ترامب وحرب التعديل الأول - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ترامب وحرب التعديل الأول - تواصل نيوز, اليوم الخميس 24 سبتمبر 2026 04:27 صباحاً

لم يكن الثامن عشر من أيلول/سبتمبر يوماً عادياً في العلاقة المضطربة بين دونالد ترامب والإعلام الأميركي. ففي ذلك اليوم، أعلن الرئيس منع "سي أن أن" و"أم أس ناو" و"بوليتيكو" من دخول البيت الأبيض، متهماً إياها بنشر الأخبار الكاذبة والخيال، ومؤكداً أن قراره لم يأتِ بسبب حادثة واحدة، بل نتيجة تراكم ما وصفه بتغطيات كاذبة على مدى سنوات، مع تلويح بأن مؤسسات أخرى قد تلحق بها.

 

وبعد ثلاثة أيام، انتقلت المواجهة من بوابة البيت الأبيض إلى بوابة القضاء، حين رفعت المؤسسات الثلاث دعوى ضد الإدارة، معتبرة أن الحظر يمس حرية الصحافة والتعبير التي يحميها التعديل الأول للدستور، إلى جانب حقوق إجرائية يكفلها التعديل الخامس، وطالبت بأمر قضائي موَقّت يعيد إليها حق الوصول. والمفارقة أن القضية وصلت إلى القاضي تيموثي كيلي، وهو نفسه الذي أعاد في 2018 تصريح مراسل "سي أن أن" جيم أكوستا إلى البيت الأبيض.

 

لكن القصة لم تتوقف عند باب أُغلق؛ فـ"CNN" كانت واحدة من خمس شبكات تتناوب مهمة تغطية الرئيس عبر ما يُعرف بـTV Pool؛ وهو نظام تتولى فيه إحدى الشبكات تصوير تحركات الرئيس وتوفير الإشارة المصوّرة لبقية المؤسسات. وبعد استبعاد "CNN"، رفضت ABC وCBS وNBC و"فوكس نيوز" أن تحل محلها، فتوقف التجمّع عن تغطية فعاليات الرئيس. وفي لحظة بدت كأنها من زمن آخر، ظهرت الإدارة بمسار آخر: بث يحمل اسم "ترامب تي في"، في محاولة لتقديم صورة الإدارة من دون الوسيط الصحافي التقليدي.

 

وهنا الجديد، فقد كان لدى الرئيس نيكسون علاقة مضطربة بالإعلام، لكنه لم يتمكن من بناء قناة مباشرة إلى جمهوره كما يفعل ترامب، الذي سبق أن استبدل X بـ"تروث سوشال".

 

ولنعد إلى الأسباب الترامبية التي دفعت قرار الحظر. "بوليتيكو" تبدو نموذجاً؛ ليس لأنها المؤسسة الوحيدة التي اصطدمت بإدارة ترامب، بل لأنها نشرت، في الرابع من أيلول/سبتمبر، تقريراً شديد الحساسية، حمل عنواناً لافتاً: “We've told them he cannot come”. استند التقرير لأكثر من 20 نائباً جمهورياً لا يريدون ترامب إلى جوارهم في حملاتهم الانتخابية قبيل الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر. كانت تلك صورة محرجة للحزب: رئيس يظل مركز الثقل في القاعدة، لكن بعض المرشحين يفضلون أن تبقى مسافته عنهم محسوبة.

 

تتعدد الروايات، لا الأسباب بالضرورة. فترامب يقول إن الحظر جاء نتيجة تراكم سنوات من التغطيات التي يصفها بالكاذبة. والبيت الأبيض، في سياق آخر، يضع "بوليتيكو" في ملف اشتراكات بلغت قيمتها أكثر من ثمانية ملايين دولار خلال إدارة بايدن، أوقفتها إدارة ترامب الحالية. وفي المقابل، تنقل "CNN" عن مصادر مطلعة أن مواد من "بوليتيكو" كانت من بين ما عُرض على الرئيس قبيل القرار، إذ نقلت المصادر أن ناتالي هارب، إحدى أقرب مساعدات ترامب، عرضت عليه في الأسبوع السابق مقاطع من التغطية الإعلامية، وكان من بينها رسم بياني نشرته "بوليتيكو"، قيل إنه أثار غضبه وأسهم في دفعه نحو القرار. ثلاث روايات تلتقي عند المؤسسة نفسها، لكن من دون أن تمنحنا مفتاحاً نهائياً للقرار.

 

وهنا يصبح التعديل الأول للدستور أكثر من نص عن حرية الصحافة. فالمسألة ليست أن للصحافي حقاً مطلقاً في دخول البيت الأبيض، بل: هل يجوز أن يتحول الوصول إلى السلطة إلى مكافأة تمنحها لمن يوافقها، وعقوبة تحجبها عمّن يزعجها؟

 

في أميركا، يمكن للرئيس أن يكره ما تكتبه الصحافة، وأن يردّ عليها، وأن يفتح منصّاته الخاصة. لكن الديموقراطية تقوم على أن تكون هناك مرآة لا يملك الرئيس حق كسرها كلما لم تعجبه صورته فيها.

 

السؤال الأبعد هو: أيّ واشنطن نريد أن تبقى حين ينتهي ترامب؟ فالرؤساء يذهبون، والإدارات تتبدّل، والغضب السياسي يهدأ يوماً ما. أما المؤسسات التي تُختبر اليوم، فستبقى غداً أمام رئيس آخر، وقد يأتي رئيس لا يشبه ترامب، لكنه يجد الباب نفسه مفتوحاً، والمرآة نفسها قابلة للكسر.

 

ولأن الديموقراطية لا تخاف من صوت يختلف معها، بقدر ما تخاف من صوت واحد يقرر للجميع ماذا يرون، فإن أخطر ما في حكاية الباب المغلق ليس من مُنع من العبور، بل من يملك غداً مفتاحه.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق