نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
توافق مصري سعودى لحماية الأمن العربى - تواصل نيوز, اليوم السبت 19 سبتمبر 2026 09:08 مساءً
العلاقات بين مصر والمملكة لا تقبل الا أن تكون مثلى في الإطار العربي.. وأمن السعودية والخليج جزء من الأمن القومي المصري
الثلاثاء الماضى، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، ، الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي عهد المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس الوزراء، ولم تكن زيارة ولي العهد السعودي مجرد محطة جديدة، في مسار العلاقات المصرية السعودية، ولا لقاء بين قيادتين تجمعهما علاقات استراتيجية ممتدة، بل جاءت في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها أزمات الخليج والبحر الأحمر، واليمن وتهديدات الملاحة، مع صراع أوسع على النفوذ وموازين القوى في المنطقة.
لكن أهمية الزيارة لا تتوقف عند الملفات التي كانت حاضرة على طاولة المباحثات، لكن أيضا، في المكان الذي جرت فيه، وفي الدلالة التي تحملها القاهرة في هذه اللحظة تحديدا، فمصر لا تنظر إلى ما يحدث في الخليج باعتباره أزمة بعيدة عن حدودها، ولا تتعامل مع البحر الأحمر باعتباره مجرد ممر مائي، لكن ترى الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس، داخل دائرة أمنية واستراتيجية واحدة، تجعل أي اضطراب في إحدى حلقاتها، قابلا للانتقال سريعا إلى الحلقات الأخرى.
ولهذا جاءت الرسالة الأوضح من القاهرة، تؤكد أن أمن السعودية ودول الخليج، جزء من الأمن القومي المصري، بالتوازي مع التأكيد المصري السعودي، على أمن وحرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، وهذه الرسالة لا تعني فقط إعلان التضامن مع دولة حليفة، بل تؤكد قراءة مصرية لطبيعة الأمن الإقليمي نفسه، فحين تهتز الملاحة في الخليج، لا يبقى التأثير داخل أرضه فقط، ووقتما يتعرض باب المندب والبحر الأحمر للاضطراب، لا تتوقف التداعيات عند حدود الدول المطلة عليه، بل تمتد إلى التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد وقناة السويس، وبالتالي تصبح القضية جزءا مباشرا من حسابات القاهرة.
وخلال اللقاء، أشاد الرئيس السيسى بعمق العلاقات الأخوية التي تجمع البلدين الشقيقين، فيما شدد الأمير محمد على رسوخ الروابط الأخوية بين البلدين، ومعبرًا عن سعادته بزيارة مصر ولقاء الرئيس، ومثمنًا ما تشهده العلاقات الثنائية من تطور مستمر، والحرص المتبادل على مواصلة التنسيق والتعاون المشترك واستكشاف آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات.
وشهد اللقاء توافقًا بين الرئيس وولي العهد على أن العلاقات بين مصر والمملكة لا تقبل الا أن تكون مثلى في الإطار العربي، وأن أمن السعودية ودول الخليج هو جزء من الأمن القومي المصري، مع تحفظ ورفض وادانه مصر الكاملة لأي اعتداءات أو تهديدات تمس سيادة المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها أو حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية، وأن الظروف الحالية تقتضي المزيد من التضامن والتنسيق بين البلدين، وأن مصلحة واهداف البلدين واحدة ويوجد بينهما تفاهم مطلق، وأن زيارة سمو ولي العهد تؤكد على التضامن والأخوة الكاملة بين مصر والمملكة وكل دول الخليج.
وفي ذات الإطار، اتفق الزعيمان على ضرورة تكثيف العمل بهدف وضع وتنفيذ إجراءات عملية لتطوير التعاون الثنائي، وإزالة أي عقبات قد تعوق زيادة حجم التبادل التجاري والاستثماري، بما يرتقي بالعلاقات إلى مستوى يتناسب مع الأواصر التاريخية والجوار الاستراتيجي بين مصر والمملكة العربية السعودية.
تناولت التطورات الإقليمية والتحديات الراهنة، حيث جدد الرئيس موقف مصر الثابت في دعم المملكة العربية السعودية وكافة الدول العربية في مواجهة الظروف الإقليمية الراهنة. وفي هذا السياق، تم التأكيد على ضرورة تكثيف التنسيق والتواصل فيما بين البلدين، كما أكد ولي العهد تقديره لمواقف مصر، تحت قيادة السيد الرئيس، في دعم جهود الاستقرار والسلام الإقليميين، مثمنًا التضامن والمساندة المصرية للمملكة في مواجهة التحديات الجيوسياسية الأخيرة. كما تم التأكيد على الموقف المصري السعودي الحريص على ضمان حرية وأمن الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب وفي البحر الأحمر، حيث شدد السيد الرئيس على دعم مصر للإجراءات التي تتخذها المملكة لحماية أمنها واستقرارها، وللتوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية.
اللقاء شهد أيضًا تأكيدًا على المواقف المصرية السعودية المشتركة إزاء دعم سيادة واستقرار كافة الدول العربية، حيث توافق الرئيس وولي العهد على استمرار التشاور والتنسيق المباشر خلال الفترة المقبلة حول مختلف الموضوعات الثنائية والتطورات الإقليمية.
ومن هنا، تصبح القاهرة أكثر من طرف في المشهد، وتصبح مركزا لقراءته، فمصر تملك موقعا جغرافيا يجعلها في قلب حركة الملاحة بين الشرق والغرب، وثقلا سياسيا وعسكريا، وتاريخا طويلا في إدارة الملفات العربية، وقدرة على التواصل مع أطراف متعددة في أوقات الأزمات، وهذه العناصر لا تجعل القاهرة مطالبة بالدخول في كل صراع، لكنها تمنحها قدرة على التأثير في مساره، وعلى حماية مصالحها قبل أن تتحول تداعيات الأزمات إلى أمر واقع، لذلك تظهر دلالة ما يمكن تسميته بالتحالفات الوهمية.
فالوهم ليس بوجود التحالفات نفسها، لكن في الاعتقاد بأن التحالف المعلن يكفي لصناعة الأمن، فالسنوات الماضية شهدت ترتيبات سياسية وأمنية متعددة، لكن الأزمات كشفت أن الاصطفاف وحده، لا يصنع قدرة حقيقية على إدارة الصراع، فالتحالف يمكن أن يبدو قويا في البيانات والاجتماعات، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح مطلوبا اتخاذ قرار، وتحمل كلفته، وإدارة تداعياته، ثم الانتقال من المواجهة إلى التسوية.
وتكتسب العلاقة المصرية السعودية، دلالة تتجاوز التنسيق التقليدي بين دولتين، فالرياض، تمثل ثقلا مركزيا في الخليج، بينما تمثل القاهرة، ثقلا سياسيا واستراتيجيا في المشرق والبحر الأحمر، والتقاء الثقلين لا يعني بالضرورة تشكيل محور جديد في مواجهة محور آخر، وإنما يمكن أن يفتح مساحة عربية أوسع لصناعة القرار والتأثير في مسار الأحداث.
والأهم أن هذه المساحة، لا ينبغي أن تتحول إلى سباق جديد على النفوذ، وإنما إلى محاولة لاستعادة مفهوم أكثر واقعية للأمن العربي، بأن تكون هناك قدرة عربية على منع الأزمات من التحول إلى حروب مفتوحة، وعلى حماية الممرات البحرية، وعلى التعامل مع الملفات الإقليمية باعتبارها مترابطة، لا أزمات منفصلة يمكن عزل بعضها عن بعض.
ولهذا فإن ملف اليمن، الذي حضر في مباحثات القاهرة، لا يمكن فصله عن أمن البحر الأحمر والملاحة، فاستمرار الصراع لا يعني فقط استنزافا سياسيا وعسكريا، بل يفتح الباب أمام مزيد من الاضطراب في واحد من أهم الممرات البحرية، ويمنح القوى الإقليمية والدولية مساحة أكبر للتدخل والتأثير، وقد أكدت القاهرة، دعمها للجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة للأزمة اليمنية.
