هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 07:27 مساءً

لم يعد الحب يموت بالضرورة لأن أحدًا توقف عن الحب. أحيانًا يموت لأن العالم من حوله أصبح سريعًا إلى درجة لا تسمح له بأن ينضج.

يبدأ الحب اليوم في زمن يريد كل شيء فورًا: الاستجابة الفورية، المتعة الفورية، الاختيار الفوري، والانسحاب الفوري. يكفي أن يتغير المزاج، أو أن تظهر صورة أكثر إغراءً على شاشة الهاتف، أو أن نشعر بأن العلاقة أصبحت تتطلب منا أكثر مما نرغب في تقديمه، حتى نبدأ في التفكير في الباب بدل التفكير في الطريق الذي أوصلنا إليه.

هكذا أصبح الحب يعيش تحت ضغط غريب: عليه أن يمنحنا الكثير، لكن من دون أن يطالبنا بالكثير.

نريد القرب من دون التزام، والحميمية من دون هشاشة، والحرية من دون وحدة، والآخر من دون أعباء الآخر. وهنا تبدأ مأساة الحب الحديث.

كان الحب الرومانسي، في أحد أكثر تجلياته كثافة، وعدًا بأن العالم يمكن أن يتغير بمجرد أن يظهر شخص واحد فيه. يكفي أن يأتي الآخر حتى تصبح الأشياء القديمة جديدة، والأماكن العادية ذات معنى، والوقت قابلًا لأن يُعاش بطريقة مختلفة.

كان الحب، في المخيلة الرومانسية، قادرًا على إعادة اختراع العالم. يكفي أن نتذكر فيرتر، ذلك الشاب الذي جعل غوته من عذابه إحدى أكثر صور الحب مأساوية في الأدب الأوروبي. لم يكن ألم فيرتر مجرد نتيجة لعدم الحصول على المرأة التي أحبها؛ كان العالم كله قد أصبح، في نظره، مرهونًا بهذا الحب. صار وجود الآخر مركزًا تتجمع حوله الأشياء كلها، وحين استحال الوصول إليه، فقد العالم تماسكه.

أما اليوم، فقد تبدو تلك المأساة، في نظر كثيرين، مبالغة من زمن آخر. نحن نعيش في عالم يستطيع فيه الإنسان أن يتعرف إلى عشرات الأشخاص خلال أسابيع، وأن يقطع علاقة في لحظة، وأن يبدأ أخرى قبل أن يكتمل الحزن على الأولى. لم تعد المشكلة ندرة الخيارات، بل فائضها. والفائض، لا يجعلنا أكثر سعادة دائمًا. قد يجعلنا أقل قدرة على الاختيار. لأن كثرة الإمكانات تحمل في داخلها وهمًا خطيرًا: أن هناك دائمًا شخصًا آخر في مكان ما، أفضل، وأكثر ملاءمة، وأكثر إثارة، وأكثر استعدادًا لمنحنا ما نريد.

وهكذا يصبح الآخر أقل شبهًا بإنسان، وأكثر شبهًا بخيار. نمر على الوجوه كما نمر على واجهات المتاجر. نختار، نرفض، نعود، نجرّب.

وفي هذه الحركة المستمرة، قد يصبح الالتزام نفسه شيئًا مثيرًا للريبة. لماذا أستقر إذا كان بإمكاني أن أختار؟ ولماذا أتحمل تعقيدات شخص واحد إذا كان العالم مليئًا ببدائل محتملة؟

هنا تلتقي ثقافة الاستهلاك مع ثقافة الحب. ليس لأن الإنسان يستهلك الأشخاص بالطريقة نفسها التي يستهلك بها الأشياء، فهذا تبسيط لا ينصف التجربة الإنسانية، وإنما لأن المنطق الثقافي الذي يحكم السوق يتسلل إلى الطريقة التي نتخيل بها رغباتنا.

في السوق، لا ينبغي للرغبة أن تستقر طويلًا. إذا استقرت، تباطأت الحركة. ولذلك تحتاج المنظومة الاستهلاكية إلى رغبات جديدة باستمرار. ما كان مرغوبًا بالأمس يصبح عاديًا اليوم، وما كان كافيًا يصبح ناقصًا، وما كان حلمًا يصبح منتجًا قديمًا بمجرد ظهور حلم آخر.

