نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من AI إلى SI... لماذا يريد ترامب تغيير اسم الذكاء الاصطناعي؟ - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 07:07 مساءً
لم يكتفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعرض موقف بلاده من الذكاء الاصطناعي، بل اقترح تغيير اسم التكنولوجيا التي يعاد على ضوئها رسم الاقتصاد العالمي ومستقبل العمل وحدود العلاقة بين الإنسان والآلة.
ترامب لا يريد أن يُسمّى الذكاء الاصطناعي بعد اليوم "Artificial Intelligence"، واختصاره "AI"، بل "Super Intelligence" أو "الذكاء الفائق"، واختصاره "SI". وبرّر ذلك بأن كلمة "اصطناعي" تجعل الذكاء يبدو "زائفاً"، مع أنه، وفق تعبيره، "مذهل" ونقيض لما يوحي به اسمه.
وقال إن الوثائق الأميركية ستعتمد من الآن فصاعداً المصطلح الجديد، معرباً عن أمله في أن يحذو العالم حذو الولايات المتحدة، قبل أن يعلن: "مرحباً بكم في العالم الجديد للذكاء الفائق".
لكن هل نحن أمام مجرد اقتراح لغوي عابر، أم محاولة لتغيير الطريقة التي يرى بها العالم هذه التكنولوجيا؟
الاسم ليس تفصيلاً
يحمل وصف "الذكاء الاصطناعي" تذكيراً ضمنياً بأن هذه الأنظمة من صنع الإنسان، طُوّرت بخوارزميات وبيانات وبنى حوسبة، وتقف خلفها شركات ومبرمجون وقرارات بشرية يمكن مساءلتها.
أما عبارة "الذكاء الفائق" فتنقل النظام من مرتبة الأداة إلى مرتبة القوة التي تتجاوز مستخدمها. إنها لا تصفه من حيث مصدره، بل من حيث تفوقه المفترض، وتضع الإنسان للمرة الأولى في الموقع الأدنى داخل الاسم نفسه.
من هنا، لا يبدو اقتراح ترامب مجرد استبدال كلمة بأخرى. فاللغة تحدد صورتنا الذهنية عن التكنولوجيا: هل نتعامل معها بوصفها أداة قوية ذات حدود وأخطاء، أم ذكاءً أعلى ينبغي اللحاق به والخضوع لمنطقه؟
هل المصطلح الجديد دقيق علمياً؟
تقنياً، لا يشكل "الذكاء الفائق" اسماً آخر للذكاء الاصطناعي المستخدم حالياً.
تُعرّف منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية نظام الذكاء الاصطناعي بأنه نظام قائم على الآلة يستنتج، انطلاقاً من المدخلات التي يتلقاها، كيفية إنتاج مخرجات مثل التوقعات والمحتوى والتوصيات والقرارات التي يمكن أن تؤثر في البيئات المادية أو الافتراضية. ويشمل ذلك مجموعة كبيرة من التطبيقات، من روبوتات المحادثة وتوليد الصور إلى التشخيص الطبي والتعرف إلى الوجوه وأنظمة القيادة الذاتية.
أما "الذكاء الفائق" فيُستخدم عادة للإشارة إلى مرحلة مستقبلية افتراضية تمتلك فيها الأنظمة قدرات تتجاوز أفضل القدرات البشرية في معظم المجالات، لا إلى كل برنامج أو نموذج يعتمد الذكاء الاصطناعي.
حتى شركة "OpenAI"، عند حديثها عن حوكمة الذكاء الفائق، وصفته بأنه أنظمة مستقبلية أكثر قدرة بصورة جذرية حتى من الذكاء الاصطناعي العام. أي إن المصطلحين لا يمثلان الشيء نفسه في الأدبيات التقنية.
وهنا تظهر المفارقة: الاسم الذي يراه ترامب "أكثر دقة" قد يخلط بين تكنولوجيا موجودة بالفعل ومرحلة مفترضة لم يصل إليها العالم بعد.
