نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الآثار والهوية... ماذا تخسر الشعوب حين تفقد ذاكرتها؟ - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 03:46 صباحاً
طوال اثني عشر عاماً، احتفظ السوري خالد عبد الحليم بقطع أثرية حرص على حمايتها من الضياع، قبل أن يقرّر إعادتها إلى متحف الرقة في 15 تشرين الأول/أكتوبر الجاري. لم يكن ما فعله مجرد تسليم مقتنيات قديمة إلى الجهات المختصة، بل بدا، في رمزيته، محاولة لإنقاذ شيء من تاريخ مدينة أنهكتها سنوات الحرب. فقد حافظ على القطع منذ عام 2014، وغلّفها بعناية، إيماناً منه بأنّ مكانها الطبيعي ليس في حوزته، بل في الذاكرة الجماعية التي تنتمي إليها.
القصة التي شهدتها الرقة ليست معزولة عن مشهد عربي أوسع. ففي وقت تستعيد فيه بلدان آثاراً هُرّبت إلى الخارج، لا تزال مواقع تاريخية أخرى تواجه التدمير والإهمال وضغوط العمران. وبين ما يعود وما يختفي، يبرز سؤال يتجاوز حدود المتاحف وعلم الآثار: ماذا تخسر الشعوب حين تفقد الشواهد التي تربطها بماضيها؟ وهل يمكن استعادة الذاكرة بمجرد استعادة الحجارة؟
في منطقة عربية تعاقبت على أرضها حضارات عظيمة، كما تعاقبت عليها حروب ونزاعات وموجات تهجير، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً. فخلف كل معبد مهدّم، ومدينة أثرية منهوبة، وبيت قديم اختفى من مكانه، حكاية مجتمع قد يفقد شيئاً من قدرته على التعرّف إلى نفسه.
ركام الجامع العمري الكبير في غزة، في مشهد يكشف حجم الخسارة التي أصابت التراث المعماري. (UltraSawt)
حين تغيب الآثار... ماذا يبقى من الهوية؟
بالنسبة إلى الدكتورة ندى كلّاس، الباحثة في علم الآثار ورئيسة قسم الآثار في الجامعة اللبنانية، لا تتشكّل الهوية دفعة واحدة، بل تنمو عبر تراكمات من التجارب والعادات والتقاليد والمعتقدات والمعارف والمظاهر الثقافية والفنية. وفي هذا المسار، تؤدّي الآثار دوراً أساسياً، لأنها تمنح الذاكرة حضوراً مادياً يستطيع الإنسان أن يراه ويلامسه ويتفاعل معه.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في المجتمعات العربية، حيث لا يمكن قراءة الهوية بمعزل عن الحضارات المتعاقبة التي مرّت على الأرض وتركت آثارها فيها.
أعمدة تدمر التاريخية عند الغروب. (RNZ)
في هذا السياق، يلفت الأب يوسف رامي فاضل، الطالب المتخصّص في علم الآثار، إلى أنّ الهوية اللبنانية، مثلاً، لا يمكن اختزالها بانتماء حضاري واحد، فينيقياً كان أم عربياً. إنها هوية مركّبة، تكشف طبقاتها الأثرية عن تعاقب حضارات وثقافات، من الفينيقية إلى الرومانية والبيزنطية والعربية.
ولا تقتصر أهمية هذه الطبقات على إثبات وجود الحضارات القديمة، بل تكشف أيضاً تفاصيل الحياة اليومية، من الفنون واللغات إلى الأدوات والتقنيات وطرق العيش. فالآثار، كما يشرح فاضل، تمنح الروايات التاريخية سنداً علمياً، وتتيح إعادة النظر في بعض ما نعتقد أننا نعرفه عن الماضي.
قطعة أثرية برونزية بين يدي أحد العاملين في المتحف الوطني بدمشق، ضمن آثار استعادتها سوريا من الولايات المتحدة. (وكالة الأناضول)
آثار تعود... وأخرى تختفي
خلال أيلول/سبتمبر الماضي، تسلّم لبنان في نيويورك ثلاث قطع من توابيت رصاصية تعود إلى العصر الروماني، يُعتقد أنها سُرقت من حفريات غير شرعية في منطقة صور. وفي الشهر نفسه، سلّم لبنان إلى مصر 37 قطعة أثرية فرعونية كانت السلطات اللبنانية قد ضبطتها قبل سنوات.
أما سوريا، فتسلّمت في نيويورك 36 قطعة أثرية، بينها منحوتة جنائزية من تدمر وقطع فسيفسائية تاريخية، بعد تحقيقات في الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
تحمل هذه الوقائع جانباً مضيئاً في معركة حماية التراث، لكنها تكشف أيضاً حجم الخسارة التي تسبق كل عملية استرداد. فالقطعة التي تُنتزع من موقعها لا تفقد مكانها الجغرافي فحسب، بل قد تفقد أيضاً جزءاً من المعلومات التي تتيح فهم تاريخها وعلاقتها بمحيطها.
في المقابل، تعكس غزة وجهاً أشدّ قسوة لهذه الخسارة. فقد أشارت منظمة اليونسكو، في تقرير نشرته في 15 تشرين الأول/أكتوبر، إلى أضرار موثّقة طاولت 164 موقعاً من مواقع التراث الثقافي في القطاع منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. وهي خسارة لا تختزلها الأرقام، إذ إنّ وراء المباني التاريخية والمساجد والأسواق القديمة حياة اجتماعية وذاكرة مكان تشكّلت عبر قرون.
الأضرار التي لحقت بقصر الباشا التاريخي في مدينة غزة، أحد الشواهد المعمارية على تاريخ المدينة.
ومن تدمر السورية، حيث دُمّر معبد بل عام 2015، إلى الموصل العراقية، التي شهدت إعادة إعمار معالم بارزة، بينها جامع النوري ومنارته الحدباء، يتكرّر سؤال الترميم: هل يكفي أن نعيد بناء ما تهدّم كي نستعيد ما فُقد؟
تصف كلّاس ما يصيب التراث في الحروب بأنه "مجزرة ثقافية"، مشيرةً إلى أنّ التدمير قد يتجاوز المباني الظاهرة ليطاول الطبقات الأثرية المدفونة تحت الأرض. وفي بعض النزاعات، ترى أن محو المعالم التاريخية قد يكون جزءاً من محاولات محو ذاكرة الشعوب وهويتها.
وتستحضر مثالاً بسيطاً: كيف يستطيع إنسان أن يتخيّل طاحونة كانت موجودة في قريته إذا لم يشاهدها يوماً، ولم تبقَ صورة تبيّن شكلها؟ فذاكرة المكان لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما أيضاً بالصورة والصوت والتفاصيل الحسية التي تمنح الحكايات معناها.
من هنا، تشدّد على أهمية التوثيق بالصور والخرائط والكتابات، وخصوصاً في البلدان المعرّضة للحروب، حيث قد يصبح الأرشيف الشاهد الوحيد على معالم اختفت من المشهد.
وقد تنجح التقنيات الحديثة في ترميم أجزاء من موقع تاريخي أو إعادة تأهيل مبنى متضرّر، لكنها لا تستطيع بالضرورة استعادة كل ما فُقد من أصالته وسياقه التاريخي، ولا الذكريات المرتبطة به.
فإعادة بناء المكان شيء، وإعادة علاقته بالناس شيء آخر.
حين يصبح التاريخ سلعة
غير أنّ الآثار لا تسقط دائماً تحت القصف، ولا تحتاج خسارتها إلى حرب. أحياناً، يكفي أن ينظر أحدهم إلى موقع أثري بوصفه قطعة أرض تصلح للبناء، أو إلى تمثال قديم باعتباره كنزاً يُباع لمن يدفع أكثر.
ويلفت الأب فاضل إلى أنّ جزءاً من المشكلة يكمن في نظرة المجتمعات إلى آثارها، حين ترتبط في بعض الأوساط الشعبية بالكنوز المدفونة والخرافات والسحر، أكثر مما ترتبط بالتاريخ والمعرفة.
ويستشهد بعلم المصريات، الذي أصبح حقلاً أكاديمياً متخصّصاً، للدلالة على الغنى العلمي الذي تختزنه الحضارات القديمة، وعلى أهمية التعامل مع الآثار بوصفها مصدراً للمعرفة، لا مجرد مقتنيات نادرة ذات قيمة مالية.
آثار مدينة جبيل التي تختزن شواهد حضارات متعاقبة على الساحل اللبناني. (National Geographic)
وفي رأيه، تكمن خطورة هذه النظرة في اختزال القطعة الأثرية بما يمكن أن تدرّه من مال، فيما قيمتها الحقيقية في ما تحفظه من تاريخ وهوية. فالآثار، كما يؤكد، "جزء من سيادة الدولة"، والاعتداء عليها يتجاوز خسارة الحجر أو المعلم التاريخي ليطاول الذاكرة والسيادة الثقافية.
ولا يحصر المسؤولية بالأفراد، بل يثير أيضاً مسألة السياسات الحكومية والتعديات العمرانية التي قد تعرّض المواقع الأثرية للخطر، حتى في غياب الحروب.
وفي لبنان، أعادت أعمال التجريف التي طاولت موقع "تلّ فدعوس – كفرعبيدا" الأثري في آب/أغسطس 2025، والذي يضم بقايا استيطان تعود إلى العصر البرونزي، طرح مسألة حماية المواقع الأثرية في مواجهة الضغوط العمرانية.
أما في مدينة جبيل، المدرجة على قائمة التراث العالمي، فلا تزال حماية المحيط الأثري والتوفيق بين متطلبات التنمية والحفاظ على التراث من التحديات التي تتابعها اليونسكو.
ولعلّ ما يجعل هذا النوع من التهديد أكثر تعقيداً أنه يحدث أحياناً من دون لحظة دمار واضحة. فقد تتغيّر ملامح حيّ قديم تدريجاً، أو تختفي عناصر من نسيجه العمراني، حتى يجد سكانه أنفسهم أمام مكان لم يعودوا يتعرّفون إليه كما عرفوه.
أعمال ترميم مئذنة الحدباء التاريخية في الموصل العراقية، بعد تدميرها خلال الحرب. (Reuters)
وتلفت كلّاس، في حديثها عن العولمة والتحوّلات المعاصرة، إلى مفارقة تستحق التأمل: فكلما اتّسع العالم وتسارعت مظاهر الحداثة، ازدادت حاجة الإنسان أحياناً إلى البحث عن جذوره. وتستحضر في هذا السياق تجربة دبي، حيث ترافق التطوّر العمراني المتسارع مع اهتمام بإحياء الموروث والعادات والتقاليد بوصفها عناصر أساسية في تأكيد الهوية.
وهذا ما يفتح النقاش على سؤال آخر: هل تتعارض الحداثة مع الحفاظ على التراث، أم إنّ المشكلة تكمن في الطريقة التي نختار بها التعامل مع الماضي؟
ذاكرة عربية مثقلة بالخسارات
لكنّ المسألة تصبح أكثر تعقيداً حين لا يفقد الإنسان الأثر وحده، بل يفقد أيضاً المكان الذي ينتمي إليه.
ففي لبنان وسوريا وفلسطين والعراق، حملت الحروب موجات من النزوح والتهجير. أجيال غادرت بيوتها، وأخرى وُلدت بعيداً عنها، ولم تعرف الأمكنة التي تنتمي إليها عائلاتها إلا من الصور والحكايات.
هنا، تطرح فكرةً لافتة: حتى عندما يختفي الأثر المادي، تبقى لدى الإنسان قدرة على حمل ذاكرته ونقلها. فقد يهاجر من قريته، ويعيش في بلد آخر، لكنه يستمر في رواية قصصها لأبنائه، مستعيداً عاداتها وتقاليدها وصورها في الكلام. فالمكان قد يغيب عن العين، لكنه لا يغيب بالضرورة عن الذاكرة.
ومن هذا المنطلق، تؤكد كلّاس أنّ:
العقل الإنساني هو المعقل الأخير للإرث الثقافي
فحين تتلاشى الشواهد المادية، تبقى الحكايات المتوارثة آخر ما يحفظ صلة الأجيال بتاريخها.
غير أنّ هذه القدرة على التذكّر تواجه بدورها تحدّياً أعمق.
وتستحضر الروائي العربي عبد الرحمن منيف وكتابه "لوعة الغياب"، متوقفةً عند إشكالية انقطاع التواصل والعجز عن المراكمة الإيجابية في الثقافة العربية. وترى أنّ المجتمعات العربية تعيش مفارقة بين ماضٍ حضاري غنيّ تتغنّى به، وحاضر مثقل بمحطات مؤلمة تجعل وصل الماضي بالحاضر أكثر صعوبة.
فالحروب المتعاقبة والنزوح والانكسارات ليست أحداثاً تعبر في حياة الشعوب من دون أن تترك أثراً. إنها تتراكم في الوجدان الجماعي، وتؤثر في الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه وتاريخه ومستقبله.
وتشبّه وقع هذه التجارب بما تتركه الصدمات النفسية في حياة الأفراد، إذ قد تهزّ حتى هوية راسخة ومتجذّرة. فحين تتوالى الخسارات، يصبح من الصعب على المجتمع أن يحوّل تجاربه إلى معرفة متراكمة تتيح له مواصلة البناء.
يد تعيد ترميم تمثال جنائزي من تدمر تضرّر خلال الحرب. (AFP)
ولعلّ هذا ما يجعل سؤال الآثار أكثر إيلاماً في المنطقة العربية. فالمجتمعات التي تختزن أرضها آلاف السنين من الحضارات تجد نفسها أحياناً منشغلة بالنجاة من حاضرها إلى حدّ يصعب معه الحفاظ على صلتها بماضيها. وبين الاعتزاز بالأمجاد القديمة وثقل التجارب الحديثة، قد تضيع القدرة على بناء ذاكرة متواصلة، لا تنكر مآسيها ولا تختصر تاريخها بها.
من هذه الزاوية، تتقاطع شهادتا كلاّس وفاضل عند فكرة أساسية: لا تكفي حماية الأثر من التدمير إذا لم نحافظ على المعرفة التي تمنحه معناه. فقد تبقى الآثار قائمة، لكنّ مجتمعاً لا يعرف تاريخها يفقد شيئاً من صلته بها.
ما الذي نتركه للأجيال المقبلة؟
بالعودة إلى قصة خالد عبد الحليم في الرقة، تبدو أهمية ما فعله أبعد من عدد القطع التي سلّمها إلى المتحف. فقد حافظ عليها طوال سنوات مضطربة، انطلاقاً من اقتناع بأنّها تنتمي إلى تاريخ بلاده، وأنّ مكانها الطبيعي ليس في حوزته، وإنما في الذاكرة العامة التي يحق للجميع أن يتشاركوا فيها.
وربما تبدأ حماية التراث من هذا الإقتناع تحديداً: أن يشعر الإنسان بأنّ ما ورثه من الماضي أمانة تتجاوز حياته الشخصية، وأنّ مسؤوليته لا تقف عند الحفاظ عليه، بل تمتد إلى إيصاله للأجيال التي لم تعرف بعد قصته.
فقد يستطيع شعب أن ينهض من بين أنقاض مدنه، وأن يعيد بناء ما هدمته الحروب، لكنّ الأصعب أن يعيد وصل الحكاية التي انقطعت بين أجياله.
ولعلّ الخسارة الأشدّ ليست أن يأتي يوم تختفي فيه آثارنا، بل أن تبقى أمام أعيننا، ونصبح نحن غرباء عن تاريخها...






0 تعليق