وقد لاحظ زيغمونت باومان أن قوة السوق لا تكمن فقط في خلق رغبات جديدة، بل في جعل الرغبات القديمة تفقد بريقها بسرعة. وحين يدخل هذا المنطق إلى العلاقات، يصبح الاستقرار نفسه موضع شك. ماذا لو كان هناك شخص أفضل؟ ماذا لو كانت هذه العلاقة ليست العلاقة الصحيحة؟ ماذا لو كان يمكنني أن أشعر بشيء أكثر إثارة مع شخص آخر؟ وهكذا لا تعود المشكلة في أن العلاقة سيئة. قد تكون جيدة. لكنها ليست «الأفضل» في عالم يطلب منا باستمرار أن نبحث عن الأفضل.

وهذه واحدة من أكثر المفارقات قسوة في الحب المعاصر: أن كثرة الخيارات قد تجعل الالتزام أصعب، لا أسهل. فكل اختيار نهائي يعني التخلي عن خيارات أخرى. والإنسان الحديث، الذي تعلّم أن الحرية تعني اتساع الإمكانات، قد يشعر أحيانًا بأن الالتزام تضييق لهذه الحرية.

أن أختار شخصًا واحدًا يعني أنني لم أعد متاحًا لكل الاحتمالات الأخرى. ومن هنا تصبح الحرية، التي كان يُفترض أن تحرر الإنسان، سببًا في خوفه من الارتباط.

لكن ما ننساه هو أن الحب نفسه لا يوجد خارج الاختيار. الحب ليس مجرد شعور يحدث لنا. إنه، في جزء منه، قرار بأن نبقى. أن نعطي العلاقة وقتًا كي تتجاوز مرحلة الانبهار. أن نحتمل اختلاف الآخر. أن نكتشف أن الشخص الذي أحببناه ليس الصورة التي رسمناها له في البداية.

أن ننتقل من حب الخيال إلى حب الإنسان. وهذه النقلة هي ربما أصعب مراحل الحب.

في البداية، نحب ما نتخيله. ثم نكتشف الآخر. والاكتشاف يعني أن الصورة المثالية ستتصدع. قال أورتيغا إي غاسيت إننا نقع في الحب حين نُسقط على شخص آخر كمالات لا تكون موجودة فيه بالضرورة. وهذه الفكرة تفسر شيئًا جوهريًا في الحب: نحن لا نرى الآخر فقط؛ نرى أيضًا ما نحمله نحوه من خيال.

نحب الشخص، نعم. لكننا نحب كذلك النسخة التي صنعها خيالنا منه. ولهذا تكون بداية الحب سهلة أحيانًا. كل شيء ممكن. لا تزال العيوب بعيدة، والاختلافات غير مكتشفة، والمستقبل مفتوحًا على الاحتمالات. ثم تبدأ الحياة اليومية. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.

يصبح الآخر شخصًا له مزاجه، وحدوده، وذاكرته، وخوفه، وتناقضاته، وأيامه السيئة. يصبح أقل لمعانًا، لكنه أكثر حقيقة. وفي هذه النقطة تحديدًا يمكن أن يبدأ الحب الناضج، أو يبدأ الهروب. لأن ثقافة الاستهلاك لا تعلمنا دائمًا كيف نصلح الأشياء. تعلمنا كيف نستبدلها.

إذا تعطل الهاتف، نشتري هاتفًا آخر. إذا مللنا من الأثاث، نغيره. إذا لم تعد الملابس تعجبنا، نستبدلها. لكن الإنسان ليس هاتفًا. والعلاقة ليست منتجًا.

ومع ذلك، يمكن للمنطق نفسه أن يتسلل دون أن نشعر إلى العلاقات: عندما تظهر الصعوبة، بدل أن نسأل «كيف نصلح؟»، نسأل «هل يوجد أفضل؟».

هنا يتحول الانفصال من حدث استثنائي إلى جزء من بنية العلاقة نفسها. يصبح احتمال الرحيل حاضرًا منذ البداية. والغريب أن معرفة هذا الاحتمال قد تؤثر في قدرتنا على التعلق.