"من يفز بالذكاء الفائق يفز"
تكشف العبارة التي كررها ترامب جوهر اقتراحه: "من يفز بالذكاء الفائق يفز".
فالرئيس الأميركي لم يقدم التكنولوجيا باعتبارها مشروعاً إنسانياً مشتركاً، بل سباقاً استراتيجياً له فائزون وخاسرون. وأكد أن الولايات المتحدة تتقدم على الصين "بفارق كبير"، متعهداً بالمحافظة على هذه الصدارة.
من تنظيم التكنولوجيا إلى تشجيعها
رفض ترامب أمام الأمم المتحدة أي محاولة لبناء ما وصفه بـ"مخطط عولمي" للتحكم في الذكاء الاصطناعي، وأكد أن إدارته لن تكبح نمو تقنية قد تصبح، بحسب تقديره، أكبر من الثورة الصناعية والإنترنت.
وقال إن الولايات المتحدة ستشجع "الذكاء الفائق"، مع مراقبته عن كثب وإمكان تدخل وزارة العدل وأجهزة إنفاذ القانون عند الضرورة.
ويعكس هذا الموقف انتقالاً من منطق الوقاية المسبقة إلى منطق التطوير أولاً ثم التدخل عند ظهور الحاجة. وهو يختلف عن المقاربات الدولية التي تضع الشفافية والإنصاف وحماية الحقوق والرقابة البشرية في صميم التعامل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي.
فـ"اليونسكو"، على سبيل المثال، تربط أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بحماية الكرامة وحقوق الإنسان، فيما يركز إطار المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتكنولوجيا "NIST" على إدارة المخاطر التي قد تلحق بالأفراد والمؤسسات والمجتمع.
مخاطر حقيقية خلف المخاوف الخيالية
قلّل ترامب من التحذيرات القائلة إن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على البشرية أو إن الروبوتات ستهاجم البشر، ووضعها في سياق توقعات كارثية قال إنها لم تتحقق.
تعبيرية
لكن اختزال النقاش في سيناريو "الروبوت القاتل" قد يحجب مخاطر قائمة بالفعل، لا تحتاج إلى ظهور ذكاء يفوق الإنسان كي تصبح مؤثرة. وتشمل هذه المخاطر إنتاج المعلومات المضللة، وتكريس التحيز، وانتهاك الخصوصية، وفقدان بعض الوظائف، وغموض المسؤولية عن القرارات الآلية، فضلاً عن تركّز البيانات والقدرة الحاسوبية في أيدي عدد محدود من الشركات والدول.
كما تحذر الأطر المتخصصة من أن النظر إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي بوصفها أكثر موضوعية وقدرة مما هي عليه فعلاً قد يزيد الثقة بنتائجها، حتى عندما تكون خاطئة أو منحازة.
هل يستطيع ترامب تغيير الاسم فعلاً؟
يستطيع الرئيس الأميركي توجيه المؤسسات التابعة لإدارته إلى استخدام مصطلح معين في وثائقها، لكن فرض هذا التغيير على المجتمع العلمي والشركات والحكومات الأخرى مسألة مختلفة.
فمصطلح "الذكاء الاصطناعي" دخل منذ عقود إلى الأبحاث والجامعات والقوانين والمعايير الدولية وأسماء المؤسسات والمنتجات. كما أن اختصار "AI" أصبح جزءاً من لغة العالم اليومية، ما يجعل استبداله بقرار سياسي أمراً بالغ الصعوبة.
وقد لا ينجح ترامب في محو الاسم القديم، لكنه قد ينجح في شيء آخر أكثر تأثيراً: إدخال مصطلح "الذكاء الفائق" إلى التداول الشعبي، ودفع الجمهور إلى التعامل مع الأنظمة الحالية كما لو أنها تجاوزت فعلاً حدود الذكاء البشري.











0 تعليق