مهمتهم رغم الحصار، ولم يستسلموا طوال 104 أيام، وبعد اقتحام خط بارليف، تم دفع الاحتياطيات، والاستيلاء على الأرض وإقامة رأس الشاطئ.
وأحب هنا أوضح نقطة في المصطلحات العسكرية للعلم فقط: كلمة «رأس الكوبري» تُستخدم عندما تكون المنطقة المقامة عليها رأس الكوبري بين شاطئين، مثل النهر أو القناة، بحيث يكون هناك شاطئان.
أما إذا كانت المنطقة على ناحية واحدة من البحر، فنقول «رأس الشاطئ»، وليس «رأس الكوبري». وهذه مجرد مسميات عسكرية للتوضيح، لكنها مهمة في الوصف الدقيق لما تم خلال العمليات.
ما الرسالة التي حملتها استعادة كل شبر من الأرض المصرية، حتى في المناطق محل الخلاف؟
كان هذا دليلًا على أن مصر، مثلما قال الرئيس، لا تفرط في ذرة رمل من أرضها، وهو ما حدث بالفعل، وكان هناك في سيناء مزارع، منها مزرعة ياميت في سيناء، وكذلك في رأس نصراني، وكانت إسرائيل تتفاوض على أن تبقى هذه المنشآت، سواء بحق الانتفاع أو الإيجار، لكن كل ذلك رُفض، وتمت إزالة القريتين.
ومصر عندما فعلت ذلك كانت تؤكد رسالة واضحة لباقي الأشقاء العرب، عندما يخوضون تجارب مشابهة، وهي أن مصر لا تفرط في حبة رمل مهما كانت بسيطة؛ لأن حبة الرمل تساوي جزءًا من سيادة الدولة، ونحن لا نفرط في أرض ولا في سيادة.
الأرض المصرية ليست مجرد مساحة جغرافية، وإنما هي سيادة، والسيادة لا تقبل التجزئة، وهذه الرسالة تظل من أهم ما يمكن استخلاصه من مسيرة استعادة الأرض؛ لأن قيمة الأرض لا تتحدد بحجمها، وإنما بما تمثله من سيادة وحق وكرامة وطنية.
في ختام هذا الحوار.. ما الرسالة التي توجهها لأبطال حرب أكتوبر وللأجيال القادمة؟
أتمنى أن يكون الدرس المستفاد من حرب أكتوبر درسًا لأجيالنا القادمة: أن بالتخطيط الجيد، والإعداد الجيد، والأخذ بالأسباب، والتوكل على الله، نستطيع أن نحقق أي شيء، ونحن نستطيع أن ننطلق بمصر إلى رحاب أوسع، بإذن الله، وهو ما نهدف إليه اليوم وغدًا في بناء مصر الحديثة، بإذن الله.
















0 تعليق