كيف يمكن أن تسلّم نفسك بالكامل لشخص وأنت تعرف أن المغادرة أصبحت سهلة؟ كيف يمكن أن تبني بيتًا نفسيًا إذا كنت تحتفظ دائمًا بحقيبة صغيرة قرب الباب؟ ربما هذه هي هشاشة الحب الحديث: ليس غياب الرغبة، بل غياب الإحساس بالأمان الذي يسمح للرغبة بأن تتحول إلى التزام.

نحن نرغب كثيرًا، لكننا نتردد في التعلق. نقترب، لكننا نحتفظ بمسافة للهرب. نقول «أنا أحبك»، لكننا لا نريد أن تصبح هذه الجملة مسؤولية.

نريد أن نكون أحرارًا داخل العلاقة، لكننا ننسى أن الحرية الحقيقية ليست غياب القيود كلها، بل القدرة على اختيار القيود التي تجعل الحياة ذات معنى.

فمن دون نوع من الالتزام، تتحول الحرية إلى حركة مستمرة. والحركة ليست بالضرورة تقدمًا. قد تكون مجرد هروب من السكون.

لقد وصف إميل دوركايم، قبل أكثر من قرن، نوعًا من الإنسان الذي تتسع أمامه الرغبات بلا حدود لأنه لا يملك معيارًا داخليًا يحدد له متى يكفيه ما لديه. كلما حصل على شيء، ظهر أمامه شيء آخر. وكلما بلغ احتمالًا، نشأ احتمال جديد.

وهكذا لا يصبح العالم أوسع، بل يصبح الإنسان أكثر تعبًا. هذه هي مفارقة الرغبة التي لا تجد حدًا: إنها لا تمنحنا مزيدًا من الحياة، بل تجعلنا عاجزين عن الاستقرار داخل أي حياة.

وفي الحب، قد تظهر هذه المأساة بوضوح خاص. شخص يظل يبحث عن الشعور المثالي. عن الانجذاب الذي لا يتراجع. عن العلاقة التي لا تحتاج إلى عمل. عن الآخر الذي يفهم كل شيء دون شرح. عن الحب الذي لا يصطدم بالملل أو الاختلاف أو المسؤولية. لكن مثل هذا الحب لا يوجد إلا في الخيال.

أما الحب الحقيقي، فله أيام عادية. له صمت. له سوء فهم. له تعب. له اختلاف في الرغبات. وله، قبل كل شيء، حاجة إلى الصبر.

ولهذا قال إريك فروم إن القدرة على الحب ليست أمرًا تلقائيًا، بل إنجازًا نادرًا. فالإنسان قد يعرف كيف يرغب، وكيف يجذب، وكيف يثير الاهتمام، لكنه لا يعرف بالضرورة كيف يحب.

الرغبة تريد أن تمتلك. أما الحب فيريد أن يرى. الرغبة قد تقول: «ماذا يمكن أن يمنحني هذا الشخص؟» أما الحب الناضج فيسأل أيضًا: «من هو هذا الشخص، بعيدًا عن حاجتي إليه؟»

وهنا يكمن الفارق بين العلاقة بوصفها استهلاكًا والعلاقة بوصفها لقاءً. في الأولى، يصبح الآخر وسيلة لإشباع الذات. في الثانية، يصبح الآخر عالمًا مستقلًا ينبغي الاقتراب منه باحترام.

ربما لهذا يخاف الإنسان الحديث من الالتزام أكثر مما يخاف من الوحدة. فالالتزام يغلق بعض الأبواب. لكن المفارقة أن الحياة نفسها لا تصبح عميقة إلا عندما نغلق بعض الأبواب.

لا يمكن أن نعيش كل الحيوات. لا يمكن أن نحب الجميع. ولا يمكن أن نبقى إلى الأبد في غرفة الاحتمالات.

في مرحلة ما، يجب أن نختار. ثم نمنح اختيارنا الوقت الكافي لكي يتحول من احتمال إلى حياة. وهنا يبدأ الحب الحقيقي.

ليس عندما يكون كل شيء ممكنًا، بل عندما يصبح شخص واحد مهمًا بما يكفي لكي نقول لبقية الاحتمالات: ليس الآن.

ربما لم يعد السؤال اليوم: «هل ما زلنا نؤمن بالحب؟» فنحن نؤمن به أكثر مما نظهر. نبحث عنه في التطبيقات، والأغاني، والأفلام، والصور، والرسائل الليلية، واللقاءات العابرة، وحتى في الخطاب القاسي الذي يعلن استقلاله عن الحب.

لكن السؤال الأصعب هو: هل ما زلنا نملك الصبر الذي يحتاج إليه الحب؟ هل نستطيع أن نتحمل أن يتحول الانبهار إلى معرفة؟ أن تتحول المعرفة إلى مسؤولية؟ أن تتحول المسؤولية إلى التزام؟ أن نكتشف أن الآخر ليس حلمًا تحقق، بل إنسانًا حقيقيًا يحمل نقصه وتناقضه وتاريخه؟

الحب ليس العثور على شخص كامل. بل القدرة على رؤية الشخص الحقيقي دون أن نطلب منه أن يبقى خيالًا. ولهذا فإن هشاشة الحب الحديث ليست في أن الناس لم يعودوا يحبون. ربما المشكلة أنهم تعلموا أن يغادروا قبل أن يتعلموا كيف يبقون.

تعلموا كيف يختارون، لكنهم لم يتعلموا دائمًا كيف يلتزمون باختيارهم. تعلموا كيف يحمون استقلالهم، لكنهم نسوا أن بعض أشكال الاستقلال قد تتحول إلى عزلة. وتعلموا كيف يستبدلون ما لا يرضيهم، حتى أصبحوا أحيانًا عاجزين عن إصلاح ما يستحق الإصلاح.

في عالم يفتح لنا كل يوم أبوابًا جديدة، قد يصبح أصعب فعل حب هو أن نبقى لحظة إضافية أمام الباب الذي اخترناه. لا لأن البقاء فضيلة في ذاته. ولا لأن كل علاقة ينبغي إنقاذها.

بل لأن الحب لا يُختبر فقط في لحظة الانجذاب، وإنما في المسافة الطويلة بين الانجذاب والحياة. هناك، في التفاصيل الصغيرة، بعيدًا عن الصور اللامعة والرسائل الأولى، يبدأ السؤال الحقيقي: هل نستطيع أن نعيش مع إنسان لا يطابق خيالنا؟ هل نستطيع أن نراه كما هو، لا كما نريده أن يكون؟ هل نستطيع أن نحتمل أن الحب ليس نشوة متصلة، بل عملًا بطيئًا على الذات وعلى العلاقة؟ ربما هنا بالضبط يصبح الحب فعلًا مضادًا لمنطق الاستهلاك.

فالحب يكتشف أحيانًا أن ما نسميه مللًا ليس سوى اللحظة التي يسقط فيها بريق الوهم ويبدأ عمق المعرفة. لهذا ربما لا يحتاج الحب الحديث إلى مزيد من الخيارات. إنه يحتاج إلى معنى للاختيار. وإلى شجاعة تسمح لنا بأن نقول: لقد اخترتك، لا لأنني لا أرى العالم، بل لأنني رأيته ثم قررت أن أبني معك عالمًا خاصًا.

وهذا القرار، في زمن الخيارات اللانهائية، قد يكون أكثر أشكال الحب ثورية. لأن الحب في النهاية ليس تراكمًا للفرص. إنه التخلي عن بعضها كي تصبح فرصة واحدة حياة.

وإذا كان المجتمع الاستهلاكي يدفعنا إلى الاعتقاد بأن قيمتنا تكمن في عدد البدائل المتاحة أمامنا، فإن الحب يهمس بعكس ذلك تمامًا: “قد لا تكون حياتك أعظم لأنها احتوت على أكبر عدد من الاحتمالات، بل لأنها منحت بعض الاحتمالات الوقت الكافي كي تتحول إلى معنى.”

ربما لهذا كان الحب دائمًا هشًا. ليس لأنه ضعيف، بل لأنه يطلب من الإنسان أن يفعل شيئًا يتعارض مع جزء عميق من منطق عصره: أن يتوقف عن الركض. أن يختار. أن ينتظر. أن يرى الآخر.

وأن يبقى طويلًا بما يكفي لكي يكتشف أن الحياة لا تُبنى من كثرة الأبواب التي فتحناها، بل من بعض الأبواب التي اخترنا، بشجاعة، ألا نغادرها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق