"السبت الأسود" يهز فرنسا... من يكسب غضب الشارع في 2027؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"السبت الأسود" يهز فرنسا... من يكسب غضب الشارع في 2027؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 18 أكتوبر 2026 02:56 مساءً

استيقظت مدن عديدة في فرنسا صباح الأحد على آثار الدمار والتخريب والنهب التي خلّفتها تظاهرات السبت 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، الذي تحوّل إلى "سبت أسود" بعدما طغت أعمال العنف على المطالب الاجتماعية والتربوية التي نزل مئات آلاف الفرنسيين إلى الشوارع للدفاع عنها. وفي بلد يستعد لانتخابات رئاسية بعد نحو ستة أشهر، بدأ يبرز سؤال سياسي حساس عن المستفيد من الفوضى التي اجتاحت الشوارع، وعن قدرة الرئيس المقبل على إخراج البلاد من أزماتها المتراكمة.

 

ففي باريس ومرسيليا وبوردو ومدن أخرى، تعرضت متاجر للنهب ومبانٍ رسمية للاعتداء، من البلديات إلى مراكز الشرطة ومقار المحافظات، فيما واجهت قوات الأمن مجموعات عنيفة تحركت على هامش المسيرات الرسمية.

 

وبحسب أحدث حصيلة أعلنتها السلطات، أوقفت قوات الأمن نحو 1800 شخص في أنحاء البلاد، بينهم 855 في منطقة باريس، فيما أصيب أكثر من 500 من عناصر الشرطة والدرك والإطفاء. وبلغ عدد المشاركين في التظاهرات 550 ألف شخص وفق وزارة الداخلية، مقابل 800 ألف بحسب المنظمين.

 

مارة قرب أثاث محترق وآثار تخريب في وسط بوردو بجنوب غرب فرنسا، 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، غداة احتجاجات على غلاء المعيشة. (أ ف ب)

مارة قرب أثاث محترق وآثار تخريب في وسط بوردو بجنوب غرب فرنسا، 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، غداة احتجاجات على غلاء المعيشة. (أ ف ب)

 

شوارع خارج السيطرة

كانت الصور التي انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية صادمة، خصوصاً في مرسيليا، حيث أظهرت ملثمين يرتدون الملابس السوداء أو السترات الصفراء وهم يقتحمون مدخل مبنى البلدية، فيما كان أحد الشبان يصرخ وسط الحشود "لنستولِ على الباستيل!"، في إشارة إلى الثورة الفرنسية.

 

وفي مشاهد أخرى، اضطر عناصر من قوات مكافحة الشغب إلى التراجع أمام حشود أمطرتهم بالحجارة والحواجز المعدنية واللافتات المنتزعة من الشوارع. ولم تتمكن القنابل المسيلة للدموع من وقف تقدم بعض المجموعات التي هاجمت آليات الشرطة وأجبرتها على الانسحاب.

 

وامتدت أعمال التخريب إلى مدن أخرى، وكان أبرزها الحريق الذي ألحق أضراراً جسيمة بمبنى البلدية التاريخي في ليموج، فيما تعرضت مؤسسات ومتاجر للاعتداء في ليون وبوردو.

 

واللافت أن المواجهات بدأت في بعض المناطق قبل انطلاق المسيرات الرسمية، ما كشف الصعوبات التي واجهتها قوات الأمن في السيطرة على مجموعات تحركت خارج الأطر المنظمة للتظاهر.

 

وفي العاصمة، طاولت الاضطرابات محيط الشانزليزيه وساحة الكونكورد وحي المادلين، بينما عززت الشرطة انتشارها حول القصر الرئاسي في شارع فوبور سان أونوري.

 

وأجمع المسؤولون الفرنسيون، وفي مقدمهم رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو ووزير الداخلية لوران نونيز، على اتهام مجموعات من اليسار المتطرف بالمشاركة في أعمال الشغب والتخريب. وأكد نونيز أن عدداً كبيراً من المسيرات جرى بصورة سلمية، لكن مجموعات متطرفة استغلت التعبئة لمهاجمة المؤسسات والمتاجر، مشدداً على ضرورة التمييز بين الطلاب الذين يحتجون على تدهور أوضاع التعليم الرسمي والعناصر التي استغلت التظاهرات لنشر الفوضى.

 

متظاهر يشعل النار بمواد قرب قناة سان مارتان في باريس، 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، خلال احتجاجات على غلاء المعيشة. (أ ف ب)

متظاهر يشعل النار بمواد قرب قناة سان مارتان في باريس، 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، خلال احتجاجات على غلاء المعيشة. (أ ف ب)

 

ميلانشون تحت الضغط

يجد زعيم حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون نفسه مجدداً في قلب الجدل السياسي بشأن مسؤوليته عن تأجيج التوتر في الشارع الفرنسي. فمنذ سنوات، يعتمد خطاباً احتجاجياً حاداً في مواجهة السلطة، ويدعو باستمرار إلى التعبئة الشعبية ورفض السياسات الحكومية، مقدماً نفسه مدافعاً عن الفئات الاجتماعية المتضررة ومطالب الشباب والطلاب.

 

غير أن منتقديه يعتبرون أن هذا الخطاب التصعيدي يساهم في تعميق الانقسام السياسي وخلق مناخ من المواجهة تستفيد منه المجموعات الأكثر تشدداً.

 

ولا توجد أدلة تثبت أن ميلانشون وجّه أعمال العنف أو نظمها، لكن النقاش يتمحور حول مدى مسؤوليته السياسية عن نتائج التعبئة التي يدعو إليها، خصوصاً عندما تتحول الاحتجاجات إلى اعتداءات تستهدف المؤسسات العامة وقوات الأمن.

 

والمفارقة أن استمرار هذه المواجهات قد يصب في مصلحة خصومه من اليمين المتطرف، الذين يجعلون استعادة الأمن والنظام محوراً أساسياً في خطابهم الانتخابي.

 

فهذه الفوضى تأتي قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع 2027، وتطرح احتمال أن يؤدي التصعيد الذي ترافق مع تعبئة اليسار الراديكالي إلى نتيجة معاكسة لما يسعى إليه، عبر دفع قسم من الناخبين القلقين من انعدام الأمن نحو خطاب حزب "التجمع الوطني" الذي تتزعمه مارين لوبن.

 

وقد تتحول التظاهرات التي انطلقت للمطالبة بتحسين التعليم ومواجهة غلاء المعيشة إلى عامل يعزز حضور القوى السياسية التي تضع الأمن والنظام والتشدد في ملف الهجرة في مقدمة برامجها. ومع ذلك، يبقى هذا الاحتمال رهناً بتطور الأوضاع، ولا يمكن اعتباره نتيجة انتخابية محسومة.

 

جان لوك ميلانشون يتوسط قياديين من حزب فرنسا الأبية خلال تظاهرة ضد غلاء المعيشة في باريس، 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب)

جان لوك ميلانشون يتوسط قياديين من حزب فرنسا الأبية خلال تظاهرة ضد غلاء المعيشة في باريس، 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب)

 

معركة خلافة ماكرون

تشير استطلاعات الرأي إلى قوة حضور "التجمع الوطني" في المشهد الانتخابي، فيما يواجه المرشحون المنتمون إلى معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون، ولا سيما رئيسا الحكومة السابقان إدوار فيليب وغابريال أتال، صعوبات في الابتعاد عن حصيلة عهده وإقناع الفرنسيين بقدرتهم على تقديم مشروع سياسي جديد.

 

وفي المقابل، برز صعود الاشتراكي الديموقراطي رافاييل غلوكسمان، الذي فاز في الانتخابات التمهيدية لليسار الاشتراكي الديموقراطي، في 11 تشرين الأول/أكتوبر، بنسبة 66.17 في المئة، مقابل 14.46 في المئة للأمين العام للحزب الاشتراكي أوليفييه فور.

 

ويعكس هذا الفوز توجهاً داخل قسم من اليسار نحو الابتعاد عن خط ميلانشون والبحث عن بديل اشتراكي معتدل مؤيد لـأوروبا، وإن كان ضعف المشاركة في الانتخابات التمهيدية يطرح تساؤلات بشأن قدرته على توسيع قاعدته الانتخابية.

 

لكن هذه الحسابات السياسية تجري على خلفية أزمة اقتصادية ومالية عميقة، يحمّل فيها قسم واسع من الفرنسيين ماكرون مسؤولية التدهور الذي تعيشه البلاد.

 

فقد بلغ الدين العام الفرنسي نحو 3.6 تريليونات يورو (4.04 تريليونات دولار) بنهاية الربع الثاني من عام 2026، أي ما يعادل 119 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تتوقع الحكومة أن تصل فوائد الدين إلى 91.2 مليار يورو (102.47 مليار دولار) سنوياً في 2027، بعدما قُدرت بـ79.2 مليار يورو (88.99 مليار دولار) في 2026.

 

وزادت تحذيرات صندوق النقد الدولي بشأن ضرورة وضع خطة موثوقة لضبط المالية العامة من حدة النقاش، خصوصاً مع ارتفاع كلفة الاقتراض وتراجع قدرة الحكومات على إقرار إصلاحات مالية في ظل الانقسام السياسي.

 

غير أن تحميل ماكرون وحده مسؤولية تراكم الدين يتجاهل عوامل أساسية ساهمت في تفاقمه. ففي سنوات جائحة كورونا، اعتمد الرئيس الفرنسي سياسة إنفاق استثنائية لحماية المؤسسات والوظائف وتعويض خسائر القطاعات الاقتصادية، معلناً أن الدولة ستوفر المساعدة مهما بلغت الكلفة.

 

ثم جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا وأزمة الطاقة لتفرضا أعباء إضافية على فرنسا والدول الأوروبية.

 

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصافح نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب)

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصافح نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب)

 

مأزق الدولة الاجتماعية

تكمن إحدى المعضلات الأساسية للاقتصاد الفرنسي في أن المواطنين اعتادوا منذ عقود نموذجاً اجتماعياً يوفر حماية واسعة تمولها الدولة ونظام الضمان الاجتماعي، من التأمين الصحي والتقاعد إلى التعليم الرسمي والمساعدات المخصصة للمسنين وذوي الدخل المحدود والعاطلين عن العمل.

 

وتضاف إلى ذلك مكتسبات اجتماعية أخرى، أبرزها تحديد مدة العمل القانونية بـ35 ساعة أسبوعياً، وإن كانت هذه المدة لا تعني أن جميع الفرنسيين يعملون فعلياً العدد نفسه من الساعات.

 

وتشكل هذه الضمانات ركناً أساسياً في النموذج الاجتماعي الفرنسي، لكنها تتطلب تمويلاً ضخماً ومتزايداً، خصوصاً مع ارتفاع متوسط الأعمار وتزايد أعداد المتقاعدين وتكاليف الرعاية الصحية.

 

وهنا تكمن المعضلة التي تواجه الحكومات المتعاقبة. فكيف يمكن خفض الإنفاق العام وضبط العجز والدين من دون المساس بالمكتسبات الاجتماعية التي يعتبرها الفرنسيون حقوقاً راسخة ويرفضون التراجع عنها؟

 

فكل محاولة لإصلاح نظام التقاعد أو تقليص بعض النفقات تواجه احتجاجات واسعة، فيما يؤدي الإبقاء على النظام من دون إصلاحات أو مصادر تمويل كافية إلى استمرار الضغوط على المالية العامة.

 

وقد شكّل إصلاح نظام التقاعد أحد أبرز أسباب المواجهة بين ماكرون والشارع، بعدما سعى إلى رفع سن التقاعد للحد من الأعباء المالية المستقبلية، في مواجهة رفض اجتماعي واسع.

 

أما القرار السياسي الذي يتحمل ماكرون مسؤوليته المباشرة، فيبقى حل الجمعية الوطنية عام 2024، وما أعقبه من انتخابات أدت إلى انقسام البرلمان إلى كتل متنافسة من دون أغلبية مستقرة. وقد عرقل هذا الانقسام عمل الحكومات المتعاقبة وأضعف قدرتها على إقرار الموازنات والإصلاحات الضرورية لمعالجة العجز المالي.

 

والمشكلة أن هذه الأزمة قد تستمر بعد مغادرة ماكرون السلطة في أيار/مايو المقبل، بعدما أصبح غير قادر دستورياً على الترشح لولاية ثالثة متتالية.

 

فحتى لو فازت مارين لوبن بالرئاسة، بعدما أعاد الحكم الاستئنافي الصادر في 7 تموز/يوليو 2026 فتح الطريق أمام ترشحها، فإن ذلك لا يضمن حصول حزبها على أغلبية في الجمعية الوطنية. وقد تجد نفسها أمام برلمان منقسم يعطل تنفيذ برنامجها، لتستمر الأزمة المؤسسية والمالية التي تعاني منها البلاد.

 

وتثير توجهات لوبن الاقتصادية تساؤلات جدية، خصوصاً دعوتها إلى تخفيف شروط التقاعد وتقليص مساهمة فرنسا في موازنة الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تشديد سياسة الهجرة. فهذه الخيارات تطرح تحديات تتعلق بمصادر التمويل والعلاقات مع الشركاء الأوروبيين، في بلد يعاني أصلاً من دين ضخم وعجز يصعب ضبطه.

 

وفي المحصلة، يكشف "السبت الأسود" عمق أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية سترافق فرنسا إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية. فالبلاد تبدو منقسمة بين يسار راديكالي يرفع شعارات الاحتجاج، ويمين متطرف يركز على المخاوف الأمنية والغضب الاجتماعي، ووسط سياسي تراجعت شعبيته بعدما ارتبط بحصيلة عهد ماكرون.

 

ويبقى السؤال الأكبر عن قدرة أي رئيس مقبل على إعادة الاستقرار، وخفض الدين والإنفاق العام، والمحافظة في الوقت نفسه على دولة الرعاية الاجتماعية التي اعتاد الفرنسيون الاستفادة منها ورفضوا مراراً المساس بمكتسباتها. فهل تتمكن انتخابات 2027 من إخراج البلاد من أزمتها، أم تتجه فرنسا نحو مرحلة جديدة من الانقسام والتعطيل، مهما كانت هوية الرئيس الذي سيدخل قصر الإليزيه؟

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق