نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حكايات العرب على فنجان قهوة... لكلّ نقشة وطن ولكلّ فنجان حكاية - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 01:46 مساءً
قد نختلف في طريقة إعداد القهوة، وفي مقدار ما نضيفه إليها من سكر أو هال، لكنّنا نلتقي عند المكانة التي نمنحها لها. فللقهوة في وجداننا العربي منزلة لا تُقاس بمذاقها. فيها من دفء البيوت ما لا تمنحه المواقد، ومن أُنس اللقاءات ما يبقى بعد انفضاضها. تحضر في أفراحنا وأحزاننا، وترافق أحاديثنا وصمتنا، وتعرف من أسرار المجالس ما لا تحفظه الكتب. كأنّ للقهوة نصيباً من أعمارنا، نودعها من الذكريات أكثر ممّا نضع فيها من ماءٍ وبنّ.
وللفنجان الذي يحملها سيرة تستحقّ أن تُروى. فما أكثر ما حملته تلك الأواني الصغيرة من حكايات، وما أقلّ ما التفتنا إلى حكايتها هي. على خزفها تفتّحت زهور، وتشابكت أغصان، وتعاقبت ألوان وأشكال سافرت بين المدن والبلدان، تحمل أثر صنّاعها وأذواق الشعوب التي مرّت بها. ومنها ما جاء من وراء البحار غريباً، ثم طال به المقام في بيوتنا حتى حسبناه من ميراثنا.
فنجان القهوة في سوريا... زهور الخزف في بيوت دمشق
في البيوت الدمشقية القديمة، كانت للأواني المزخرفة مكانة تتجاوز استعمالها اليومي. فقد دخلت قطع الخزف الملوّن إلى غرف الاستقبال، واستقرّت على الرفوف وفي تجاويف الجدران، شاهدةً على ذائقة فنية تأثّرت بما وصل إلى المدينة من صناعات وأساليب زخرفية.
فنجان قهوة من الخزف السوري المعاصر، يستعيد الزخارف النباتية والهندسية لفنّ القيشاني الدمشقي بألوانه التقليدية. (نقشات)
ويحتفظ متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك بفنجان وصحن يعودان إلى القرن الثامن عشر، يُنسب صنعهما إلى مدينة كوتاهيا العثمانية، من الأنواع التي كانت تُعرض في غرف استقبال المنازل السورية الميسورة خلال تلك الحقبة.
وكانت كوتاهيا، إلى جانب إزنيق، من أبرز مراكز صناعة الخزف في الأناضول، حيث ازدهرت الزخارف النباتية ورسوم الأزهار، في ظلّ تأثيرات امتدّت من الخزف الصيني إلى الفنون العثمانية.
ومن خلال هذه القطع، يمكن قراءة فصل من تاريخ التجارة والتبادل الفني بين المدن. فالزهور التي تزيّنت بها الأواني لم تكن دائماً من ابتكار المكان الذي استقبلها، غير أنّها دخلت في ذائقته مع الزمن، وأصبحت جزءاً من المشهد المنزلي والاجتماعي.
فنجان القهوة في فلسطين... حين يحتفظ الأزرق بأثر اليد
في الخليل، تتّخذ حكاية الخزف وجهاً آخر، عنوانه الحرفة التي قاومت تبدّل الأزمنة.
هناك، يتجلّى الأزرق الكوبالتي والفيروزي في زخارف تتداخل فيها الأزهار والأغصان والأشكال الهندسية، على الصحون والأكواب والفناجين والبلاط. ألوان ارتبطت بصناعة عريقة، ظلّت فيها مهارة اليد ركناً أساسياً من هوية القطعة.
فنجان خزفي فلسطيني بزخارف زهرية زرقاء. (Hebron Ceramics / Masala Bazaar)
السعودية... زخارف الجدران تجد طريقها إلى فنجان القهوة
في السعودية، يحتفظ الفنجان الصغير بمكانته في المجالس، سواء جاء أبيض بسيطاً، أو زيّنته خطوط ذهبية ونقوش مستوحاة من الفنون المحلية.
ومن النماذج اللافتة في التصميم المعاصر استعادة فنّ "القطّ العسيري"، الذي نشأ في منطقة عسير جنوب المملكة، واشتهرت النساء بممارسته لتزيين الجدران الداخلية للمنازل.
وقد أدرجت اليونسكو "القطّ العسيري" على قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2017، اعترافاً بقيمته الفنية والاجتماعية.
فنجان معاصر بزخارف هندسية مستوحاة من تراث عسير. (السيف)
الإمارات... للفنجان آداب تتوارثها المجالس
أمّا في الإمارات، فتكتمل حكاية الفنجان بما يرافقه من طقوس، إذ تتجاوز قيمته الزخارف التي قد تزيّنه، لتشمل طريقة تقديمه وما تحمله من دلالات اجتماعية.
تتنوّع الفناجين بين الأبيض البسيط والتصاميم المذهّبة والمزخرفة، فيما تحتفظ الدلّة بمكانتها في المجالس الإماراتية. ويُقدَّم مقدار صغير من القهوة في الفنجان، وفق آداب تراعي الضيف ومكانته، بينما تشكّل هزّة الفنجان إشارة مألوفة إلى الاكتفاء.
فناجين قهوة خزفية تستوحي زخارفها الهندسية من حرفتَي التلّي والسفيفة الإماراتيتين، في تصميم يجمع التراث بالفن المعاصر. (Designedbyhind)
وفي أبوظبي، تسعى مبادرة "بيت القهوة" إلى صون هذه الممارسات، من تحميص البن وطحنه إلى إعداده وتقديمه، بما يحفظ المعرفة المتوارثة وآداب المجلس.
فنجان القهوة في لبنان... الزهرة التي ألفتها البيوت
في لبنان، تحضر زهرة صغيرة يعرفها كثيرون، حتى لو لم يعرفوا أصلها أو اسمها.
على فنجان أبيض بلا مقبض، تتوزّع أوراق خضراء وزرقاء ورسوم زهرية حمراء، تعلوها أحياناً حافة ذهبية رفيعة. إنّه "فنجان الشفّة"، الذي رافق صباحات البيوت، وصواني الضيافة، وجلسات الجيران والعائلات، حتى غدا من التفاصيل التي يصعب فصلها عن الذاكرة المنزلية.
لم يكن فنجاناً فاخراً، ولا قطعة نادرة تُحفظ بعيداً من متناول الأيدي. ولعلّ في شيوعه سرّ حضوره. فقد عرفته أجيال متعاقبة، وأصبح شكله جزءاً مألوفاً من الثقافة البصرية اللبنانية.
النقشة الزهرية التي ألفتها البيوت اللبنانية. (Ottsworld)
وفي حديث إلى "النهار"، تربط رنا سلام، المؤسِّسة والمديرة الفنية لاستوديو Rana Salam STUDIO، هذه الألفة بانتشار الفنجان المستورد من الصين واستخدامه على نطاق واسع بين مختلف الفئات الاجتماعية، ما جعله جزءاً من الثقافة البصرية الشعبية.
وتختصر طبيعته بعبارة "Cheap & Cheerful"، أي قليل الكلفة ومبهج، في وصف يلخّص بساطته وحضوره الواسع في الحياة اليومية.
ولعلّ في ذلك مفارقة تستحقّ التأمّل، فالفنجان الذي استقرّ في وجدان اللبنانيين لم يكن بالضرورة من صناعة محلية، والنقشة التي اعتادوا رؤيتها في بيوتهم تحمل آثار عالم أوسع من حدودهم.
فنجان القهوة من لبنان إلى إثيوبيا... الزهرة التي عبرت الحدود
اللافت أنّ هذه الزهرة المألوفة في لبنان تظهر بصورة شديدة الشبه على فناجين القهوة في إثيوبيا، حيث يحضر فنجان صغير يُعرف باسم "Sini"، ويرافق طقوساً متجذّرة في الحياة الاجتماعية.
وفي مقال بعنوان "The Flower We Thought Was Ours"، نشرته منصة "HUBHUB" الإثيوبية في 11 أيلول/سبتمبر 2026، تتوقّف ماريا، المديرة الإبداعية في المنصة، عند اكتشاف التشابه بين الفنجان الإثيوبي ونظيره اللبناني، وتبحث في الجذور المحتملة لهذه النقشة، بين تأثيرات الخزف الصيني والصناعات العثمانية وطرق التجارة القديمة.
وتشير المقالة إلى أنّ اسم "Sini" يرتبط لغوياً بتسمية الخزف الصيني، في إشارة أخرى إلى الصلات الثقافية والتجارية التي نسجت تاريخ هذه الأواني.
فناجين السيني المزخرفة على صينية تقليدية خلال مراسم تقديم القهوة الإثيوبية. (Houstonia Magazine)
وحتى اليوم، لا تتوافر أدلّة تحسم هوية المصمّم الأول للزهرة أو الطريق الدقيق الذي سلكته إلى البلدان المختلفة. وقد يكون انتشارها نتيجة إنتاج تجاري واسع أعاد تقديم النقشة بأشكال متقاربة.
لكنّ التشابه بين الفنجانين اللبناني والإثيوبي يفتح سؤالاً يتجاوز البحث عن بلد المنشأ: كيف تكتسب الزخرفة الواحدة معاني مختلفة، حتى تصبح جزءاً من ذاكرة شعوب تفصل بينها الجغرافيا وتجمعها ألفة الأشياء اليومية؟
فنجان القهوة بين الحنين والتجديد... أيّ حياة للنقوش القديمة؟
اليوم، تعود الرسوم التقليدية إلى الواجهة، وتجد مكانها في تصاميم معاصرة تستلهم التراث الشعبي. ومع هذا الحضور المتجدّد، يبرز سؤال عن علاقتنا بالماضي: هل يكفي أن نعيد إنتاج ما أحببناه، أم يقتضي الحفاظ عليه أيضاً منحه فرصة للتطوّر؟
ترى رنا سلام أنّ انجذاب الناس إلى الأشياء القديمة يرتبط بما توقظه فيهم من مشاعر وذكريات، وهي عاطفة تدرك العلامات التجارية قيمتها وتستثمرها في منتجاتها.
لكنّها تشدّد على أهمية إعادة تفسير هذه التصاميم، أو ابتكار نقوش وأشياء جديدة تعبّر عن هويتنا اليوم، محذّرةً من أن الاكتفاء باستعادة الأشكال القديمة قد يحول دون تطوير لغة بصرية معاصرة.
بين الحنين والحداثة، تعيد رنا سلام توظيف الزخارف التقليدية في تصاميم تستحضر الذاكرة البصرية العربية. (Rana Salam STUDIO)
ولعلّ أجمل ما ترويه هذه الفناجين أنّ للأشياء أوطاناً أخرى غير تلك التي صُنعت فيها. وهكذا تُنسج ذاكرة الشعوب، من أشياء جاءت من بعيد وأخرى نبتت في تربتها، ثم امتزجت جميعها بتفاصيل العيش، حتى غدا من العسير التمييز بين ما ورثناه وما اكتسبناه على مرّ الزمن. فالثقافة ليست إرثاً ساكناً نضعه خلف زجاج المتاحف؛ إنّها أثر الحياة في الأشياء، وما تتركه الأجيال المتعاقبة فيها من ذوق وروح ومعنى.
ولفنجان القهوة، على تواضع حجمه، نصيب من هذا التاريخ الإنساني. ففي زهرته التي تكرّرت على خزف بلدان متباعدة، وفي زخارفه التي حملت ألوان المدن وملامح الحِرف، نقرأ شيئاً من قدرة الشعوب على أن تجعل من الأشياء العابرة جزءاً من خصوصيتها. فما يُبقي الفنجان في الوجدان ليس جمال النقشة وحده، بل كلّ ما مرّ من حياةٍ على حافّته.







0 تعليق