نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من نخلة واحدة إلى مصنع للتمور.. حكاية نهضة اقتصادية صنعها 400 مزارع في سيوة - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 09:45 صباحاً
في واحة سيوة، لا تبدأ الحكايات الكبيرة دائمًا برؤوس أموال ضخمة، ولا تحتاج الأحلام إلى مستثمر واحد يمتلك كل شيء أحيانًا يكفي أن يجتمع عدد من المزارعين من أهل سيوة الطيبين ويضع كل منهم ما يستطيع ويمنح الآخرين ثقته لتبدأ حكاية مشروع يكبر عامًا بعد آخر حتى يصبح ملكًا لمئات الأسر.
وهناك وسط واحة النخيل بدأت حكاية شركة النهضة للتمور والتى لفتت نظرنا عندما قام الدكتور عبد الوهاب البخاري أمين عام جائزة خليفة واللواء محمد الزملوط محافظ مطروح بمنح جائزة المهرجان الدولى للتمور هذا العام لاول كيان مؤسسى فى واحة سيوة
ومن هنا كانت البداية لنعرف الحكاية وما فيها والتى بدأت عام 2019، بفكرة أرادت أن تمنح صغار ومتوسطي المزارعين فرصة لمواجهة الاحتكار وخسائر التسويق وأن تنقلهم من بيع المحصول كلٌّ بمفرده إلى امتلاك كيان يتولى تخزين التمور وتجهيزها وتسويقها ويفتح أمامها أبواب الأسواق الجديدة.
كانت قيمة السهم ألف جنيه، لكن البداية لم تكن تتطلب دفع المبلغ كاملًا إذ أُتيح للمساهم دفع مقدم قدره 100 جنيه، في محاولة لفتح الباب أمام أصحاب الإمكانات المحدودة ومن بينهم الأرامل وأصحاب المساحات الصغيرة جدا.
وحتى من يملك نخلة واحدة فى بيته يمكنه المشاركة في مشروع اقتصادي لا يحتكره أصحاب الثروات وحدهم، ليصبح الحلم حقيقة ويشعر من يملك نخلة واحدة فى الواحة أنه صاحب مصنع وكيان
ونجحت الفكرة التى بدأت من جلسة عرفية تضم أصحاب الثقة وانضم نحو 400 مزارع من أبناء سيوة للمشروع الذى يضم مصنعًا للتمور ومخازن مبردة، ويعمل على تطوير الإنتاج والتسويق والتصدير
لكن الحكاية الأهم ليست في عدد المساهمين أو الأطنان التي يعالجها المصنع وإنما في فلسفة المشروع نفسه فالمزارع الذي يزرع النخلة ينبغي أن يكون شريكًا في القيمة التي تنتجها والفتاة التي تبحث عن فرصة عمل ينبغي أن تجدها في بيئة تحترم خصوصيتها والمجتمع الذي يتمسك بعاداته يستطيع أن يفتح أبواب التنمية دون أن يتخلى عن هويته.
وفي هذا السياق قال الحاج عمر عبد الله: «أردنا كيانًا يحمي المزارع الصغير، والهدف جمع المزارعين في كيان واحد، بدلًا من أن يواجه كل مزارع السوق بمفرده».
وأوضح أن المزارع يتعب طوال العام في رعاية النخيل وعندما يأتي موسم الحصاد قد يجد نفسه مضطرًا إلى البيع سريعًا حتى لو لم يكن السعر مناسبًا لأنه لا يمتلك مكانًا لتخزين محصوله أو القدرة على تحمل تكاليف التخزين.
وأشار إلى الفكرة بسيطة في ظاهرها لكنها احتاجت إلى شجاعة وثقة حتى تتحول إلى مشروع مشترك، وبدلًا من أن ينتظر المزارعون جهة تستثمر نيابة عنهم، قرروا أن يجمعوا مساهماتهم ويؤسسوا كيانًا يمتلكونه، ويستطيعون من خلاله إدارة جزء أكبر من رحلة التمور من الحقل إلى السوق.
وتعود البدايات كما يقول الحاج أنور رسلان إلى عام 2019، عندما بادر المزارع الحاج محمد يوسف بطرح الفكرة واجتمع عدد من المزارعين لوضع الخطوط الأولى للمشروع وتشكيل مجلس إدارة يتولى تنظيم العمل.
وجرى جمع رأس مال مبدئي بلغ نحو 425 ألف جنيه استخدمناه في شراء قطعة أرض للمشروع، مع إثبات مساهمات المشاركين بإيصالات خاصة. ولم يكن الهدف مجرد جمع الأموال، بل إتاحة فرصة حقيقية للمزارع البسيط كي يصبح مساهمًا في مشروع يتجاوز قدراته الفردية. ولمنع تركز الملكية في أيدي عدد محدود من المشاركين أو الاحتكار تم وضع حد أقصى لعدد الأسهم التي يمكن أن يمتلكها الفرد، بلغ 250 سهمًا.