ومن هنا، تظهر أهمية الانتقال من مفهوم إدارة الخطر إلى معالجة جذوره، فالقوة وحدها قد تمنع تهديدا في لحظة، لكنها لا تصنع استقرارا دائما، كما أن استمرار الحروب والنزاعات يخلق بيئة مفتوحة للتدخلات الخارجية، ويجعل المنطقة تدور في دائرة من التصعيد ثم الهدنة ثم التصعيد من جديد، لذلك يصبح خفض التصعيد وتصفير النزاعات مصلحة استراتيجية، وليس مجرد شعار دبلوماسي، فالمطلوب ليس أن تتخلى الدول العربية عن أدوات القوة، بل أن تمتلك إلى جانبها أدوات السياسة والتفاوض والوساطة، وأن تستخدم ثقلها في منع تحول الخلافات إلى حروب طويلة يصعب التحكم في نتائجها، وهنا أيضا، تظهر خصوصية الدور المصري.
لذلك، فإن القاهرة، ليست مطالبة بأن تدخل كل مواجهة إقليمية، بل بأن تحدد أين تكمن مصالحها وأمنها القومي، ثم تستخدم أدواتها السياسية والجغرافية والعسكرية والدبلوماسية، لحماية هذه المصالح، فالتأثير لا يعني خوض كل الحروب، بل امتلاك القدرة على منع الحرب من فرض قواعدها، وامتلاك مساحة للحركة تسمح بالتفاوض، عندما يصبح التفاوض ممكنا، وبالردع عندما يصبح ضروريا.
وهذا هو المعنى الأعمق لعودة القاهرة، إلى مركز معادلة الأمن العربي، فليس استعادة تحالفات قديمة، ولا إنشاء تحالفات جديدة، وإنما استعادة القدرة على صناعة القرار، فمصر لا تستطيع فصل أمنها عن أمن الخليج والبحر الأحمر، والسعودية، لا يمكنها فصل أمن الخليج عن محيطه العربي، وبين الحقيقتين تتشكل مساحة استراتيجية، يمكن أن تتحول من مجرد تنسيق ثنائي إلى قاعدة أوسع للعمل العربي المشترك.
لذالك، فإن زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة، تحمل دلالة تتجاوز العلاقات المصرية السعودية، إنها تضع أمام المنطقة اختبارا حقيقيا لمفهوم الأمن العربي نفسه، فهل تظل الدول العربية تتعامل مع الأزمات بعد انفجارها، أم تمتلك القدرة على التأثير في مسارها قبل أن تصل إلى نقطة اللاعودة؟ فالمعادلة الجديدة تحتاج إلى تفاهمات قادرة على الصمود، وإلى مراكز قرار عربية تمتلك رؤية واضحة، ومصالح محددة وأدوات تأثير حقيقية.
ومن القاهرة، تبدأ هذه المعادلة، لأن مصر، لا تقع على هامش دوائر الأمن الإقليمي، بل في قلبها، والخليج يرتبط بالبحر الأحمر، والبحر الأحمر يرتبط بقناة السويس، والملاحة مرتبطة بالتجارة والطاقة، وكل هذه الدوائر تلتقي في النهاية عند الأمن المصري والعربي، وأي اضطراب في هذه الدائرة، ينعكس بكل تأكيد على مصر والمنطقة والعالم، ومن هنا تبدو عودة الرؤية المصرية للأمن القومي العربي، من خلال استعادة فكرة أن الدول العربية تستطيع، عندما تتوافر الإرادة السياسية، أن تكون طرفا في صناعة قواعد الأمن الإقليمي، لا مجرد متلق للنتائج، لهذا فإن زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر، تبعث برسالة مزدوجة، تؤكد أن الرياض لا تستطيع فصل أمن الخليج عن محيطه العربي، وفي المقابل منها، القاهرة، لا تستطيع فصل أمنها القومي عن أمن الخليج والبحر الأحمر، وبين الرسالتين، تتشكل حاجة عربية ملحة إلى طاولة تجمع الكبار، قبل أن تفرض ميادين الحرب قواعدها على الجميع.

















0 تعليق