وهكذا حاول المؤسسون وضع قاعدة مختلفة وهى أن يظل المشروع مساحة مشتركة وأن يكون لصغار المنتجين نصيب في إدارته والاستفادة من خدماته بدلًا من أن يصبحوا مجرد موردين للمحصول إلى جهة أخرى.
وتابع «الجلسة العرفية جمعتنا وكان أهم شيء أن يشعر كل مساهم بأن حقه محفوظ وأن الجميع يعملون من أجل هدف واحد وهو خدمة أهل سيوة الذين يعرفون بعضهم فردا فردا ولم تكن الطريق سهلة، ثم جاءت جائحة كورونا لتفرض تحديات مالية صعبة وتعثر بعض المزارعين عن السداد، وتوقف العمل فترة من الوقت، واضطرت إدارة المشروع إلى التعامل مع الأزمة من خلال خطط سداد تدريجية، قبل أن يستأنف النشاط مجددًا عام 2022».
وأكمل حديثه قائلا «مع تطور المشروع بدأنا العمل على إنشاء الأسوار والمخازن والتجهيزات اللازمة لحفظ المحاصيل، وصولًا إلى اتخاذ خطوة جديدة نحو التنظيم القانوني حتى تم إعلان الشركة بشكل كيان قانونى منظم فى أغسطس 2026، وتم تأسيس شركة مساهمة بإجراءات رسمية مع تنظيم بيانات المساهمين وتخصيص رقم وكود لكل مساهم بما يدعم توثيق الحقوق والحصص»
أما الحاج محمد صالح فيلفت النظر إلى مشكلة كانت أهم حافر لإنشاء الكيان فإنتاج التمور لا ينتهي عند حصاد الثمار بل تبدأ بعده مرحلة لا تقل أهمية وهى الفرز والتخزين والتجهيز والتسويق، وإذا لم تتوافر للمزارع إمكانات التخزين المناسبة فقد يضطر إلى بيع محصوله في توقيت لا يخدم مصالحه، أما وجود كيان يجمع المحاصيل ويخزنها ويتولى تسويقها، فيمنحه فرصة أفضل للتعامل مع السوق.
وقال الحاج محمد صالح نستقبل منتجات المزارعين، والأولوية للمساهمين فى الشركة، ثم يتم تخزينها فى الثلاجات المجهزة لذلك دون تحصيل رسوم مسبقة، ثم تسويقها لحساب أصحابها مع خصم المصروفات المستحقة بعد البيع.
وأوضح أن الطاقة الإنتاجية اليومية للمصنع تترواح ما بين عشرة إلى خمسة عشر طنًا وفق حجم الطلبات مع تركيز أساسي على التمر السيوي إلى جانب إدخال أصناف أخرى من بينها المجدول والفريحي بدرجاته المختلفة.
وأضاف «بفضل الله رغم أننا كيان ناشيء وصلت منتجاتنا إلى أسواق خارج مصر، من بينها المغرب وإيطاليا، وتمثل هذه الخطوة فرصة لتوسيع نطاق التسويق، لكنها تضع في الوقت نفسه مسؤولية أكبر على إدارة المصنع فيما يتعلق بجودة المنتج وانتظام الكميات ومواصفات التعبئة والتجهيز التي تتطلبها الأسواق الخارجية.
الفتيات المجتهدات
وابرز ما يلفت نظرك فى مصنع التمور غير أنه فى قلب مزارع النخيل السيوى هو تلك اللافتة التى تمت كتابتها على باب خاص معلق عليه مدخل خاص للفتيات.
وهذه حكاية أخرى لا تقل أهمية عن قصة المزارعين وهى حكاية الفتيات اللاتي وجدن في تعبئة التمور وفرزها فرصة للعمل وتحقيق دخل خاص بهن فخلال مواسم الذروة يصل عدد العاملات إلى نحو أربعين فتاة يشاركن في مراحل تجهيز التمور وفرزها وتعبئتها وفي هذه التفاصيل اليومية، تتجاوز قيمة العمل حدود الأجر، لتصل إلى شعور الفتاة بأنها قادرة على شراء ما تحتاج إليه والمساهمة في تجهيز مستلزماتها والاستعداد لمرحلة الزواج اعتمادًا على جهدها ودخلها.
وتحكى صباح مديرة التشغيل والمسئولية عن الفتيات. نانى إلى المصنع فى الصباح وأقوم بمتابعة كل فتاة فهذه مسئوليتها الميزان والأخرى مسئولة عن الفرز وتلك عن التعبئة وأخرى عن التغليف حيث نتابع العمل.
وأوضحت أن إدارة المصنع لم تكتفِ بتوفير فرص العمل بل وضعت ترتيبات خاصة لنقل العاملات تبدأ من منازلهن وتنتهي بإعادتهن إلى أسرهن بعد انتهاء يوم العمل.
إذ تتولى وسيلة مواصلات جمع الفتيات من بيوتهن في بداية اليوم، ثم إعادتهن مساءً حتى باب المنزل، بما يمنح الأسر قدرًا أكبر من الاطمئنان على بناتها خلال رحلة الذهاب والعودة وفي الداخل
وخصصت الإدارة ممر للعاملات مع تنظيم حركة العمل بما يمنع الاختلاط وفق النظام الذي تتبعه الإدارة كما توجد مرافق مخصصة لتبديل الملابس ودورات المياه والاستراحة وتناول الطعام، إلى جانب ضوابط لحماية الخصوصية من بينها عدم وجود كاميرات مراقبة في المناطق المخصصة للعاملات وضرورة الاستئذان قبل دخول المشرفين إلى أماكن عملهن
وهذه الترتيبات ليست مجرد تفاصيل إدارية بل هى جزء أساسي من فلسفة المشروع في التعامل مع المجتمع المحلي فالمسؤولون عن المصنع من أبناء سيوة ويعرفون طبيعة الواحة وعادات أهلها وتقاليدهم، ويدركون أن نجاح تشغيل النساء يرتبط أيضًا بمدى شعور العاملات وأسرهن بالاطمئنان إلى بيئة العمل وهنا يشير الحج عمر إلى أن الثقة التى منحها أهل سيوة لهذا المصنع بالذات أنه خرج من بينهم وكل مشارك فيه هو واحد من أهلها ولذلك عندما تسأله اين تذهب بالبلح يجيب انا ذاهب الى مصنعى وكذلك الفتيات وأهلهم. الكل يشعر أنه فى كيان يمتلكه.
وأضاف الحاج عمر أن المصنع يركز على تمور الواحة لكنه يسعى إلى الاستفادة من تنوع الأصناف واحتياجات الأسواق.
فالتمر السيوى يظل محورًا أساسيًا للإنتاج، بينما يتيح إدخال تمر المجهول والفريحي فرصًا لتوسيع قاعدة المنتجات والوصول إلى شرائح مختلفة من المشترين.
وتتطلب هذه الخطوة الاهتمام بجودة الفرز والتعبئة والتخزين فضلًا عن تطوير آليات التسويق وبناء علاقات مستدامة مع الأسواق الخارجية.
ولا تنفصل هذه الجهود عن احتياجات المزارعين في الحقول وهو جزء اجتماعى وفنى هام تقوم به جمعية تنمية سيوة كما يقول الحاج انور رسلان أحد أهم القيادات فى الجمعية التى تعمل على تقديم الاستشارات الفنية والمساعدة في حل المشكلات الزراعية.
وإلى جانب ذلك فهناك خطط لتوفير مستلزمات الإنتاج مثل الأسمدة والمبيدات والشتلات واسترداد تكلفتها مع بداية موسم الحصاد وللجمعية كان فضل كبير فى استضافة المهرجان الدولى للتمور الذى يقام تحت رعاية جائزة خليفة منذ عام 2015 وحتى الآن تحت رعاية مؤسسة ارث زايد والتى قامت بتكريم شركة النهضة المملوكة لاهل سيوة ليلقى الضوء على نموذج يحاول الجمع بين المصلحة الاقتصادية والتكافل الاجتماعي.
أصحاب التجربة يرون أن الجائزة ليست نهاية الحكاية بل بداية مرحلة تحتاج إلى مزيد من العمل للحفاظ على حقوق المساهمين، وتطوير الإدارة وتحسين جودة الإنتاج وتوسيع الأسواق، وضمان استمرار فرص العمل كما أن الحفاظ على الثقة التي قامت عليها التجربة يتطلب استمرار الشفافية في الحسابات، ووضوح المصروفات وآليات توزيع العوائد، وتطبيق القواعد القانونية المنظمة لحقوق المساهمين.
فما بدأ بمائة جنيه لم يتحول إلى مشروع بمجرد جمع الأموال، وإنما بفضل سنوات من المحاولة والعمل وتجاوز العثرات، وبفضل فكرة أرادت أن تجعل المزارع شريكًا في مؤسسته بدلًا من أن يبقى خارجها.
وفي سيوة تحمل النخلة تاريخًا من الصبر والعمل لكن تجربة النهضة تضيف إلى هذا التاريخ معنى جديد.وهو أن الثمرة لا تنتهي قيمتها عند الحصاد وأن المزارع يستطيع أن يكون شريكًا في تصنيعها وتسويقها، وأن الفتاة تستطيع أن تجد فرصة للعمل والاستقلال مع احترام خصوصية مجتمعها.
إنها حكاية 400 مزارع لم يجمعهم النخيل وحده، وإنما جمعتهم رغبة في حماية تعبهم وصناعة مستقبل أفضل لأسرهم. ومن سهم بدأ بمائة جنيه، إلى مصنع يفرز التمور ويجهزها للأسواق المحلية والعالمية تظل القيمة الأهم في هذه التجربة أن أهل الواحة قرروا أن يصنعوا فرصتهم بأيديهم، وأن يجعلوا من الثقة بداية للتنمية ومن احترام التقاليد طريقًا إلى المستقبل.
اقرأ أيضاً
صادرات التمور المصرية تقفز إلى 146.9 مليون دولار.. ومصر في المركز السادس عالميًاوزير الزراعة: مصر تتصدر دول العالم في إنتاج التمور بـ2.2 مليون طن سنويا








0 تعليق